ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

إصلاح التعليم : ‘ورش ملكي’ ونتائج كارثية وغياب المساءلة

المصدر:  | 29 أغسطس 2013 | الأولى, مجتمع |

315112722phpthumb-generatebn315112.png

بعد مرور ثلاثة عشر سنة على اعتماد ميثاق التربة والتعليم ثم تطبيقه، وبعد اعتماد البرنامج الاستعجالي سنة 2009، من الطبيعي بل من الضروري أن نتساءل ما هي الإنجازات التي تحقـقت فعلا لإصلاح التعليم ؟ وفي غياب حصيلة رسمية مفصلة و معززة بالأرقام، نحن مضطرون إلى أن نقتصر على القضايا التعليمية الكبرى واستخدام ما توفر لدينا من معطيات جزئية.

الميثاق وعُـشرية التعليم تحت الرعاية الملكية

عندما تمت صياغة واعتماد ميثاق التربية والتعليم سنة 1999، كان إصلاح التعليم يتوخى أربعة أهداف رئيسية : تعميم التعليم الإجباري؛ التقليص من الهدر المدرسي، ضمان جودة التعليم، وانفتاح المنظومة المدرسية على سوق العمل.

عندما اقتربت نهاية العُـشرية صدر تقرير للمجلس الأعلى للتعليم سنة 2008 يعـترف بعدم تحقيق الجزء الأكبر من أهداف الميثاق وباستمرار مشاكل تعليمية دون حل. هذا التشخيص اعتبر أن الحكامة التي تخضع لها المنظومة التعليمية مقلقة للغاية، ولذلك أقدمت الدولة بسرعة على بلورة المخطط الاستعجالي وتم التسويق له وكأنه يحمل نفسا جديداً و يشكل السبيل لتدارك الأمر وتحقيق الأهداف التي لم تتحقق من ميثاق التربية والتعليم.

البرنامج الاستعجالي 2009-2012

هذا المخطط الاستعجالي أعلن بدوره أنه يضع التلميذ المتلقي للمعرفة في قلب منظومة التعليم والتكوين، وركز على اكتساب المعارف والقدرات الأساسية وشدد على الالتزام بتفعيل التعليم الإجباري حتى سن 15 سنة و ضمان تحقيق جميع أهداف الميثاق. وقد تمت هيكلته على شكل أربعة ميادين كبرى و27 مشروعا، يتضمن كل واحد منها مجموعة من المكونات والإجراءات التي تستحق إلى أن تخضع لتقييم دقيق ومضبوط . هناك أمر لا يجب إغفاله : لقد رُصدت لهذا المخطط الاستعجالي موارد مالية استثنائية تبلغ43.7 مليار درهم على مدى الفترة 2009-2012. إن حجم هذا المبلغ وحده يستلزم تقييما دقيقا للمخطط وتقديم المسؤولين عنه للمحاسبة.

1. محاربة الأمية : وهْم المستفيدين وواقع الأمية

الأمية مشكلة تعرقل التنمية البشرية و تسيء إلى الاقتصاد المغربي، وهو ما أصبح يتجلى بوضوح في تصنيفات المغرب المخجلة ضمن المؤشرات الدولية المختلفة، كما يتجلى في تدني الإنتاجية الإجمالية الوطنية. وفقا لدراسة لمديرية مكافحة الأمية، فإن نسبة 1 % من الأمية تعادل خسارة 1.3% من الناتج الداخلي الإجمالي أو 10.3 مليار درهم سنة 2010.

وسائل محدودة ونتائج باهتة

بين عامي 2007 و 2008 كانت الميزانية المخصصة لمحو الأمية تناهز 110 مليون درهم، ثم ارتفعت إلى 150 مليون في عام 2009، ووصلت إلى 210 مليون في عام 2012. إن نموها منذ 2009 يرجع أساسا إلى مساهمة كبيرة من التعاون الدولي. ووفقا للبيانات الرسمية، فقد ازداد عدد المستفيدين من مختلف عمليات محو الأمية بشكل ملحوظ، حيث انتقل عددهم من 450000 سنة 2003 إلى 702000 سنة 2011.

في الواقع، إن عدد المستفيدين (المسجلين) وحده لا يكفي لمعرفة عدد من تخلصوا فعلا من الأمية، حيث إذا علمنا أن نسبة المغادرة قبل إتمام الدروس مرتفعة ندرك أن النتائج متواضعة. إن قياس التقدم المحرز بعدد المستفيدين من محو الأمية ما هو إلا وهم. بين سنة 2003 و2011 ، قيل إن مجموع المستفيدين من محو الأمية بلغ حوالي 5 مليون فرد. وإن قبلنا نسبة المردودية الرسمية البالغة 70% ، سيكون عدد الذين تعلموا فعلا القراءة والكتابة 3.5 مليون، أي بمعدل 437000 فردا كل سنة، و هو رقم ضئيل مقارنة بعدد السكان الأميين المقدر بنحو 11 أو 12 مليون.

2. وهْم التعليم الإجباري المعمم

التدريس الأوَّلي بين التعميم الموعود لسنة 2004 و انخفاض عدد المستفيدين !

أرقام التعليم الأولي – قبل المدرسي – متواضعة جداً مقارنة مع الطموح الذي عبر عنه ميثاق التعليم الذي كان قد بشر بتعميمه مع مطلع سنة 2004. بدلاً من ذلك، انخفضت أعداد الأطفال المستفيدين منه طوال الفترة من 2008-2012 التي شملها المخطط الاستعجالي من 70349 سنة 2008 إلى 66041 سنة 2012، أما إذا تم اعتماد تعريف دقيق مطابق للمعايير الحديثة فإن نسبة لا تفوق 25% من أعداد المستفيدين هي التي سينطبق عليها التعريف.

التعليم الإجباري : أرقام لا تكاد تراوح مكانها

خلال نفس الفترة، شهدت أعداد التلاميذ في التعليم العمومي تقدما متواضعا: من 5.59 مليون سنة 2008-2009 إلى 5.76 مليون سنة 2012. في التعليم الابتدائي العمومي، لم تتغير الكتلة العددية حيث بلغت 3.49 مليون سنة 2008 و3.5 مليون سنة 2012، ونفس الملاحظة تنطبق على مرحلة الإعدادي حيث انتقل العدد من 1.37 مليون إلى 1.38 مليون تلميذ. أما مرحلة الثانوي فقد عرفت ارتفاعا ملحوظا من 731000 سنة 2008 إلى 879269 سنة 2012.

3. تطور التعليم و 378 ألف تلميذ يغادرون المدرسة كل سنة !

فيما يتعلق بمكافحة الهدر المدرسي، اعتمد المخطط الاستعجالي نفس الأهداف السابقة ووضع لها جدولا زمنيا بعيدا للإنجاز. لكن، بعد 13 عاماً عن اعتماد الميثاق، تحسنت نسبة الهدر المدرسي قليلا ولكن مشكلة مغادرة المدرسة قبل الأوان والتكرارتظل مزعجة جدا حتى على مستوى التعليم الإجباري. خلال الفترة بين 2008 و 2012 غادر المدرسة 1.51 مليون تلميذ، منهم 498000 من الابتدائي بنسبة 32.8 % و 644185 من الإعدادي بنسبة 42.5 % ، ومجموعهما هو 75% من التعليم الإجباري. بصيغة أخرى، يبلغ المتوسط السنوي للمنقطعين عن الدراسة على مدى تلك الفترة رقم 378000 منهم 124000 من التعليم الابتدائي و 161000 من التعليم الإعدادي.

خلال الفترة 2008-2012، رسب وكرر السنة 2.92 مليون تلميذ (من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية)، والجزء الأكبر من هؤلاء الراسبين يوجد في التعليم الابتدائي بنسبة 50.08%، يتبعهم الراسبون في الإعدادي بنسبة 29.63%، و بذلك يكون متوسط عدد منسقومون بتكرار السنة كل عام هو 732000 تلميذ، منهم 366800 في الابتدائي و 217000 في الإعدادي.

إن مشكلة التكرار هذه خسارة ضخمة نظراً لوقوعها خلال مرحلة التعليم الإجباري و لكونها تمهد للانقطاع النهائي عن الدراسة |أي الهدر المدرسي.

4. نسبة استكمال الأطوار التعليمية منخفضة

ومن عواقب هذه الخسارة، بقيت نسبة عدم إتمام الدراسة مرتفعة جدا خلال فترة المخطط الاستعجالي، وعلى جميع المستويات بما في ذلك مراحل التعليم الإجباري.

في سنة 2012، وصلت نسبة عدم إتمام الدراسة إلى 37% في المجمل، منها 13.8% في التعليم الابتدائي، 34.7% في الإعدادي و 62.5 % في الثانوي. استناداً إلى هذه الأرقام، فإن 1.511 مليون من تلاميذ الابتدائي و 483000 من تلاميذ الإعدادي و 479000 من تلاميذ الثانوي لم يتموا دراستهم منهم 962000 في مرحلة التعليم الإجباري. هل يبقى أي معنى لمصطلح تعميم التعليم في هذه الظروف؟

تؤكد هذه البيانات عن استمرار معضلة مغادرة الدراسة في سن مبكرة تلك النتائج المماثلة التي تم التوصل إليها سابقا. ففي عام 2000، كانت نسبة السكان من 15 إلى 34 سنة الخارجين من النظام التعليمي، أن فئة من ليس لهم أية شهادة تناهز 67 % من المجموع، وخريجي التعليم الأساسي 24% أي ما مجموعه 91% . وفي عام 2009، تبقى البنية الإجمالية للخارجين من النظام التعليمي مشابهة لما كان عليه الحال في بداية العشرية : فالمتخرجون دون شهادة بلغت نسبتهم 62%، و المتخرجون من التعليم الأساسي 28% ، ومن التعليم العالي نسبة 4%. و هكذا ففي نهاية العقد الأول من 2000، لا تزال كتلة القادمين إلى سوق الشغل في المغرب – وهو من أهداف الميثاق – تهيمن عليها بنسبة 90% فئة من لا شهادة لهم و من لم يتجاوزوا التعليم الأساسي.

ومن ثم يحق طرح سؤال المسؤولية عن هذه الوضعية حيث ” لا تستطيع فئات من شبابنا تحقيق تطلعاتها المشروعة على المستوى المهني والمادي والاجتماعي ” (من خطاب الملك يوم 20 غشت 2013 )

5. الجودة واستيعاب المعرفة : أغلبية التلاميذ غير متمكنة من القواعد الأساسية

إن مستوى ونوعية المعارف المكتسبة أمور ضرورية لتقييم النتائج المدرسية، وهذا ما يتم بواسطة دراسات التقييم الوطنية والدولية.

دراسات التقييم الدولية حول اكتساب المعرفة المدرسية

لقد أظهرت دراستان وهما 2003 TIMSS و PIRLS 2006 ضعف أداء التلاميذ المغاربة في العلوم والرياضيات والقراءة. وهكذا فقد كشف البحث الميداني TIMSS المنجَز سنة 2003 على مستوى السنة الرابعة من التعليم الابتدائي أن 61 % من تلامذة المدرسة المغربية لا يتوفرون على الحد الأدنى من المعرفة في مادة الرياضيات، بينما تصل النسبة إلى 66 % في مادة العلوم. أما تلاميذ السنة الثانية من الإعدادي فإن 58 % منهم لا يتوفرون على الحد الأدنى من المعرفة في مادة الرياضيات و ينخفض الرقم إلى 52 % في مادة العلوم، دائما حسب دراسة TIMSS.

أما دراسة PIRLS المنجزة سنة 2006 حول تلامذة السنة الرابعة من التعليم الابتدائي فقد أبرزت أن 74 % منهم لا يتوفرون على الحد الأدنى المطلوب في القراءة والفهم.

هذه النتيجة التي تزامنت مع بداية المخطط الاستعجالي تأكدت بفضل الدراسة الميدانية الوطنية سنة 2009 و الدراسات التي تلتها فيما بعد و خاصة TIMS و PIRLS 2011. ففيما يتعلق بالقراءة فإن دراسة TIMS منحت للمغرب 310 نقطة وراء عمان (391) وقطر (425)، و بعيدا جدا عن مستوى تلاميذ هونغ كونغ (571 نقطة) أي بفارق 261 نقطة أكثر من المغرب.

أما في مجال العلوم فقد منحت دراسة TIMS للمغرب 264 نقطة في الرتبة ما قبل الأخيرة قبل اليمن ( 209 نقطة)، كما منحته 237 نقطة في المعارف و 240 نقطة في المنطق ليحتل أيضا المرتبة ما قبل الأخيرة. أما تونس فقد حصلت على مراتب أفضل بكثير من المغرب بحصولها على 336 نقطة في المعارف و337 في المنطق، و 346 كنقطة إجمالية.

مع كل هذه “الإنجازات ” يمكن أن نجزم أن مشاكل التعليم لا تقتصر على الجوانب الكمية، وعلى نسبة ضخمة من التكرار ومن الانقطاع عن الدراسة، ولكنها تنسف بعمق ومنذ مدة طويلة، جوهر العملية التعليمية، أي نوعية المعارف التي يحصلها التلاميذ.

على ضوء هذه النتائج الكارثية، ربما يتساءل المرء هل يُعقل أن يستحق الثناءَ و المدحَ أولئك المسؤولون عن السياسة التعليمية، ومن قاموا بتنفيذ الحيز الأكبر من المخطط الاستعجالي، وهل يعقل أن تنهال عبارات التوبيخ على المسؤولين الحاليين لأنهم لم يرتكزوا على منجزات سابقيهم و يعززوها ؟

من جهة أخرى فقد انتبه المخطط الاستعجالي لمعضلة الانحراف والعنف والتصرفات غير اللائقة بالفضاء المدرسي من طرف التلاميذ كالغش. ماذا حدث إذن بعد التشخيص ؟ في نهاية مدة هذا المخطط تظهر المؤشرات المتعددة أن واقع الحال لم يتحسن و أن السلوكات السيئة ما زالت حاضرة و أنها تستفحل، كالعنف والغش وانتشار الثقافة النفعية وطغيان منطق المال مثل الدروس الخصوصية رغم تضارب المصالح.

إن العوامل المتسببة في مشاكل التعليم والهدر المدرسي، وضعف المعارف المكتسبة التي سُجلت في النظام التعليمي المغربي كثيرة، ولكن تبقى أهمها و أعمقها انعدام المحاسبة و اختلال أسس و مبادئ الحكامة. عندما تناول المجلس الأعلى للتعليم سنة 2008 مسألة الحكامة، عبر عن أسفه لكون “.. المدرسة والجامعة المغربية لم تنجحا بعد في القيام بمهمتها إزاء المتعلمين والمجتمع بطريقة مرضية تبعث على الارتياح”، و المؤكد أنه لو لم يتم وضع هذا المجلس في الثلاجة منذ ثلاثة سنوات، لكان قد خرج اليوم بنفس الخلاصة.

6. اختلالات عميقة في الحكامة

اقترح المخطط الاستعجالي معالجة القضايا المركزية المتعلقة بالحكامة الجيدة عبر التركيز على الأهداف التالية: الاشتغال بمنطق تحميل المسؤوليات للفاعلين على جميع مستويات المنظومة التعليمية وإرساء ثقافة التقييم وتتبع المشاريع .. الخ. في هذا الصدد اختار المخطط ثلاثة إجراءات لتحقيق ثقافة رصد و قياس الإنجازات لأجل تحسين إدارة نظام التعليم.

ومع نهاية مدة هذا المخطط، يحق التساؤل عما تم تنفيذه فعلياً في جانب الحكامة وتحقيق ثقافة قياس الإنجاز وتكريس عملية التقييم؟

غياب ثقافة الحكامة الجيدة وتجلياتها

إن المتتبعين لنظام التعليم يعرفون أن ثقافة المشاركة والانخراط الشخصي والمساءلة لم تشهد تقدما كبيرا. ولعل العنصر الأكثر تعبيراً عن هذا الانطباع هو غياب حصيلة المخطط الاستعجالي تصلح أرضية للتقييم و غياب نقاش عمومي حول نتائجه. ذلك أن التقارير التقنية الداخلية لا تكفي خاصة وأنها جزئية ولا يتم نشرها على نطاق واسع، كما أن الخطابات الرسمية لا تكفى حيث لا تشرح الأسس والمرجعيات التي بنيت عليها أحكامها وخلاصتها. ولذلك فإن عملية التقييم المستقل الضرورية هي التي يجب أن تباشرها المؤسسات الدستورية مثل المجلس الأعلى للتعليم والهيئة الوطنية للتقييم، وهي خطوة التي من المفروض أن تسبق النقاش حول السياسات التعليمية الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أن المخطط الاستعجالي عُهد به بادئ الأمر إلى وزير كان منتميا إلى حزب في المعارضة (أحمد أخشيشن) قبل أن يتسلمه وزير آخر أقل ما يقال عن ولايته السياسية أنها غريبة الأطوار.من هي السلطة التي استطاعت أن تفرض هذه القرارات وهذا النمط من الحكامة ؟ إن جوهر المشكل هو أن ثقافة التقييم والمساءلة التي كان المفروض أن تشكل محورا بارزا في المخطط الاستعجالي و في إصلاح التعليم لا تزال غائبة.

لقد رأينا أن إنجازات المنظومة تبعث على القلق الشديد. لكن المؤكد أنه لا يمكن تحسينها كثيرا إذا بقي الغموض يكتنف الجوانب المتعلقة بتحديد وتوضيح المسؤوليات، وبقي المناخ العام لا يشجع المبادرة والانخراط الشخصي لكل الفرقاء، ولم تصبح المساءلة من بين قواعد العمل.

على صعيد عملي، فإن العديد من الأمثلة تجسد الاختلالات الجسيمة في الحكامة.

ثم إن المدرسة ومجالس إدارة المؤسسات المدرسية، والتي يعوَّل عليها لإدخال المزيد من روح المشاركة وإسهام الفاعلين في تدبير المدارس، لا تتوفر على الوسائل لكي تتصرف فيبقى دورها سلبيا ولا يتم منحها حق تدبير الموارد المالية فتبقى تحت الوصاية بدون صلاحيات واضحة باستثناء رصد غياب المدرِّسين والتبليغ عنهم. ولذلك فإن مشروعا من قبيل ما سمي ‘مبادرة مدرسة النجاح’ لا ترقى للاستجابة السليمة والمسؤولة لمشاكل التدبير الشفاف للمؤسسة التعليمية، لكونها ترمز إلى اللامسؤولية. إن هذا المخلوق الغريب الذي يرأسه مسؤولون رسميون لا يحترمون الشرعية ولا مبادئ الحكامة الجيدة ولا مبادئ تسيير الجمعيات، والذي يراد له أن يشبه “المنظمات غير الحكومية” هو أقرب في الواقع إلى “منظمة حكومية مجهولة الهوية”.

لنأخذ مثالا آخر: لازلنا نتذكر أنه في الوقت الذي كان القطاع يواجه فيه نقصا في الكفاءات المؤهلة وحاجة إلى إعداد الخَلف، أقدمت الدولة على عملية كبيرة لتشجيع الموظفين على المغادرة الطوعية مقابل تعويضات سخية جداً. لقد أسهمت هذه العملية في مغادرة عدد كبير من نساء ورجال التعليم ذوي الخبرة، ابتداء من 2005 مما ساهم في تفاقم وضعية الـتأطير في المنظومة المدرسية. من المسؤول عن هذه التوجهات وهذه القرارات والنتائج المترتبة عليها ؟

7. الحق في تعليم أطفالنا يُنتهك منذ فترة طويلة بسبب الإفلات من العقاب

لقد كنا نعلم أن العفو الملكي يُمكنه أن يُمنح على أساس تقدير فردي ومزاجي، أو يخضع لصفقات غامضة قبل الوصول لمرحلة القرار…اليوم شعرنا بالصدمة ونحن نكتشف أن هذا العفو يُمنح – ربما دون أدنى رقابة حسب الرواية الرسمية- إلى مغتصبي الأطفال بالتكرار، ولكن لم نكن نعرف أن عبارات التنويه وشهادات حسن السلوك يتم أيضا إغداقها بنفس السخاء مع إعفاء المنعَم عليهم بها من تبعات مسؤولياتهم، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للإفلات من العقاب ويشجع على الاستمرار في اغتصاب تعليم الأطفال المغاربة منذ عقود.

لقد ظل التعليم منذ مدة طويلة ورشا تحت الرعاية الملكية، وعلى الخصوص منذ 13 عاماً على الأقل، حيث تجسد هذا الإشراف بصفة مباشرة وقوية في رئاسة المرحوم عبد العزيز مزيان بلفقيه لعملية صياغة ميثاق التربية والتعليم وللمجلس الأعلى للتعليم. كما تجسدت هذه المسؤولية مرة أخرى عندما نودي على وزير للتعليم محسوب على المعارضة، وقد حصل هذا الوزير على موارد مالية طلبها وزراء آخرون قبله وحُرموا منها، فكان هو المسؤول الأول عن تصميم وتنفيذ المخطط الاستعجالي، ولكنه في نهاية المطاف، لم يقدِّم نتائجه أو حصيلة عمله لأجل النقاش والمحاسبة.

وقد أمكن ذلك لأن المؤسسات الدستورية (وغير دستورية) لم تقم بدورها بعد أن وُضع المجلس الأعلى للتعليم في الثلاجة وكذلك المعهد الوطني لتقييم نظام التعليم. هذه المؤسسات، بالإضافة إلى الحكومة، هي ذات الصلاحية لتحرص على صياغة الحصيلة وإطلاق نقاش عمومي حولها، خاصة أن النقاش أصبح ضرورة تتطلبها الأحكام الدستورية الحالية.

من ناحية أخرى، من المعلوم أن رئيس الدولة يتقلد مسؤوليات كبرى في عدة مجالات استراتيجية، ولكنه لا يخضع في المقابل لأية مساءلة. وهكذا فإن تعيين رئيس المجلس الأعلى للتعليم يمكن فهمه كمبادرة لتحريك إحدى المؤسسات الدستورية، ولكنه في نفس الوقت اختيار إرادي و توجه يُمارس خارج القواعد الدستورية الحالية: على حد علمنا فإن هذا المجلس، مثل مجالس أخرى، لا ينتمي إلى لائحة المؤسسات ‘الاستراتيجية’ البالغ عددها سبعة و ثلاثين، وكيفما كان الحال فإن التعيينات يجب أن تمر عبر إطار المؤسسات كمجلس الحكومة ومجلس الوزراء. فمن سوف يحمل غدا على عاتقه

مسؤولية هذه الخيارات والقرارات والنتائج المترتبة عنها ؟

إن الاستمرار في هذا النهج هو استمرار تحمل المناصب الكبرى دون محاسبة، مع العواقب التي نعرفها جميعا في ميدان التربية والتعليم، حيث يتم ترحيل نفس الأهداف والغايات من فترة زمنية إلى أخرى مع تجنب تقديم الحصيلة و تجنب إشراك المؤسسات والمواطنين في عملية التقييم، على العكس تماما من منطق الحكامة الديمقراطية والمسؤولة، والدليل هو كلام رئيس الدولة نفسه حيث يعترف ويقبل بإفلاس سياسة تعليمية يمتد على مدى فترة طويلة من المسؤولية: »…غير أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة. وهو ما دفع عددا كبيرا من الأسر، رغم دخلها المحدود، لتحمل التكاليف الباهظة، لتدريس أبنائها في المؤسسات التعليمية التابعة للبعثات الأجنبية أو في التعليم الخاص… «

الترجمة للعربية : أحمد ابن الصديق

————————-

[1]    تبلغ نسبة الهدر الرسمية 20% عن مجمل البرامج، ونسبة النجاح تناهز 88 % فتبلغ المردودية العامة 70 % في المتوسط .

[1]   من خطاب الملك : ” كما أن الحكومات المتعاقبة عملت على تفعيل مقتضياته، وخاصة الحكومة السابقة، التي سخرت الإمكانات والوسائل الضرورية للبرنامج الاستعجالي، حيث لم تبدأ في تنفيذه إلا في السنوات الثلاث الأخيرة من مدة انتدابها. غير أنه لم يتم العمل، مع كامل الأسف، على تعزيز المكاسب التي تم تحقيقها في تفعيل هذا المخطط .”

[1]   خلال سنة 2008، سجلت 1009 حالة غش في الباكالوريا، وبقي العدد فربيا من هذا المستوى ثم قفز عام 2012 إلى 3112 حالة.

[1]   من خطاب الملك بمناسبة الذكرى 60 لثورة الملك والشعب .

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “إصلاح التعليم : ‘ورش ملكي’ ونتائج كارثية وغياب المساءلة”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب