ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

قُرانا وقراهم !!!

المصدر:  | 13 مارس 2014 | رأي |

حميد طولست

كلما سرح بي البصر في البراري الممتدة خلف نوافذ القطارات ، التي أصبحت من المدمنين على ركوبها نحو كل الاتجاهات ، شرقية كانت أو غربية ، شمالية او جنوبية ، إلا وانقلب إلي البصر خسئا ، من كآبة مشاهد تلك البادية الكالحة ، وحسيرا من بشاعة منظر قراها المزرية البائسة ، التي لا تمتلك وعياً قروياً ولا مدينياً ، ولا وعياً سياحياً أو ثقافياً أو عمرانياً ، وكأنها قرى من مرحلة ما قبل المدينة والمدنية ، لا تليق بالقرن الواحد والعشرين ، تشعر المتجول بربوعها البئيسة ، بالاكتئاب والتذمر والاشمئزاز ، وتدفع به أحوالها البائسة ، إلى المقارنة بينها وبين قرى غيرنا من بلدان الغرب التي تحترم نفسها وتقدر مواطنيها ، التي تضج بالنمو البشري ، وتحفل بكل المتغيرات الايجابية بكل أشكالها البيئية والعمرانية والصناعية ، وترفل بالرفاه والترابط الاجتماعي كسمه لكل جوانب الحياة بها ، وعنوانا للازدهار الهائل الذي هيأته وفرة الوسائل والإمكانات والخبرات والتجارب ، التي تغوي إنسان المدينة بالذهاب صوبها ، حين يفكر بالابتعاد عن ضوضاء مدينته وصخب شوارعها وضنك حياتها ، لاستنشاق هوائها النقي ، والتمتع بسطوع شمسها الناشرة الدفء فوق مروجها الدائمة الخضرة والجمال الذي لا تخطئ عين المسافر تدفق مشاهدها الخلابة عبر نوافذ القطارات المتميزة براحتها وسرعتها …

مقارنة ليس فيها نمة على البلاد ، ولا حطا من كرامة العباد ، وليس بها انتقاصا أو تقليلا من قيمتهما ، بل بالعكس ، هي مقارنة إذا ما دلت على شيء ، فإنما تدل أبلغ دليل على اهتمامي الكبير بألا تتأدى سمعة البلاد التي أحبها حبا متجذرا في القلب ، ولا شيء يمكنه اقتلاعه منه ، رغم كل الخيبات التي قد تنالني ربما من مناظره المشينة ، وتدل على حرصي اللامتناهي بألا يساء لطبيعتها ، أو تسرق روعتها ، كما أنها دليل بين على أنها دعوة لإعادة النظر في واقع قاس ومؤلم ومشوه ، أستوطن وجدان الناس ، وتجسد في الطبيعة ، إلى درجة بدا معها أمرا طبيعياً ، بل وأخاذاً في أحيان كثيرة ، رغم كونه واقعاً شاذاً ومؤذياً للعين والخيال ، ويجافي الفطرة والجمال ويعارض اليسر والطبيعة ، ويؤثر تأثيرا كبيرا على نظافتها ونقاء جوها ، ويتسبب في أمراض للساكنة ويسيء للسياحة القروية ..

ولتتأكد من أن قولي ليس افتراء ولا تجنيا ، فما عليك سوى أن تتجول في أي منطقة من باديتنا ، وسوف تجد نفسك أمام أقبح بوادي العالم ، وتلاحظ أن كل ما تناثر فيها من تجمعات سكنية صغيرة -يصطلح على تسميتها بـ”القرى” – ما هي في حقيقتها، إلا منازل شاحبة كسيرة ، غارقة في سحب البؤس الاجتماعي والاقتصادي ، مندمجة في غيوم الكبت النفسي والجنسي والثقافي ، وسابحة في مراثي القهر والضياع والاستلاب ، ليس فيها ابسط أسس القرى المدنية ، فلا كهرباء ، ولا ماء ، ولا طرقات منظمة ، ولا مصحات ، ولا مدارس ، ولا حضانات ، ولا رياض أطفال ، ولا مراكز ثقافية ، ولا نوادي ترفيهية ، ولا سينمات ، ولا مسارح ، ولا حدائق ، ولا مراكز تجارية .

قرى بلا خدمات -بخلاف كل قرى وأرياف البلدان المتقدمة – لا شيء فيها يفضي إلى مسماها ، كل ما فيها : أرض قاحلة نزحت عنها معالم القرية ، فطعنت في نزق والأوساخ ، والقمامة المتراكمة ، والأتربة المتطايرة ، والنفايات المتناثرة حول بيوتها المطلية بلون القبور ، تسكنها أقوام جافة ضائعة ومنقسمة على نفسها ، تموج بها بلا قانون ولا نظام ، للتخلص من حمى الفقر والحاجة ، وتجهد نفسها لإثبات وجودها وانتمائها العائلي ، اعتمادا على نمط عيش (culture) خاص ، خال إلى حد كبير من الفن والذوق السليمين وكل إمكانيات التمتع بالجمال والحضارة والتحضر ، كسلوك وقيم وجماليات قبل أن تكون مظاهر مادية مستوردة ، ما عجل بضياع القرية ، وجعلها تدور في فراغ الوجود والتاريخ ، أو ما يسمى بـ( الحلقة المفرغة ) ، الذي قادها الى فواجع متواصلة من الفراغ التاريخي والموت المستقبلي ، وجعل منها ذاك النموذج السيئ الذي عم البلد طولا وعرضا ، مع ان الكثير من المناطق -رغم شراستها البدوية وبداوتها الشرسة- لم تكن كذلك أبداً ، فتحولت كلها إلى نسخة واحدة قبيحة ، لا تستطيع على البعد أن تقول عنها بأنها بادية ، كما لا تستطيع على القرب أن تقول بأنها قرية.
في الوقت الذي تشهد فيه القرى الأوربية وتلك الموجودة في دول أمريكا وبعض دول أسيا المقارن بها ، الكثير من المسوغات والأسباب والإمكانيات التي تدفع بابن الريف للاعتقاد بشكل راسخ أن قريته ، توفر له بيئة معيشية مثلى ، بما تنعم به من هواء نقي ومناظر طبيعية خلابة ، وإمكانات جبارة ، فيبقى في مكانة دون الحاجة إلى ترك طيوره وأسماكه وحيواناته وأرضة . فترى أغلب أرياف العالم ، وقد أصبحت أكثر نموا وتطوراً ، وكسبت تحولات لا تحصى في شتى جزئياتها ، مع الإبقاء ، وبشكل دائم ، على نوعية الحياة والقيم والثقافة القروية ، من تلاحم قوي في العلاقات الاجتماعية ، وود فياض ، وكرم وافر ، وحماسة للتطوع والمساعدة دون مقابل ..

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “قُرانا وقراهم !!!”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب