ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

تاريخ الوثنيّة في المغرب و قوّة تأثيرها على ممارسات المغاربة اليوم

المصدر:  | 5 أبريل 2013 | أخبار 24 ساعة, الأولى |

216971542013-bf461216971.png

رشيد أكشار (هبة بريس الورقية)

 

تعود جذور العادات و التقاليد القبورية بالمغرب و المرتبطة بتعظيم القبور و البناء عليها و اتخاذها أماكن مقدسة و بقعا للاحتفال و إقامة الأعياد إلى تاريخ ما قبل اعتناق الاسلام، في زمن كان فيك أكثر سكان المغرب بين كتابيين أغلبهم مسيحيين مع أقلية يهودية ممن لم يتنصروا، و الطائفة الوثنية الأكثر سوادا التي لم تخضع لتأثيرات الديانتين الإبراهيميتين ، خاصة بعد استحكام الرومان من المغرب و بسط سيطرتهم عليهم لقرون عديدة.


إن كان اشتقاق القبورية من كلمة “القبور” خطأ لغويا باعتبار الجمع لا يُنسب ، فلاشك و لا ريب في كون المغرب ظل أسير هذه العادة و التقليد الوثنيّ على مرّ العصور ، رغم وجود فترات زمنية قصيرة طغت فيها عقيدة التوحيد و إفراد الله بالعبودية بعيدا عن الممارسات الوثنية العائدة جذورها إلى قرون ما قبل التاريخ و عصور ما قبل الاسلام ؛ عادات أرخت بظلالها على الشعائر التعبدية لساكنة المغرب الأصليّة رغم إيمانها بالتوحيد ، إذ ظلّت خلائط من الممارسات بين ما هو إسلامي و ما هو وثنيّ قائمة في الممارسات التعبدية اليومية لأكثر شعوب المغرب ، بسبب توغل علائق الماضي في قلوب الناس و صعوبة الانفكاك و الانسلاخ من ماضٍ وضعته أمازيغ المغرب وراءها تاريخا منسيا ، رغم البقايا العالقة التي يحاول اليوم بعض “المفكرين” إحياءها و بثّها في الشعب المغربي المسلم من باب “إحياء التراث” المغربي الأصيل زعموا.

قد يبدو الحديث عن عبادة القبور بدول شمال أفريقيا عامة و المغرب خاصة، محاولة لِليّ عنق الصوفية و الزوايا المتناثرة هنا و هناك ، و محاولة لجرها و تصنيفها خارج دائرة الإسلام. ما يعني التشكيك في عقيدتها و صحة إسلامها. إلا أن الواقع المعيش في العديد من النقاط السوداء بالمغرب يقود صوب نتيجة واحدة تطرح أكثر من علامة استفهام حول التوحيد الذي تتغنى به هذه الطرق و الطوائف ، و الإسلام الذي تسعى لترسيخه بين أتباعها في كافة ألوان و أطياف المجتمع المغربي ، خاصة تلك الممارسات المُشينة التي باتت حتى بعض الجهات غير المتدينة على قلتها تنادي بمنعها و معاقبة الساهرين على تكاثرها و نشرها في المجتمع.

 

تاريخ الوثنية في المغرب ما قبل الإسلام

لا يمكن الحديث عن واقع معيش اليوم أيّا كان تقييمنا له دون النبش في أسبابه و تاريخ حدوثه و مراحل تطوره على مر الأيام الخوالي. فوفق العديد من الكتابات و الدراسات التاريخية التي اهتمت بتاريخ منطقة شمال أفريقيا و عادات تدينها ، كانت الوثنية بشتى أنواعها العبادة السائدة بهذه المنطقة رغم كثرة الحديث عن الأصول النبوية للأمازيغ، المنتهية إلى صلب أول رسول بُعث بالتوحيد نوح عليه السلام.

 

الكبش و جلوده بين وثنية “الأمس” و إسلام “اليوم”

يرى الباحث البولندي المتمزِّغ “تادايوش ليفيتسكي” (1906-1992) أن العبادات الوثنية التي كانت منتشرة بشمال أفريقيا كثيرة جدا. من بينها تأليه الحيوانات و تقديسها، خاصة الكبش الذي كان يحظى بأهمية بالغة، قد تتجاوز القيمة الروحية للبقر لدى الهندوس، محيلا على ما كتبه في هذا الصدد المؤرخ العربي أبو عبيد البكري.

و كما و سبق أن أسلفنا، لم تكن أي عبادة سالفة لتندثر معالمها و آثارها بسهولة لمجرد وفود عبادة جديدة أو دين جديد. و هو ما تُجسده الكثير من العادات الدينية الحاضرة اليوم بقوة في ممارسات القبائل الأمازيغية و العربية بالمغرب على حد سواء. ممارسات تعود إلى زمن اتخذ فيه أمازيغ المغرب الكبش إلها يعبد من دون الله، تشبيها بإله المصريين القدامى “آمون”، بل حتى بعد دخول المغاربة في دين الإسلام أفواجا لازالت بعد القبائل النائية مُكبة على دينها تُقدس و تعبد الأكباش كما يحكي لك البكري في كتابه (المسالك و الممالك). حيث يتحدث عن قبيلة بربرية قريبة من بني لماس تقطن جبلا وعرا يضطر أفرادها إلى التستر و التخفي في الأسواق خشية أن يعرفوا بسبب ذمهم و احتقارهم لانكبابهم على عبادة الخرفان. كما يضيف (الشماخي) في كتابه السير كما نقله عنه (تادايوش) في كتابه السابق أن نزرا قليلا من بقايا الوثنيين الكبشيين كانت مستقرة بأحواز فاس و نواحيها إلى منتصف القرن الثالث هجري، و التي تم استئصالها ما بين 841 و 848 ميلادية، مع تسجيل وجود قبيلة أخرى بقلب سوس كانت على نفس الديانة كما يفيد البكري.

بقايا الوثنية الكبشية تتضح اليوم بأسنى تجلياتها في الممارسات التعبدية و الترفيهية التي تواكب عيد الأضحى، فالخروف بالنسبة لكثير من القبائل الأمازيغية لا يزال ذا قيمة فوق مجرد الأضحية التي يراد منها التقرب إلى الله. لتتعدى وظيفتها الدينية إلى تقديس أطرافها و جلودها و بعض أعضائها، سواء أثناء ما يسمى “بوجلود” حينما يتهافت الشباب على ارتداء الجلود و مطاردة بعضهم البعض مع ما يصاحب ذلك من ضرورة احترام المُجسد المُرتدي لهذه الجلود و الهيبة التي يضفيها عليه عوام الناس، أو من خلال بعض الطقوس العلاجية بواسطة حوافر الأكباش، حين تتقدم النساء إلى “بوجلود” أو “بيلماون” و”إمعشارن” كما يسمى في سوس لتقديم رقى شركيّة لهنّ و لأبنائهنّ بالضرب على الظهر بعد إحامة الحافر على رأس المُعالَج بضع مرات، أو من خلال طقوس السلخ التي تعتبر أعضاء من الكبش ذات قيمة قدسيّة خلاف بقية الأعضاء الأخرى، هذا دون الحديث عن التعويذات المصنوعة من قرون الكبش لدفع العين و الحسد.

تشير كتابات علماء الاجتماع المعاصرين إلى أن شعيرة التضحية بكبش يوم عيد الأضحى مع أفضلية الكبش الأقرن، اصطدمت بقوة بمعتقدات القبائل الوثنية الكبشية التي وفدت عليها شعيرةة عيد الأضحى ضمن ما وفد من شعائر الإسلام، والتي كانت تعتقد في الكبش الأقرن الصورة الوحيدة للإله. إذ استشكلوا ذبح أفضل صور آلهمتهم اتباعا للدين الجديد، و هو الأمر الذي نفّر الكبشيين من الإسلام، و دفع بمن أسلم منهم إلى محاولة التوفيق بين الاسلام و الوثنية خشية لعنة قد تلحقهم من ذبح الكبش، سواء بارتداء جلودها أو تقديس لحمها و قرونها، للإبقاء على أكبر ما يمكن من وشائج الصلة بالمعبود القديم.

إذا كانت دماء الأكباش في زمن الوثنية مقدسة و ذات قيمة روحية فوق أي دماء أخرى، فإن هذه العقيدة لازالت قائمة إلى يومنا هذا بالمغرب، حين يقوم المضحون بأخذ عينات من دم الأضحية و تلطيخ أماكن من البيت بها ردا للعين و حفظا لساكني البيت، كما يعتبرون وقوف الكبش على قدميه بعد ذبحه فأل خير و بشيرا على دوام العافية في البيت، ما يؤكد مرة أخرى أن الكبشية ظلت تفرض شعائرها الغابرة رغم انقضاء 12 قرنا كاملة على اعتناق المغاربة للإسلام.

 

الآلهة “تفوشت” و “أيور” و “آنزر”

كانت عبادة الشمس حاضر في الطقوس الدينية الأمازيغية أكثر من الديانات الوثنية الأخرى كعبادة ااكبش مثلا، رغم تلاقي العبادتين و توحدهما لدى بعض القبائل الأمازيغية التي كانت تقدس الكبش و الشمس معا من خلال الإله “آمون” الممثَّل بقرني كبش تتوسطهما شمس، و هو ما تدل عليه النقوش التي تم العثور عليها بسوق أحراس بالجزائر مكتوبا فيها “الشمس العظيمة” بالإضافة إلى نقوش صخرية تجسد الإله في صورة كبش مستدير الوجه تحيطه أشعة الشمس الساطعة. كما نصت بعض المراجع الدينية المسيحية في مصر على محاولة أمازيغ من شمال أفريقيا إجبار الأنبا صامويل على تقديس الشمس، إضافة إلى الشهادات التاريخية التي سجلها مؤرخون عرب و غربيون من أمثال ابن خلدون و هيرودوت خلال رحلاتهم و مشاهداتهم بشمال أفريقيا.

رغم مرور عشرات القرون على آخر عهد الأمازيغ بالديانات الوثنية خاصة عبادة الكواكب، إلا أن رواسب تلك المعتقدات لازالت حاضرة في الكثير من المفاهيم الدينية الإسلامية لدى الشعوب الأمازيغية المستوطنة لشمال إفريقيا، إلى درجة أن الكثير من أهل المغرب لا زالوا يربطون القبلة في صلواتهم بمشرق الشمس و لو في حالة تواجدهم خارج المغرب، فإذا كان الموقع الجغرافي للمغرب يتيح سهولة تعرف اتجاه القبلة لوجودها في جهة الشرق، خاصة في منتصف شهر مارس حيث تتطابق القبلة مع مشرق الشمس؛ فإن الكثير من المغاربة يقعون في حرج كبير حين تواجدهم خارج المغرب حيث لا علاقة هناك للمشرق بالقبلة، ما يضطرهم لإعادة تصحيح مفهومخاطئ يعود تاريخه إلى الأيام الأولى لاستقبال المغاربة الإسلام دينا توحيديا جديدا، ينص على الصلاة تجاه المشرق، ما كان يعني لهم شبه توافق مع معتقداتهم التي كانت تنص على عبادة هذا الكوكب حالة شروقه و زواله و غروبه. كما يمكننا اليوم ملاحظة التسمية الأمازيغية لآذان الفجر الأول بـ”سْلامْ نْ تِيفَاوْتْ” أي سلام النور، و هو متا لا نجده في أي بلد غسلامي لا بهذا اللفظ و لا بنفس المعنى.

“أيور” قد لا يكون اليوم سوى مجرد إسم أمازيغي للقمر، إلا أن هذا الإسم في التاريخ الأمازيغي القديم كان له معنى قدسي عظيم يدل على إله من آلهة البربر الذي كان يعبد حسب المنازل، كما يؤكد ذلك المؤرخ اليوناني بلينيوس الأكبر في كتابه (التاريخ الطبيعي)، إضافة إلى ما سجّله المؤرخ العربي إبن خلدون حول بقايا طقوس العبادة الوثنية القمرية و الشمسية في بعض القبائل البربرية التي لا زالت وفية لمعتقداتها السابقة.

“آنزر” أو المطر باللغة الأمازيغية، كان هو الآخر إلها يعبد من دون الله من طرف قبائل أمازيغية اتخذت آلهة عديدة، و التي كانت تخرج في تجمعات نسائية حاملة عرائس مصنوعة من القصب و ملفوفة ببعض قطع الثياب البالية و مزيّنة بما يشبه الكراكيز. و ذلك بُغية استعطاف الإله “آنزر” لاستمطار السماء. و الغريب أن هذه العادة لا زالت إلى يومنا هذا سارية و جارية ببعض قبائل الأمازيغ كما شاهدت ذلك بنفسي في قبائل بجماعة أزرار بإقليم تارودانت، كما في قبائل أخرى بإقليم تيزنيت و غيرها، و التي يسمونها بـ”تسليت أونزار” أي عروس “آنزر”، دون أن يكون لهؤلاء دراية بالأصل الوثني لهذه العادة التي دأب عليها أسلافهم.

“عروس المطر” أو “تيسليت أونزار أو “تلغنجا”

نموذج آخر

رغم كل ما قدمه من مضى معنا من المؤرخين أمثال البكري و اين خلدون و تادايوش و غيرهم من الأدلة على وجود ديانات تضع الحيوانات و الجمادات في مركز المعبود المقدس لدى الأمازيغ القدامى، إلا أن المؤرخ الفرنسي “غابرييل كامب” (1927-2002) يرى أن المنحوتات الصخرية و المقتطفات التاريخية الموجزة التي اعتمدها مُثبتو وجود هذه الديانات تظل غير كافية و غير ذات قوة استدلالية بسبب وجود مثيلات لها في مناطق أخرى من شمال أفريقيا لحيوانات و جمادات أخرى، دون أن يَثبُت أو يُعرف تاريخيّا عبادتهم لها.و هو ما اعتبره غابرييل نوعا من محاكاة الأمازيغ آنذاك لواقع حياتهم اليومية المرتبط شديد الارتباط بالحيوانات و الصخور و الكهوف لبدائيتهم ليس إلا، هذا في الوقت الذي يعترف فيه اليوم أغلب الأمازيغ بتلك المقدسات و يحتجون عليها بمثل ما استدل تادايوش، الذي ملأت مقالاته المترجمة مواقع الحركة الأمازيغية !

 

الأمازيغ و تقديس القبور و أرواح الأجداد

اهتم الأمازيغ الأوائل أكثر من غيرهم بأسلافهم الموتى سواء من خلال طرق النعي و التجهيز و الدفن، أو من خلال ما يلي ذلك من تقديس لقبورهم و تشييد لها و الرقود عندها و نسج الأساطير و القصص حول أرواح موتاهم.

من أشكال تقديس القبور لدى الأمازيغ الوثنيين كما تفيد ذلك عدة مراجع تاريخية: الطواف بها و الجلوس عندها مددا طويلة، و الاستلقاء بالقرب منها أو فوقها مباشرة و معانقتها. إلى حد مناداة أهلها للاستعانة بهم في فك المعضلات و القضايا اليومية التي يعيشها الأمازيغ. فقد كانت الرؤى التي يرونها بمثابة الوحي اللازم التصديق به و إلزامية العمل بما يتضمنه من أوامر يعتقدون أنها من أرواح أجدادهم.

القسم بهم و أداء الأيمان على قبور موتى الأمازيغ كان من أعلى درجات التقديس الشّفهي لدى هؤلاء الوثنيّين، باعتبار أن الروح بعد موت صاحبها تزداد شرفا و عزّة و قداسة بمراتب فوق ما كان عليه حالها و هي في جسد صاحبها المعروف بوجاهته و خلقه و فضله في القبيلة الأمازيغيّة.

الغريب في الأمر، أن كل هذه الطقوس لازال العمل بها و عليها جاريا إلى يومنا هذا رغم إسلام الأمازيغ منذ قرون عدة، فما نراه اليوم من الاكتظاظ الحاصل على قبور”الأولياء” و “الصالحين” و المبيت في غرف رقودهم و إحاطتهم بهالة كبيرة من القدسية و التعظيم، مطابق تمام المطابقة لعادات الأمازيغ زمن الوثنية. بل إن المرء ليحتار فعلا فيما إذا كان المؤرخون الذين تحدثوا قبل يومنا هذا عن عادات الأمازيغ الوثنيين يصفون ذاك الواقع أم هذا الحاضر؟ بسبب تمام المطابقة بين الزمانين، ما يستدعي و الحالة هذه إعادة قراءة ظروف إسلام أمازيغ المغرب و شمال أفريقيا عامة، و مدى تأثير بقايا الديانات السابقة في العبادات الإسلامية الحالية و تناقضها مع مبادئ التوحيد و الفردانية التي اهتم بها الاسلام، وجعلها محوره و أساسه الذي به قوام الدين من عدمه.

عبادة الصخور و الكهوف و الآثار و الماء

من خلال إحدى دراساته لعادات أمازيغ الجزائر و ليبيا و المغرب، خلص المؤرخ تادايوش إلى أن أصل تقديس الأمازيغ اليوم لبعض الصخور و الأحجار و الجلاميد و المغارات يعود إلى زمن جاهليتها ما قبل الإسلام، مستدلا بارتباط أسماء تلك الجمادات بأسماء دينية وثنية كانت سائدة في تلك الحقبة رغم دخولها في الإسلام أو الإباضية بعد ذلك.

و الواقع أن الشيء نفسه يتكرر اليوم بالمغرب، فالمغارة الأكبر بأفريقيا المسماة “مغارة هرقل” جزء كبير من تاريخ وثنية السكان الأصلييم للمغرب، فالأساطير التي ينسجها الناس اليوم عن هذه المعلمة الطبيعية العجيبة التي تربط الأطلسي بالمتوسط لا تمت بأي صلة إطلاقا لأي حضارة إسلامية مرّت بالمغرب أو أي ديانة سماوية أخرى، بل إن كل القصص الشعبيّة أو الرسميّة المدوّنة تعود إلى زمن ما قبل الإسلام، و التي تفيد أن حدوث مواجهة بين “هرقل الثالث ” الأمازيغي و “آنتي” ابن إله البحر لدى الإغريق “بوسيدون” أو “نيبتون” كما يسميه الرومانيون، و التي انتهت بقتل “هرقل” لآنتي و زواجه من زوجته “طِنْجة”، بسبب كثرة قتله للأمازيغ و التمثيل بهم و حشد جماجمهم على شكل معبد. و هو الاقتتال الذي نجم عنه شق المغارة من المتوسط إلى الأطلسي حسب الأسطورة دائما، لنجد اليوم مع كامل الآسف من يتوجه إلى هذه الواقعة و هذه المعلمة بالكثير من التعظيم و التقديس الديني.

مغارة هرقل

الحديث عن المغارات بالمغرب في ارتباطها بمعتقدات محلية حول البركة و الاستشفاء و التقديس أكبر من أن يُحصر. فلا زالت الصحف و المواقع الالكترونية تواكب على مدار الأيام عادات و طقوساً و مواسما تتم بداخل مئات المغارات المتناثرة عبر ربوع المغرب، و التي تتوزّع أدوارها المزعومة بين معالجة أمراض مستعصية و مزمنة و حل مشكلات مجتمعية مرتبطة بالزواج و العلاقات الزوجية و الأسرية. مغارات غالبا ما تحمل أسماء أمازيغية أو أسماء لمن يسمونه بالأولياء و الصالحين أو حتى أسماء لبعض “ملوك الجن”.

ما يقال عن المغرب في هذا الشأن يقال عن الدول المجاورة كونها جزء من تاريخ شمال أفريقيا المشترك، حيث يقول المؤرخ “تادايوش”: “عبادة المغارات بدورها لاتقل إيغالا في شعاب التاريخ، وهي الطقوس الدينية الأمازيغية. فالمغارات هي مسكن الآلهة في المتخيل الديني الأمازيغي.كان إله المغارات باكاكس أشهر الآلهة النوميديين في التاريخ القديم. تقع مغارته بالقرب من تيبيليس (اليوم أنُونا) وسبق أن كانت موضوع دراسات أركيولوجية عديدة. ثمة أيضا آلهة أمازيغية مماثلة، منها على سبيل المثال لا الحصر گداس. يوجد اسمه على رأس الآلهة المسجلة أسماؤها باللاتنية على امتداد الشمال الإفريقي، ونجد إلهة أمازيغية في جزيرة هيرو أو فيرو في الكاناري، كما يستفاد من مصادر إسبانية، سميت مغارة باسمها وهي مسكن للمنحرفين والجانحين. حتى بعد اعتناق الأمازيغ للإسلام وظلوا أوفياء لعبادة المغارات”.

إذا كانت الوثنية كديانة مادية غير مرتبطة بالتوحيد الذي يُلزم باعتقاد إله واحد فقط، فمن الطبيعي جدا أن تتعدد آلهتها حسب حاجة مبدعيها و مختلقيها، فشؤون البحر لها إله كما لشؤون البر إله، و كما للنار إله فللماء إله أيضا، فالماء من ضمن المادّيات المقدّسة لدى أمازيغ المغرب كما يقول “تادايوش”:

ثمة شعائر قديمة تقدم للأشياء الطبيعية ولازالت رواسبها حاضرة عند أمازيغيي الجزائر بالفترة الإسلامية ترتبط بالماء. منذ القديم ومجاري المياه والينابيع أو عيون الماء ترتبط في المتخيل الأمازيغي بآلهة أو جن تكتبها الكتابات اللاثنية المنقوشة هكذا genuis من ذلك ما يجده في غرب الجزائر من كتابة منقوشة باللاثنية مهداة لجنّي الوادي (genio fluminis) وبالضبط بالقرب من وادي سيگ.غير بعيد عن عيون وادي بُوْمْرزوگْ وعلى مقربة من شولا وهو مكان قديم (في محافظة القسطنطنية)، نجد كتابة منقوشة فيها اسم لجان وادي أميساگ (واسمه الجاني بومرزوگ. أخيرا نجد كتابة مهداة لـ genio fontis أو جني الينبوع (عين ماء).

وحتى بعد دخول الإسلام إلى بلاد المغارب فإن طقس عبادة المياه لم يتوقف. واستمر الناس في التردد على أمكنة المياه ولايكلفون أنفسهم حتى عناء الربط بين هذه الأماكن وشخصيات مسلمة مبجلة. تخبرنا كتابات … بتفاصيل دقيقة عن استمرار هذه الطقوس المائية عند الأمازيغ. وقد سبق أن أشرنا أعلاه إلى مغارة تانوت نيسلي بصفتها واحدة من أمكنة يتردد عليها الحجيج الأمازيغي في القرن السادس عشر الميلادي بجبل نفوسة استنادا إلى ما جاء في تسمية مشاهد الجبل. ولازالت بقايا الطقوس المائية بالجبل تنعم بالحياة إلى أيامنا وهو معطى يؤكده العلامة الأمازيغي النفوسي ابراهيم و سليمان الشماخي في وصفه للمنطقة. يقول في هذا الكتاب بأنه غير بعيد عن القلعة يوجد خزان مائي اسمه نانّاتالا أي الجدَّة الصهريج أو الخزان المائي. يأتي إليه الآباء لأجل غسل أطفالهم عندما يصيبهم مكروه ويبخرون المسك في الوقت نفسه طالبين الله معافاة فلذات أكبادهم. يتضح من هذه الحادثة بما لا يدع مجالا للشك أن الطقوس المائية هي من الطقوس الأمازيغية الموغلة في القدم”.

ما يقوله هذا المؤرخ الجوال عن الجزائر قد يقال ما هو أكثر منه عن المغرب، فالعيون المائية المقدسة بالمغرب كثيرة جدا، و مياهها تحظى بقداسة لدى كثيرين أكثر من الاهتمام بمياه زمزم نفسها. فمن خلال زيارة سريعة لأي ضريح أو مزار مقدس بإحدى المدن المغربية أو أريافها، يستوقف المرء الهالة التي يحيطها المحليون بمياه ذاك المكان و المبالغة في الحديث عن فضائله الروحية و قدراته الاستشفائية على معالجة الأمراض المتعصية و حل الأزمات الاجتماعية.

عبادة بصمات الأرجل و الأيدي على الصخور و آثار الدماء كان حاضرا أيضا في عبادة قدماء المغرب. فالوثنيون الأمازيغ الذين سكنوا المغرب كانوا يُقدسون آثار أقدام صالحيهم و كبرائهم الكهنة و المنجمين و آثار حوافر دوابهم، إيمانا منهم ببركتها و فضيلتها الروحية باعتبارها جزءلا يتجزأ منهم، و تذكرة من أحوالهم و سيرهم.

يقول “تادايوش”: “مما لاشك فيه أن عبادة بصمات أرجل الشخصيات الأسطورية أو شبه الأسطوري المعروفة بصلاحها أو حتى أرجل حيوانات تربطها بهؤلاء رابطة قريبة هي من المعتقدات القديمة. نحن في مثل هذه الطقوس إزاء ما يسميه المعتقدون بالبركة أي أفضال تخص هؤلاء الأشخاص أو هذه الحيوانات ونجدها في الآثار التي تتركها خطواتهم. كما يمكن اسقاط هذه الأفضال على الأشياء نفسها. والإعتقاد في هذه القوة المقدسة (البركة) متجذّر عند عموم الأمازيغ حتى بعد اعتناقهم للإسلام حتى وإن كانت أكثر حيوية في الزوايا وعند الأولياء”

كونها حيوية لدى الأولياء كما يقول تاديوش لا يعدو أن يكون استبدال محل بمحل، لأن كثيرا ممن يُسمون بالأولياء الصالحين لا يعرفهم أحد سيرهم الحقيقية و لا آثار عنهم تدل على صحة ما يُشاع عنهم من خرافات و قدرات و معجزات، ما يؤكد أن الطقوس المصاحبة لتعظيم آثارهم و إن لم تكن حقيقية مجرد محاولة بحث عن رابطة مع الماضي المجيد كما يتصورونه، على طريقة أجدادهم الوثنيين.

و من أشهر هذه البصمات لدينا في المغرب، بصمة “الولي عبد السلام بن مشيش” بغابة بمنطقة جبالة، و آثار أخرى مزعومة لـ”سيدي أحمد أوموسى” بإقليم تيزنيت، هذا دون ذكر المئات من الصخور الصماء التي يُشيع أهالي هذه المناطق كون أصولها بشرية، لأناس مُوسخوا عقوبة لهم على جرائمهم أو جُسدوا لفضيلتهم ليبقى ذكرهم، و بين كل هذا و ذاك معالم الوثنية و الصنمية بثياب إسلام القرن الخامس عشر.

نماذج من الوثنية و القبورية المعاصرة

حاجة المتأثرين ببقايا العقائد الوثنية إلى مناسبات لاستحضار تلك المعتقدات قد تدفع بالبعض إلى حد الاختلاق و ادعاء أمور و أحداث غير واقعة، فإذا كان للقبوريين من أصحاب هذه المواسم التي شوهت صورة المغرب في التاريخ المعاصر سبب في تشييد هذه القباب و الأضرحة و المزارات، فإن آخرين اكتفوا بمجرد الإشاعات التي حولت أماكنا و بقعا إلى بنايات مزخرفة و قباب مزينة و مساجد يُشرك فيها بالله، كما يحكي ذلك أبو عبد الله الكانوني في كتابه (جواهر الكمال): “إذ ظهر لنا ما هو أدهى وأمَرّ، ألا وهو تشييد القبب على مواضع لم يدفن فيها أحد، بل بنيت لمجرد رؤيا منامية، أو لكون الصالح الفلاني مر منها، أو جلس أو أو .. رغبة منهم في جمع الحطام”. ضاربا المثل بمقام الشيخ الجيلاني الذي لم تطأ قدمه أرض المغرب أصلا، و قبة العياشي بدكالة حيث لم يمت هناك، و قبة سيدنا علي (علي ابن أبي طالب) بسوس !.

القبورية لم تكن مرتبطة فقط بالصالحين من البشر، ففي القرن الواحد و العشرين لايزال مقام شمهروش بضواحي مراكش الذي يُقال أنه لجني قائما يُزار و يعبد و تقدم له القرابين و تقام فيه الطقوس الوثنية القديمة كاملة، من استعانة به و استغاثة و تعرٍّ و اغتسال و تمرغ في أتربة المكان، دليلا إضافيا على أن الوثنية الجنية التي اتخذت الجن محور القداسة لا زالت قائمة! ، و لا يقف الأمر عند شمهروش و إن كان أشهر الجن المعبودين بالمغرب حاليا، فطائفة “كناوة” التي ينظر إليها المغاربة كموروث ثقافي و غنائي شعبي، هي أكبر من مجرد رقصات و فولكلور يشد الناس، بل يتعدى الأمر إلى وجود طقوس تعبدية خاصة بالجن الذين ينقسمون وفق المعتقد الكناوي إلى ملوك البحر و ملوك البر و ملوك النار و غيرها، إضافة إلى الحضور القوي للجن في طقوس الرقص و الغناء. نفس الشيء يقال عن فرقة “عيساوة” التي تقدس بعض أسماء الجن المؤنثة.

موقف سلاطين و علماء المغرب من الوثنية القبورية

في ظل موقف كهذا تحرك كثير من سلاطين المغرب مبكرا للحد من انتشار هذه المظاهر الشركية و العادات القديمة التي لا تتوافق و مقررات التوحيد الذي يُعتبر لب دين الإسلام، و من هذه المواقف المتأخرة مواقف سلاطين الدولة العلوية.

رسم للمولى سليمان يصلي بالناس

لم يقف ملوك الدولة العلوية منذ توليهم أمور المغرب مكتوفي الأيدي في مواجهة بقايا الديانات المادية السابقة، و من هذه المواقف المسجلة في الماضي القريب، موقف السلطان المولى سليمان الذي أصدر مرسوما سلطانيا بحظر جميع أشكال المواسم الشركية و الذي جاء فيه:

” ولهذا نرثي لغفلتكم وعدم إحسانكم, ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم, فألقوا لأمر الله آذانكم, وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم, وطهروا من دنس البدع إيمانكم, وأخلصوا الله إسراركم وإعلانكم.

واعلموا أن الله بمحض فضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها, وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها, وكلفكم لينظر عملكم, فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه, واعرفوا فضله عليكم وعوه, واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون, وافترقوا أوزاعا, وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا, بما هو صراح كتابا وسنة وإجماعا, وتسموا فقراء, وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا, {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} [الكهف:103] الآية.

وكل ذلك بدعة شنيعة, وفعلة فظيعة, وشيمة وضيعة, وسنة مخالفة لأحكام الشريعة, وتلبيس وضلال, وتدليس شيطاني وخبال, زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا, وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا, وتصدى له أهل البدع من (عساوة وجلالة) وغيرهم من ذوي البدع والضلالة، والحماقة والجهالة, وصاروا يرتقبون للهوهم الساعات, وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات.
وكل ذلك حرام ممنوع, الإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع.”

و كان سبب تبني المولى سليمان نشر عقيدة التوحيد بخلاف الكثير من السلاطين الذيت ظلوا أوفياء للطرق و الزوايا الصوفية، أن ملك السعودية آنذاك عبد الله بن سعود أرسل إلى جميع حكام الأقطار الإسلامية يشرح لهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب و أنّ ما يُلصَق به و بدعوته أكاذيب لا تصح و مغالطات مقصودة للتنفير من دين التوحيد. و لأن بقية الدول الإسلامية كانت تحت إمرة العثمانيين؛ فإن حكامها لم يتمكنوا من إرسال وفد حجيج لتقصي حقيقة الدعوة التي تأسست عليها الدولة السعودية الحديثة، بخلاف المغرب الذي كان غير مشمول بالسيطرة العثمانية؛ ما مكن المولى سليمان من إيفاد ابنه إبراهيم ضمن وفد حجاج مكوّن من خيرة علماء المغرب آنذاك. ليسفر الاجتماع بالملك السعودي عن تصحيح الصورة المغلوطة التي كان يُسوِّقها الصوفية المدعومون من بعض حكام الدولة العثمانيين. و بعد عودته إلى المغرب، طمأن الوفد الأميري السلطان المولى سليمان إلى صحة الدعوة النّجدية و مطابقتها لعقيدة التوحيد و خلوِّها من شوائب التكفير المزعومة؛ فقرر المولى سليمان المباشرة على نفس النحو و دعوة المغاربة و علمائهم إلى منع جميع الطقوس الوثنية التي تقدس القبور و تخصص لها الذبائح و النذور، فألقى في هذا الصدد خطبته الشهيرة التي لازالت محور العديد من المحاضرات و الدراسة بالمشرق.

كما كانت الدولة المرابطية من قبل الأكثر وقوفا في وجه خرافات القبوريين و هرطقات الصوفيين، و التي بنت دولتها على أساس العقيدة الصحيحة و الدين الصحيح، رغم ما نشهده اليوم من القفز المتعمد على النهضة الروحية التي تولى أمرها المرابطون في دراسة تاريخ المغرب.

فيما يخص مواقف العلماء، فإنه لم يخلُ زمن من الأزمنة عبر تاريخ المغرب الإسلامي إلا و سجل جهودا و دعوات لاستئصال بقايا الفكر الديني المبني على المعتقدات الفاسدة و الطقوس الوثنية المنتسبة إلى عصر ما قبل الإسلام، فيمكن تسجيل مواقف علماء المذهب المالكي الأوائل من أمثال الإمام القرطبي الذي حرم البناء على القبور و اتخاذها مساجد، كما ذهب الحافظ إبن عبد البر أشهر علماء المالكية بالمغرب إلى أن استقصاء جهود المالكية المغاربة في إبطال اتخاذ القبور مساجد و قبابا أكثر من أن يحصر، منهم الإمام أبو الوليد إبن رشد الذي كان يفتي بوجوب هدم القباب و السقائف المبنية على القبور و الروضات. كما يسجل التاريخ موقف العلامة المكي الناصري الذي تأسف على مظاهر عبادة الأولياء و الصالحين و غيرهم، ذامًّا بعض ما يحدث عند تلك المشاهد و المقامات من ذبح لغير الله و نذر للقبور و تزويق و تجميل للأضرحة و تبرك بترابها و أثوابها، كما ذهب بعض العلماء المغاربة إلى حد التأليف في مثل هذه المواضيع و إصدار أحكام مشددة على هذه الظواهر الوثنية، و من بين هؤلاء العلامة أحمد بن تاويت التطواني صاحب كتاب “إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا” الذي حرم البناء على القبور و الصلاة بزوايا الصوفية و القبوريين. و هو الموقف الذي وافقه عليه العلامة المغربي الآخر محمد كنون المذكوري الذي راجع كتابه و قرظه.

من جانب آخر، اشتهر أحد كبار علماء المغرب الذين لم يحظوا بأي اهتمام رسمي حالي بمحاربة الفكر القبوري محاربة شديدة، إذ نتحدث هنا عن الشيخ محمد النتيفي الزياني صاحب كتاب “حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب”. كما يمكن تسجيل موقف العلامة إبن الحاج المشهور لدى المالكيين الذي يرى وجوب هدم القباب المبنية الموجودة على قبور بعض الصالحين، معتبرا هذا الفعل شبيها بعمل الجاهلية ما قبل الإسلام.

أبو شعيب الدكالي

و من هؤلاء المتأخرين المحدث المغربي الأشهر أبو شعيب الدكالي الذي كان يُعلم أهل نجد و الحجار أمور التوحيد، و تلميذه من بعده محمد بن العربي العلوي الذي لم يمنعه تولي وزارة العدل من محاربة طقوش الشرك و القبورية في زمنه، و الذي خلفه على هذا الأمر أيضا تلميذه محمد تقي الدين الهلالي أكثر سلفيي المغرب و علمائها شهرة، و الذي يعود له الفضل بعد الله في بقاء دعوة التوحيد بالمغرب قائمة على أمتن ساق.

لنجد اليوم بعض العلماء ممن لا يزالون يدعون إلى طمس هذا الفكر المتخلف الذي ماهدد عقيدة المغاربة شيء أكثر منه، و نسجل هنا أسماء معاصرة كأبي خبزة التطواني و محمد المغراوي و غيرهم من تلاميذ الهلالي.

 

موقف قوى المجتمع المدني و الأحزاب السياسية و جمعيات حقوق الإنسان

رغم أن ما يحدث اليوم بمواسم مثل موسم شمهروش و موسم سيدي علي بن حمدوش و موسم مولاي بوعزة و موسم بني يعقوب و موسم سيدي بوخيار و غيرها من النقط التعبدية السوداء بالمغرب من أمور لا تمت للدين و لا للأعراف و لا لأي مظهر من مظاهر التحضّر و المدنية بصلة، إلا أن حالة الصمت المتَّفق عليها بين الأحزاب و القوى و الجمعيات المدنية و جمعيات حقوق الإنسان يصعب فهمه وفهم دوافعه. هذه الجهات التي تُثيرها قضية فتوى تبيح حلالا أو تحرم حراما بدعوى المساس بحقوق الطفل أو المرأة، و لا تثيرها ألوان التعذيب الجسدي و النفسي الذي يطال نزال “بويا عمر” ” و شمهروش” رغم أن التقارير الإعلامية على قلتها غطت هذه الفظائع و المآسي أكثر من مرة، و في أكثر من مناسبة. لنجد أن الدولة تسير في اتجاه تقنينها و حمايتها و منحها العطايا و الهبات المالية، بدل تفعيل نصوص المذهب المالكي بحقها، حفاظا على وحدة المغاربة العقدية من جهة و حفاظا على ماء وجه المذهب المالكي المفترى عليه من جهة ألأخرى، و الذي ظل مجرد شعار يُرفع في وجوه المصلحين.

 

و بهذه المناسبة فإن وزارة الأوقاف رغم شعاراتها الطنانة و الرنانة و رغم ميزانيتها الضخمة و مواردها البشرية الكثيرة و قوتها الدينية كأعلى هيئة دينية في البلاد، لم تقم يوما تجاه تصحيح مفاهيم عقدية لا زالت تبتلع العشرات من الأميين و السُّذج من أبناء هذا الوطن، لتقذف بهم في أوسان الشرك و البدعة و الخرافة ضدا على المذهب الأشعري مذهب الدولة الرسمي.

و بالمقابل، نرى جميل البذخ و العطاء الذي تمنُّ به الوزارة الوصية على مواسم و زوايا ساهمت و لا تزال في نشر الخرافة و بثها في الناس، بدعوى حفظ التراث الديني المتنوع، إرث و تراث و تركة استيقن المغاربة أنها تشكل المصدر الحقيقي لآفات عقلية و بدنية حلت بالكثيرين من ضحايا السحر و الشعوذة و الكهانة و الخرافة.

فهل تستفيق الجهات الرسمية لتوقف هذا النزيف العقدي و الفكري، و تسجل عودة مغربية ميمونة و حقيقية لحقيقة المذهب؟

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “تاريخ الوثنيّة في المغرب و قوّة تأثيرها على ممارسات المغاربة اليوم”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب