ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

توقيف الأئمة والخطباء بين العهد القديم والعهد الجديد

المصدر:  | 12 مارس 2013 | أخبار 24 ساعة, الأولى |

2034401232013-7b0b9203440.png

أحمد المتوكل 

مقدمة 

من سنن الله تعالى الجارية في كونه وجود الحرب من جهة الباطل ضد الحق إلى قيام الساعة، فأهل الباطل على مر التاريخ يضيقون ذرعا بكلمةِ الحق وبأهلها، ولا يطيقون سماعها ولا الصبر عليها، فيأتمرون بها لسحقها ومحقها وطمس معالمها والتخلص منها وقتل رجالها ماديا أو معنويا، ومن سنة الله كذلك أن يُبتلى ويُؤذى أهلُه وخاصته الآمرون بالقسط القائمون لله، ويُقمع ويُمنع الصادقون الصادعون بالحق في وجه الباطل، ومن سنته تعالى أيضا أنه قد يتأخر عنهم النصر، لكنه حتما يأتي.

وفي هذا الموضوع سأتناول قضية توقيف الأئمة والخطباء ومحاصرة العلماء في مغرب”الاستقلال والحرية والحق والقانون” والأهداف من وراء ذلك، ومن يقف وراء ذلك.

بين العهد القديم والعهد الجديد 

لعل من أبرز مظاهر الظلم والاعتداء على حقوق الإنسان في مغرب”الحريات وفي دولة الحق والقانون” الاعتداء السافر على العلماء والخطباء والوعاظ ومحاولة إسكات صوت الحق الذي يصدعون به، وقتل كل بادرة صادقة صادرة منهم، بعد تجريدهم من الحق في إلقاء خطبهم ودروسهم في المساجد، وتلفيق التهم الباطلة ضدهم، وإبعادهم عن منابر التوجيه، واضطهادهم والتضييق عليهم في أرزاقهم لصرف الأتباع عنهم لئلا يتبنوا أفكارهم ويتبعوهم ولإزالة تأثيرهم في المجتمع .

فمن حين لآخر نسمع ونقرأ عن منع أجهزة المخزن للعلماء والخطباء الصادقين الصادعين بالنصح للخلق، الناطقين بالحق، المخلصين المهتمين بقضايا أمتهم المشفقين على أحوالها، الباكين مما تعيشه من نكبات وأزمات، ومحاولة إجبارهم على الرضوخ والسكون والسكوت، كي يعيشوا حياة بدون إرادة ولا حرية ولا كرامة إنسانية.

فلقد عرف المغرب منذ منتصف الثمانينيات -العهد القديم- تضييقا كبيراً على علماء وخطباء الصحوة الإسلامية إبان بروزها، مع ما عرفته تلك السنوات من بداية انتشار المنكرات والانحرافات الأخلاقية، وتفشي الفساد بكل أنواعه في مغرب “الاستقلال والعروبة والإسلام”، وغياب دور مؤسسات التربية والتعليم والتوجيه والتنشئة الاجتماعية الصالحة، وكذا تردي مستوى الإعلام، هذا التضييق الذي كان من نتائجه توقيف مجموعة مهمة من خطباء المنابر والعلماء1 الذين كانت تلتف حولهم جموع الشباب التائبين، التائقين إلى الطهر والعفة والحياة الإسلامية النقية التقية، يسترشدون بتوجيهاتهم في مجالات الدين والدنيا.

ووعيا منه بالدور التعبوي للإسلام سارع النظام المغربي في شخص الملك الراحل الحسن الثاني لاحتواء العلماء من خلال مراقبة المساجد وما يجري فيها بواسطة وزارة الأوقاف و”الشؤون الإسلامية”، وليس ما يجري في الشوارع من عربدة وتصرفات لا أخلاقية، كما جاء في الخطاب التأسيسي للمجالس العلمية، وذلك ما أكـده الملك الحسن الثاني تعليقا على نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 بقوله: “كثيرا ما قلت للشاه أن يراقب العلماء.”

وهكذا قام النظام المغربي في”العهد القديم” بتحجيم دور المساجد والعلماء، وعزل الأئمة والخطباء من حياة المجتمع وهمومه اليومية، بواسطة هيكلة المجالس العلمية التي أُنشأت خصيصا لإضعاف رابطة علماء المغرب وإبعاد العلماء المهتمين بقضايا الإسلام والمسلمين، الغيورين على قضايا الدين والأخلاق والمجتمع، الفاضحين للفساد والمفسدين، المنددين بالمنكرات والانحرافات، فلم يُقبل فيها إلا من تزكيه الداخلية، وبلغت الوقاحة بالقائمين على وزارة الأوقاف إلى عدم الاعتراف بعلم كثير من العلماء ممن هم خارج المجالس العلمية المعروفين بعلمهم وكفاءتهم وصلاحهم وشهاداتهم العلمية العالية ولو كانوا كالدكتور العلامة إدريس الكتاني، والعلامة عبد العزيز بن الصديق، وغيرهم كثير. 

وأما في “العهد الجديد” فقد أُعلن عن سلسلة من الإجراءات، بعد أحداث 16 ماي 2003، من أجل “إصلاح وهيكلة الحقل الديني”وضبط “الأمن الروحي” للمغاربة، شملت هذه “الإصلاحات” الهياكل والمؤسسات والصلاحيات والتسميات، فأُنشأت المجالس العلمية المحلية وتوزعت على كل تراب المملكة لتغطي كل إقليم، واستدعت الداخلية إليها علماء رضيت عنهم بعدما اختارتهم بعناية لأسلمة مشروعها اللائكي ولإضفاء الشرعية على سلوكها وتصرفاتها.

وخططوا لهذا الأمر بذكاء أصله غباء، ليكون الرأي الواحد والسمع والطاعة العمياء والإذعان بلا نصح ولا انتقاد، ويظهر دين الخنوع والانقياد، ويخرس الصوت المعارض المندد تحت التهديد والطرد والتضييق في الأرزاق، وليستمر الحكم المستبد المنفرد في كتم وقمع الأصوات الحرة الأبية، وتكميم الأفواه الصادقة الصادعة بالحق المنددة بالظلم وتصرفات الظالمين البعيدة عن هدي الإسلام بكل أشكال الترهيب والترغيب.

ولا يخفى على اللبيب الفطن أن من الأهداف الواضحة للإجراءات الجديدة هو مواجهة غزو الخطاب الديني الفضائي والوقوف في وجه المعارضين ومحاصرة وتحجيم إشعاع الحركة الإسلامية ودعاتها وخطبائها خاصة، والعلماء والدعاة الغيورين عامة، والسعي لتأميم مجال غير قابل للتأميم، والحيلولة دون سماع الناس كلمة الحق صافية نقية، و تكميم الأفواه الناصحة والفاضحة لنظام تسري في عروقه لغة الظلم والقمع والمنع والفساد بشتى ألوانه وأشكاله ومستوياته، ومحاربة الإسلام الحقيقي الناهض المُنْهض.

وكل من يغرد خارج سرب الوزارة الراعية لتنميط الخطاب الديني وتضييق إطاره فمآله التهميش والإبعاد عن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا مصير كثير من علمائنا الأجلاء، وأذكر بالمناسبة العلامة الدكتور رضوان بنشقرون رئيس المجلس العلمي سابقا لعين الشق بالدار البيضاء، الذي أبعد عن المؤسسات الرسمية حين انتقد مهرجان موازين الذي استضاف في دورة 2010 شاذا جنسيا ليغني لشبابنا. عالمنا الجليل فقد منبره الإرشادي عندما طالب بوقف تبذير أموال الأمة، ودعا إلى الفن الراقي الذي يسمو بالإنسان. الرجل نعت ب”الشعبوية” أي البحث عن النجومية عندما تحدث عن منكر من مناكر مغربنا الحديث.

والهدف الحقيقي من “إصلاح الشأن الديني” عند القائمين عله هو أن يخضع الكل ويركع ويتقوقع، فلا حركة ولا صوت يُسمع، إلا التسبيح بعهد يُقتل فيه كل يوم معنى من معاني الكرامة الإنسانية.

واشتهرت وزارة الأوقاف في عهد الوزير أحمد التوفيق بشيء بارز هو إعادة “هيكلة الحقل الديني”، ورسم الخطوط ووضع الإجراءات التي تتعلق بما يعرف بـ”إصلاح الشأن الديني في المغرب”، غايتها الأساسية هي استمرارية المخزن في ضبط والسيطرة على هذا المجال، وتقييد الفاعلين فيه، وبسط قبضته على هذا القطاع الحساس جدا.

ومخططات المخزن في هذا المجال دائما تصب في اتجاه إفراغ الشأن الديني في قالب واحد منمط، وإلغاء وتجريم الرأي المخالف حيث يتم استبعاد كل من يرفض التنميط والاحتواء والتدجين، وهذا الصنف الأخير هو الأكبر والأكثر انتشارا في المجتمع والحمد لله ، ولو كره الحاقدون على دعوة الله.

لقد استمر توقيف وطرد وإبعاد الأئمة والخطباء والوعاظ والقيمين الدينيين من مهامهم وتشريدهم في العهد الحالي “عهد الحرية والحقوق والإنصاف والمصالحة ودولة الحق والقانون”، لكن هذه المرة ارتفع عدد الموقوفين بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، بحيث وصل عدد الموقوفين في شهر يونيو 2008 إلى أكثر من 370 إماما وخطيبا وواعظا وعالما2، وارتفع العدد بعد ذلك، حيث عرفت عدة مدن وبوادي بربوع التراب الوطني توقيفات جائرة، ويرتفع العدد إذا وسَّعنا دائرة البحث والرصد، لأن كثيرا من الأئمة والخطباء وأهل القرآن يشكون بثهم وأمرهم إلى الله وحده، ولا ينفتحون على الإعلام، ولا يلجئون إلى المحاكم ولا إلى الهيآت الحقوقية، ولأن أغلب وسائل الإعلام لا تهتم بقضايا هؤلاء الفئة من الناس.

والأرقام التي أعلنت عنها وزارة التوقيف مؤخرا غير حقيقية والمتتبعون لهذا الشأن يدركون ذلك جيدا.

الأسباب الحقيقية لتوقيف العلماء والخطباء: وقفوهم إنهم مشوشون

تميز المسئولون على وزارة الأوقاف والتوقيف في”العهد الجديد” عمن سبقهم بإصدار قرارات الطرد والمنع من مزاولة كل المهام الدينية وبجميع مساجد المملكة وبشكل معلل مكتوب في بعض الأحيان، وتوزيع مذكرات ومعلومات حولهم على جميع إدارات الداخلية والأوقاف تخبر من خلالها المسئولين بقرارت منعهم، وتطلب منهم منعهم وتقديمهم للقضاء إن اقتضى الأمر ذلك. 

وفي أغلب الأحيان تكون قرارت التوقيف شفوية من مسئولي السلطة والداخلية أو من مندوبي وزارة التوقيف، ولا تُبرر بشيء، وإنما هي التعليمات العمياء الجائرة، البعيدة كل البعد عن الشرع والقانون.

كما توضع في الإدارات المذكورة لوائح بأسماء وأرقام بطاقات المغضوب عليهم حتى ولو كانوا دكاترة وأساتذة جامعات، وإذا تقدم أحدهم بطلب للقيام بمهمة الخطابة أو الإمامة أو الوعظ والإرشاد إلى الإدارات المختصة أُبْعِد بطريقة “مؤدبة مهذبة لا تخفى على لبيب ” بأنه لا يوجد مكان شاغر.

ولا ينصب أحد في المهام الدينية في الآونة الأخيرة إلا بعد تزكية من أجهزة المخابرات والاستعلامات،إذ هي صاحبة الأمر والنهي في هذا الشأن، فيُقبل من قبِلته، ويُرفض من رفضته، حتى لا تُحرج إدارات الأوقاف أمام الرأي العام بتوقيفه.

والمتأمل في قرارات التوقيف التي يوقعها وزير الأوقاف والتوقيف وأعوانه ومندوبوه ضد القيم الديني، يجد فيها ذكرا لأسباب واهية فارغة مُختلقة مكذوبة زورا وبهتانا، يشهد الواقع ببطلانها، من قبيل تجاوز الحدود والمسموح به، والخروج على الإجماع، وارتكاب أخطاء في العمل، أو عدم احترام ما في دليل الإمام والخطيب أو مخالفة المذهب المالكي، وعدم احترام الخصوصيات المغربية.

نعم قد يرتكب بعض الخطباء وبعض العلماء أخطاء، لكن لا ينبغي أن يعاقبوا عليها بالطرد والإبعاد والتشريد والإقْصاء والمحاصَرة والتضييق في الأرزاق، إذِ الأولى أن يُعرضوا على العلماء الثقاة الربانيين المحايدين للتوجيه وتصحيح الأخطاء، والنظر هل يستحقون التوقيف أم لا.

ومن تابع التوقيفات والخروقات والتعسفات التي تعرض لها الأئمة والخطباء يجد أنها خُطِّط لها في دهاليز وزارة الداخلية وإداراتها، وفي مقرات المخابرات ومراكز الاستعلامات المنتشرة في كل ربوع البلاد التي تحصي على الناس بصفة عامة وعلى العلماء والخطباء بصفة خاصة أنفاسهم، وتتابع تحركاتهم، وتسجل أقوالهم وتحصي أفعالهم.

ومن تتبع حالات أغلب الأئمة والخطباء والعلماء الذين أُوقفوا وطردوا من مهامهم عن قرب يدرك حقيقة أمرهم، يجد أن الأمر يتعلق بفئة مؤمنة تتمسك بالحق ولا تخاف في الله لومة لائم، وتربط الناس بالله الحكيم الخبير لا بالحاكمين الظالمين، وتحرص على دين الشعب ومصالح البلد واستقلاله، و تتميز بمصداقية وشعبية ووزن وثقة ووسطية في التصور واعتدال في السلوك، ويجد زمرة طيبة مباركة نشيطة في حركتها الدائبة والتصاقها بهموم المجتمع، متفاعلة معه، لها في قلوب الناس محبة عظيمة وقبولا حسنا لما تتميز به من علم وأخلاق، واهتمام بقضايا وطنهم وأمتهم واستقامة وإخلاص في نصح العباد، ومساهمة في إصلاح أوضاع البلاد، ووقوف في وجه حملات الانحلال والظلم و الفساد، ويفهم أن توقيفهم جاء في سياق مسلسل التضييق على إقبال الناس على مواعظهم وخطبهم التي تلامس الجانب الخلقي والإيمانـي لدى المسلمين، و ترتبط بواقع المسلمين، وتقترح لما يتخبطون فيه الحلول، ولأنهم يبلغون رسالة الله، و يخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، ويرجونه ويريدون ما عنده وحده ولا يرجون غيره، ويدرك أنهم طُردوا بتهم واهية وشطط في استعمال السلطة من قبل بعض مسئولي وزارة الداخلية ومندوبي وزارة الأوقاف والتوقيف الذين تصرفوا حسب مزاجهم وهواهم وحسب تعليمات الأسياد بعيدا عن الحق والقانون والصواب.

ويعرف أنهم تعرضوا لضغوطات ورفضوا عروضا ومساومات وإغراءات، ولم تنل منهم التخويفات ولا التهديدات، واستعصوا على التطويع والتركيع، ورفضوا الترويض والتدجين، وامتنعوا عن المدح والركون وتزين الواقع وصبغه بألوان الكذب والزور، بل ركنوا إلى صدق هممهم وفروا إلى ملاذ وحصن وكفالة ربهم، وحشدوا العزم على تمثل المعارضة كما أرادها الإسلام في شموليته، ودعت إليها أصوله ومعالمه الكبرى وما تفرع عنها من أحكام، تساق إليها الأمة بالتدرج والحكمة والحلم والرفق والتلطف والتربية إلى أن يبسط الله من خزائن رحمته ما يُتم به عافية الدين والدنيا والآخرة.

وبعضُ الذين أوقفوا أوقف لأنه دعا في كتاب له إلى إنشاء اتحاد أو نقابة تدافع عن الأئمة والقيمين الدينيين وتطالب بحقوقهم والتعريف بقضاياهم وتوحدهم وتجمع شتاتهم، أو تكلم عن الأوضاع المادية والمعنوية المزرية للقيمين الدينيين3 .

وجل الذين طُردوا من مهامهم ذنبهم الوحيد أنهم أبوا أن يكون وجودهم بالمسجد تابعا للمخزن، أو أن يزكي خطابهم توجهات رسمية معروفة، أو أن يكونوا خادمين لسياسة طاغية باغية، ولأنهم شخصوا الداء ووصفوا الدواء، وتكلموا عن المساوئ ولم يغضوا الطرف عن المنكرات والموبقات، وأظهروا ما في المجتمع من أمراض أخلاقية واقتصادية و…، وذكَّروا بالله وذكَّروا المسئولين بالمسؤولية عن تدهور السلوكات، والتلويحِ بتوقع عقاب رب الأرض والسماوات، ولأنهم ساروا في الناس بنموذجيتهم وقدوتهم، وعانق خطابهم هموم الشعب، وصدقوا في خدمة قضاياه، ولم يرضوا عن الواقع الفاسد، ولم يلتزموا بالخط الرسمي الذي من معالمه الكبرى انظر واسكت، و رجِّع 4 و حوقل ما شئت، وقل اللهم هذا منكر ولا نقدر على تغييره، ولأنهم استنكروا ما تقوم به الدولة مما يخالف شرع الله في كل مناحي الحياة، فمورست عليهم أساليب الضغط من أجل التخلي عن مهامهم طواعية، ومن لم يستجب للتعليمات، لحقه العزل والإيقاف والتشريد بالقوة، ولفقت له التهم الباطلة الجاهزة الجائرة واعتُقل وسيق إلى المحاكمة ظلما وعدوانا5.

ورغم تقدم كثير من الموقوفين بدعاوى ضد القرارات الجائرة التي أجهزت على حقهم في اعتلاء المنابر، أنصفت بعضَهم المحاكم، ولكن رفض المخزن أن يرجعوا إلى المنابر بالتعليمات ضدا على الشرع والقانون، وضدا على أحكام القضاء التي أنصفتهم، و لا خير في محاكمة حتى وإن حكم القضاء لصالح الموقوف6 .

أثر توقيف العلماء والخطباء على البلاد والعباد

قرارات توقيف العلماء وعزل الدعاة والخطباء من مهامهم بالمساجد وتشريد أهلهم وأبنائهم ظلم شديد، وبغي بليد، ولها آثار سيئة وأضرار خطيرة كثيرة على البلاد والعباد، وعلى الجوانب التربوية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية… فهي تحرم شريحة عريضة من الناس من سماع كلمة الحق والاهتداء بنور الهداية الربانية، وتمنع فئة مهمة في المساهمة في الإصلاح والتغيير وإنقاذ كثيرا من الشباب من براثن الجريمة والمخدرات والمسكرات والموبقات، وتوجيههم للمشي في الطريق الصحيح لخدمة دين الله وإصلاح أوضاع البلاد.

إن منع العلماء الدينيين من القيام بواجبهم يفتح أبواب الشرور ويوسع دوائر المفاسد والمهالك والفجور، ويعرض البلاد إلى كوارث وأخطار محدقة وفتن مهلكة.

إن بلاد العالم المتقدمة تحتفي بمن ترى أنهم يعكسون ذاتها ويحملون مشروعها، وتكرم وترفع من شأن طاقاتها وعلمائها ومرشديها الدينيين، وفي المغرب بلد الإسلام والمسلمين يهان ويؤذى العلماء والدعاة الهُداة وخيرة أبناء الوطن، ولا اعتبار عنده للعلماء والفقهاء، فهم المهمَّشُون والمرتبون في أحسن الأحوال أدنى من السلم الأخير من سلاليم الوظيفة العمومية، وهم مهددون في كل لحظة بالطرد والإبعاد والتشريد، لا يسري عليهم نظام الوظيفة العمومية، فهم يُعيَنون بظهير أو مذكرات، أو يعملون بعقود مقيدَة بقيود وشروط، محذرة مرهبة بعدم تجاوز ما هو محدد لهم، يسهل طردهم بسهولة متى شاءت السلطة الوصية ومتى رأت منهم زيغا أو انحرافا عما رسم لهم من خطوط حمراء، وليس لهم نقابة تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم.

وحينما تُرى دولة ما تهين فئة أو تحط من قيمتها، فتلك علامة على هوان الفئة على الدولة ودونية ما تحمله لدى النظام، فإذا كان ما تحمله علما فديدن الدولة الجهل، وإذا كان دينا فشعار الدولة اللائيكية.

فينبغي التنبه للأخطار التي يمكن أن تحصل نتيجة الاحتقار والظلم والأذى الذي تتعرض له هذه الفئة من خيار المواطنين.

وفي الختام

ماذا بعد طرد الأئمة والخطباء والعلماء ومنعهم من أداء مهمتهم في التربية والتوعية والتعليم والتوجيه؟ ألكي يصبح الدين كما يرضاه الحاكمون لا الله الواحد الأحد، ينطق فيه الفقهاء بالزور والبهتان، ويدعون للركوع والخضوع للبشر؟ و يسكتون عن الحق الأبلج طمعا فيما عند السلطان؟. 

هيهات هيهات لفئة عرفت الحق وعاهدت الله على التزامه أن يفُتَّ الأذى والتوقيف والقمع في عضدها ، أو أن تخون الأمانة أو تجبن أو تركن، فالدعوة لها جنودها المخلصون الذين اختارهم الله لخدمتها وبذل في سبيلها أرواحهم وأموالهم وأوقاتهم، وإذا أغلقت في وجوههم أبواب، فُتحت سريعا أمامهم أخرى، وهُيأت لهم كثير من الأساليب والأسباب، فلا يزال الله عز وجل سبحانه يفتح للدعاة -الموقوفين والمطرودين- من الأبواب ويهيئ لهم من الأسباب ما يبلغون به دعوته وينشرونها في الآفاق ما تعجز عن منعه قوى الظلم والاستبداد بخيلها ورجلها وبكل ما تخططه من تدبير وحيل ومكر، لأن الله جعل الحق يعلو ولا يعلى عليه، والظلم مآله الزوال وإن طال عمره، فلا يأس ولا قنوط ولا خوف على دعوة الله تعالى من ظلم الظالمين، ومن حصار المحاصرين.

و كيف لدولة دينها هو الإسلام أن تعامل العلماء و الأئمة والخطباء وحاملي القرآن بهذه المعاملة القاسية في الوقت الذي تغض الطرف – بل تشجع وتدعم مشيعي الفسوق ومنتهكي الحقوق- عمن يطعن في المقدسات الدينية ويخوض في النصوص القطعية قدحا واستهزاء وتنقيصا ومطالبة بإلغائها و…

وهنيئا للأئمة و الخطباء والعلماء الأحرار على هذا التضييق والإبعاد والحصار وعلى هذا الابتلاء الذي يدل على نفاسة معدنهم وطيب أصلهم وانتسابهم لزمرة الأنبياء والمرسلين الذين أوذوا في الله .

وفي الحقيقة من الأفضل لهم في هذه الأحوال، أن يبتعدوا عن هذه الأوحال لئلا يقولوا الزور ويمدحوا الباطل ويمجدوا الظلم، وأن يكونوا بعيدين عن المستنقع مع الفضلاء وذوي المروءة من أبناء الشعب الذي يأبى ويرفض المشاركة في الظلم والمنكر تزكية وتبريرا وإقرارا وسكوتا وصموتا.

وإن الأيام لحبلى وربك يمهل ولا يهمل، وسبقت كلمته تعالى أن دينه منتصر وجنده غالب، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته وأحبته وأولياؤه، ومن عادى لله وليا فقد آذنه الله وأعلمه بالحرب، فهل تستطيعون أيها المانعون القامعون حربا مع الله؟.

ألا فلينتبه المسئولون قبل فوات الأوان ، ولات حين مندم .

تعليق على الصورة : وزير الاوقاف و الشؤون الاسلامية

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “توقيف الأئمة والخطباء بين العهد القديم والعهد الجديد”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب