ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

خطاب إعادة الإنعاش الاقتصادي

المصدر:  |  11 أكتوبر 2020 | الأولى |

يعد خطاب الملك محمد السادس في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية العاشرة، استمرارا لمسلسل الحديث عن الإنعاش الاقتصادي الذي أشار إليه الملك أيضا في خطاب الذكرى 21 لتربعه على العرش، وهو تأكيد على خطورة الفترة والمرحلة التي تعيشها البلاد في ظل وباء بعثر جل المخططات والاستراتيجيات، وأعاد بلورة منظور جديد للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في جل أنحاء وأرجاء المعمور.

فأزمة جائحة كورونا كوفيد-19 أثرت بشكل كبير على مالية الدولة وعلى الميزانية العامة للدولة بحيث انخفضت الموارد الجبائية التي تعد إحدى الوسائل الأساسية والتمويلية لخزينة الدولة بنحو 18,59%، وأصبح عجز الميزانية 46.5 مليار درهم عند متم شهر غشت من هذه السنة، الأمر الذي عجل بتدخل الفاعل الحكومي انطلاقا من المادة 77 من الدستور التي تنيط مسؤولية السهر على الحفاظ على توازن مالية الدولة بالبرلمان والحكومة، وأيضا لمبدأ صدقية الميزانية المنصوص عليه في القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، الذي يتعين من خلاله ضرورة تقديم قوانين مالية معدلة في حالة حدوث تغيرات مهمة في أولويات وفرضيات قانون المالية السنوية. فما هي الآثار الاقتصادية لوباء كورونا كوفيد-19؟ وكيف حاول خطاب الملك بالبرلمان فتح الباب أمام إعادة إنعاش الاقتصاد الوطني؟ وما هي أهم النقط التي جاء بها هذا الخطاب؟

أولا: كوفيد-19 وتأثيراته على مالية الدولة

لقد حاول المغرب منذ الإعلان عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا كوفيد-19 يوم 2 مارس 2020، أخد احتياطاته على شتى المجالات والأصعدة، لا سيما في الشق المتعلق بالاقتصاد والحفاظ على التوازنات الاقتصادية، حيث تم الإعلان يوم 20 مارس عن حالة الطوارئ الصحية بالبلاد، وأعلن يوم 25 الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” عن 100 مليون دولار لفائدة الدول المتضررة من الجائحة، إلى جانب ذلك أعلن “تيدروس أدهانوم غيبرييسوس”، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، أن فيروس كورونا “كوفيد-19″ بات مصنفا “جائحة” أو وباء عالميا.

في حين أعلن الملك محمد السادس عن إحداث الصندوق الخاص المتعلق بتدبير ومواجهة جائحة وباء كورونا، الذي وفرت له اعتمادات مالية مقدرة بـ10 ملايير درهم، للتكفل بنفقات تأهيل الآليات والوسائل الصحية، ودعم الاقتصاد الوطني ومواكبة القطاعات الأكثر تأثرا بفعل الجائحة، والتداعيات الاجتماعية للفيروس، وأيضا من أجل إعطاء الأولوية للقطاع الصحي الذي عرف هو الآخر اكتظاظا منقطع النظير نتيجة ارتفاع عدد الإصابات بفعل هذا الوباء، الأمر الذي أعطى بموجبه عاهل البلاد أمره للقوات المسلحة الملكية من أجل تقديم العون والمساعدة لأطباء القطاع العام من أجل محاربة وباء فيروس كورونا المستجد، حيث تم وضع مستشفيات عسكرية متنقلة بعدد من المدن المغربية من أجل تخفيف الضغط عليها. وتجدر الإشارة إلى أنه قد بلغت مداخيل هذا الصندوق بتاريخ 19 يونيو 2020 ما يفوق 33 مليار درهم.

بالإضافة إلى ذلك، فعاهل البلاد بتنسيق مع الحكومة سهر على إحداث لجنة اليقظة الاقتصادية أثناء بزوغ هذا الوباء بالبلاد، وذلك من أجل تجاوز السلبيات والتبعات الاقتصادية، بحيث تعمل هذه اللجنة من جهة على الرصد الآني للوضعية الاقتصادية الوطنية من خلال آليات مضبوطة للتتبع والتقييم، كما تعمل، من جهة أخرى، على تحديد الأجوبة المناسبة فيما يتعلق بمواكبة القطاعات الأكثر عرضة للصدمات الناجمة عن أزمة كورونا، وتقوم وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة بتنسيق أشغال لجنة اليقظة الاقتصادية التي تضم بين أعضائها كل من وزارات الداخلية، والشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وزارة الصحة، وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي.

لذلك، فالجانب الاقتصادي على الرغم من هذه الإجراءات الاستباقية، إلا أنها تبقى غير كافية، الأمر الذي حاول الفاعل الحكومي التدخل من خلاله بواسطة القانون التعديلي للمالية رقم 20.35 الذي خصص ثلاث أولويات له، أولها مواكبة الاستئناف التدريجي للنشاط الاقتصادي، والحفاظ على مناصب الشغل، وتسريع تنزيل الإصلاحات الإدارية.

ثانيا: خطاب الملك وجائحة كورونا وسؤال الإقلاع الاقتصادي

لقد حاول خطاب الملك الاستثنائي، الذي جاء في وقت يعرف فيه العالم تحولات عديدة خصوصا على المستوى الاقتصادي، الأمر الذي جعل الملك يلقي من خلاله بخطابه من القصر الملكي بالرباط، والذي حمل في طياته مجموعة من الأمور المتعلقة أساسا بالجانب الاقتصادي والتأثيرات السلبية التي خلفها وسيخلفها هذا الوباء على المستويات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية في ظل الرهانات الانتخابية القادمة التي ستعرف مجموعة من التغييرات في ظل وباء لم يعرف له دواء إلى حدود الساعة.

فرئيس الدولة من خلال خطابه دعا إلى رص الصفوف وتكثيف الجهود من أجل تجاوز عثرة هذا الوباء، الذي أضحى كابوسا يؤرق الجميع، خصوصا وأنه أثر بشكل سلبي على الاقتصاد الوطني، مما سيشكل عبئا إضافيا سيؤثر على نسبة العجز الميزانياتي وأيضا في تصاعد نسبة البطالة ببلادنا. حيث أكد الملك أنه: “لقد أبانت هذه الأزمة عن مجموعة من الاختلالات ومظاهر العجز، إضافة إلى تأثيرها السلبي على الاقتصاد الوطني والتشغيل. لذا، أطلقنا خطة طموحة لإنعاش الاقتصاد، ومشروعا كبيرا لتعميم التغطية الاجتماعية، وأكدنا على اعتماد مبادئ الحكامة الجيدة، وإصلاح مؤسسات القطاع العام”.

إن المغرب مثل البلدان الأخرى حول العالم، يواجه سيناريوها اقتصاديا غير مسبوق، يمليه انتشار وباء الفيروس التاجي الجديد كوفيد-19. وهو الأمر الذي أكده الملك محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى 21 لتربعه على العرش، قائلا: “إننا ندرك حجم الآثار السلبية، التي خلفتها هذه الأزمة، ليس على المستوى الصحي فقط، وإنما أيضا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. فقد شملت انعكاساتها مختلف القطاعات الإنتاجية، وتأثرت كثيرا مداخيل الأسر، وميزانية الدولة أيضا. لذا، أحدثنا صندوقا خاصا لمواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لهذا الوباء. وما أثلج صدرنا أن هذه المبادرة، لقيت حماسا تلقائيا، وتضامنا متواصلا. وهو ما مكن من تعبئة 33 مليارا و700 مليون درهم. وقد بلغ مجموع النفقات إلى حدود الآن 24 مليارا و650 مليون درهم، تم صرفها لتمويل تدابير الدعم الاجتماعي، وشراء المعدات الطبية الضرورية. كما سيتم رصد خمسة ملايير لصندوق الضمان المركزي، في إطار إنعاش الاقتصاد”.

إن أزمة كوفيد-19 كما جاءت في خطاب الملك، ستؤدي لا محالة إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد الوطني، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض الطلب الخارجي الموجه إلى المغرب، ولا سيما إيرادات السياحة، والتحويلات من المغاربة المقيمين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، بالإضافة إلى انخفاض الطلب المحلي، وتباطؤ النشاط الإنتاجي وانخفاض الاستهلاك. وبالتالي ستكون هناك آثار سلبية على حياة الشركات، وأداء الاقتصاد الوطني، وأرصدة الاقتصاد الكلي، وكذلك على التجارة وميزان المدفوعات. الأمر الذي دفع الملك إلى الإعلان على صندوق للاستثمار الاستراتيجي أطلق عليه اسم “صندوق محمد السادس للاستثمار”، حيث أكد على أنه: “ترتكز خطة إنعاش الاقتصاد على صندوق الاستثمار الاستراتيجي، الذي دعونا لإحداثه. وقد قررنا أن نطلق عليه اسم “صندوق محمد السادس للاستثمار”. وإننا نتطلع لأن يقوم بدور ريادي، في النهوض بالاستثمار، والرفع من قدرات الاقتصاد الوطني، من خلال دعم القطاعات الانتاجية، وتمويل ومواكبة المشاريع الكبرى، في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص. ولتوفير الظروف الملائمة لقيام هذا الصندوق بمهامه، على الوجه الأمثل، فقد وجهنا بأن يتم تخويله الشخصية المعنوية، وتمكينه من هيئت التدبير الملائمة، وأن يكون نموذجا من حيث الحكامة والنجاعة والشفافية. كما وجهنا بأن ترصد له 15 مليار درهم، من ميزانية الدولة، بما يشكل حافزا للشركاء المغاربة والدوليين، لمواكبة تدخلاته، والمساهمة في المشاريع الاستثمارية، دعما لخطة الانعاش، وتوسيع أثرها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي”.

يمكننا أن نكون متفائلين للغاية بإحداث هذا الصندوق الذي دعا إليه الملك، ونحكم على أن إعادة التشغيل هذه للاقتصاد الوطني لها مزايا عديدة للشركات المغربية والاقتصاد الوطني بشكل عام، إذا احترمنا التدابير الصحية للنجاح في هذه الخطوة وتجنب أي مخاطر مرتبطة بالتعافي أو انتشار جديد لهذا الفيروس على الأراضي الوطنية. في هذه المرحلة، ويجب أن تتمتع هذه الشركات بالقدرة على دمج البعد الاجتماعي والمجتمعي في نهجها الاستراتيجي، والذي يعتبر عاملاً رئيسيًا لتحسين الشركات المغربية.

إلى جانب ذلك، فقد دعا عاهل البلاد، إلى ضرورة تحلي المؤسسات بمبادئ الحكامة الجيدة، والشفافية وربط السؤولية بالمحاسبة، الأمر الذي نجدد التأكيد عليه في هذا الإطار هو أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها التي هي الآن في طور التجديد عن طريق مشروع القانون رقم 19.46، يجب أن تعكس الدور المنوط بها على أحسن وجه، ليس فقط من خلال تجويد نصوصها وآلياتها، وإنما مجالات تدخلها من خلال تكريس الحكامة والنزاهة في كل مؤسسات الدولة بشكل صارم لا يجعل من خلاله أحد فوق القانون وفوق المحاسبة.

إضافة إلى ذلك، فقد دعا الملك إلى إعادة النظر في مساطر التعيين في المناصب العليا التي عرفت مجموعة من الاختلالات والخروقات، من أجل تكريس طابع الرجل المناسب في المكان المناسب وليس العكس، وأيضا من أجل أن تواكب مساطرها الكفاءات والأطر الشابة ببلادنا. حيث أكد الملك على أنه: “إن نجاح أي خطة أو مشروع، مهما كانت أهدافه، يبقى رهينا باعتماد مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويجب أن تعطي مؤسسات الدولة والمقاولات العمومية، المثال في هذا المجال، وأن تكون رافعة للتنمية، وليس عائقا لها. ونظرا للأهمية الاستراتيجية لهذه المؤسسات، فإننا نجدد الدعوة للقيام بمراجعة جوهرية ومتوازنة لهذا القطاع. كما نتطلع للدور الهام، الذي ستقوم به، في هذا المجال، الوكالة التي ستشرف على مساهمات الدولة، وتتبع أدائها. ذلك أن نجاح خطة الإنعاش الاقتصادي، والتأسيس لعقد اجتماعي جديد، يقتضي تغييرا حقيقيا في العقليات، وفي مستوى أداء المؤسسات العمومية. ولهذه الغاية، ندعو الحكومة للقيام بمراجعة عميقة لمعايير ومساطر التعيين، في المناصب العليا، بما يحفز الكفاءات الوطنية، على الانخراط في الوظيفة العمومية، وجعلها أكثر جاذبية”.

إن خطاب الملك بالبرلمان، يعكس النظرة التوقعية لإعادة تشغيل الاقتصاد الوطني المتضرر بفعل تأثيرات جائحة كورونا، الأمر الذي يحتاج تلاحم الجميع، ملكا، حكومة، وشعبا من أجل تجاوز المخاطر المحدقة بنا خصوصا في ظل هذه الأزمة التي ما زلنا نعيشها نتيجة الجائحة. فنحن اليوم، بالإضافة إلى ما تم تسطيره من خطوات في الخطاب الملكي، مطالبين بخلق سياسة اقتصادية وضريبية حمائية، تعمل على إشباع القطاعات الحيوية بالموارد المالية والبشرية الكافية، وأيضا خلق جو جديد من الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة الاعتبار لدور الدولة الذي أكدته هذه الجائحة؛ وانخراط فعلي وجاد للقطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، الأمر الذي سيعيد الحياة والعجلة الاقتصادية للعمل من جديد، مما سيؤثر إيجابا على خلق فرص شغل، وخلق التوازنات الماكرو-اقتصادية والتوازنات المجتمعية المطلوبة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية المرجوة.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “خطاب إعادة الإنعاش الاقتصادي”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب