ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

نحو مفهوم متجدد للمواطنة…

المصدر:  |  9 سبتمبر 2020 | رأي |

968126mouhcine-benkhaldoun-912374064968126.png

عرت جائحة كورونا عن أزمة مفهوم المواطنة، والتمثلات الفكرية المرتبطة بها من مفاهيم الحقوق والواجبات في المغرب، في ظل نموذج الدولة المدنية الحديثة.

ولعل العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة، يحتاج إلى شيء من التوضيح وقدر غير يسير من التحيين والملاءمة لمواكبة التحولات العميقة الناتجة عن العولمة والتغييرات المتوالية لمراكز القرار العالمية من جهة وكذا للتحولات المجتمعية الداخلية من جهة أخرى.

ففي الوقت الذي تعتبر فيه الدولة أنها قامت بواجبها وحمت المواطن صحيا واجتماعيا بإجراءات استباقية واحترازية ووقائية وبمساعدات عينية، فإنها تلقي بعض اللوم اليوم على تراخي هذا المواطن في الامتثال لهذه الإجراءات والذي قد يبلغ درجة التهور أو الاستهتار في بعض الأحيان.

في المقابل، نجد ثلة من المواطنين ينكرون جدوى هذه الإجراءات من أصلها لاعتبارات متعددة، إما بنكران الفيروس من أصله أو باعتقاد أنها إجراءات مبالغ فيها، أو يحملون الدولة المسؤولية على اعتبار أننا نجني ثمار سياسات عمومية متعاقبة خاطئة على مر العشرات من السنين، خاصة في مجالي التعليم والصحة، والتي أفرزت مواطن اليوم، وبالتالي فهذا المواطن لا يمكن تحميله هذه المسؤولية مطلقا.

كما أن أحداث الشغب التي عرفتها مدينتا الرباط والدار البيضاء خلال احتفالات عاشوراء وقبلها ما وقع في بعض أسواق الماشية في عيد الأضحى، تجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا، وتجعل هذه الأحداث تساؤلنا جميعا عن الخلل وعن علاقة المواطنين بالدولة.

والواقع أن هذه اللحظة في نظري، هي لحظة تاريخية وفرصة للتصالح الذاتي مع الوعي الجماعي بمفاهيم ومرتكزات أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى للنجاة حالا وبناء مغرب أفضل مستقبلا، وذلك عبر فتح نقاش عمومي حول التكامل الحتمي للأدوار بين الدولة والمواطن والذي يجسده مفهوم المواطنة.

أرجو طبعا ألا تتجاوز هذه الجائحة الحد الذي وصلت إليه الآن وأن يرفعها الله عنا في أقرب الآجال، ولكن العبرة بالدروس المستخلصة أثناء وبعد الجائحة.

صحيح أن الدولة خطت خطوات مقدرة في الاتجاه الصحيح، على الأقل منذ إقرار دستور 2011 وما تبعه من ترسانة قانونية ضخمة لتنزيله على أرض الواقع خلال ولايتين حكوميتين، حيث اعتبرت الولاية الحالية لرئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني هي أخصب ولاية على الإطلاق، من حيث عدد إنتاج النصوص القانونية التي فاقت 230 نصا قانونيا في 3 سنوات، وهذا يدل على الديناميكية الكبيرة لهذه الحكومة وجديتها.

لكن الزمن الإصلاحي ليس هو الزمن الثقافي والزمن الثقافي ليس هو الزمن التشريعي.

فإذا احتاج الزمن التشريعي لسنوات من أجل إنضاج نصوصه وتنزيلها على أرض الواقع، فإن الزمن الثقافي يحتاج لحقب من التاريخ والزمن الإصلاحي يحتاج لأجيال دون شك.

إذ أن هناك علاقة جدلية بين ثقافة المجتمع والقوانين التي تؤطره، فالقوانين حاملة في جزء كبير منها لثقافته، على اعتبار أن التشريع ترجمة لإرادة الناخبين في المجتمع الديمقراطي من خلال انتخاب ممثليه، وبالتالي هي تعبير عن النموذج الذي يطمح إليه، في ظل الدولة المدنية الحديثة.

أما الإصلاح بمفهومه الواسع والذي نقصد به تغييرات مجتمعية عميقة غير قابلة للتراجع بل تكاد تمثل السمات البارزة فيه والمتفق حولها من باب “السماء فوقنا” فذاك يحتاج إلى وقت طويل قد يصل إلى أجيال، كما حصل في عدد من الدول المتقدمة والتي قد تمثل نماذج راقية على الأقل في جزء أو أجزاء منها، ولعل تاريخ الدول الأوروبية حافل بهكذا أمثلة.

وكما قال رئيس الحكومة السابق الأستاذ عبد الإله بنكيران “وحدها الكوارث تأتي فجأة وبسرعة”، لكن الإصلاح يحتاج لنفس طويل، المهم فيه هو السير في الاتجاه الصحيح مع منطق التدرج والتراكم والتعاون على الخير مع الغير.

أومن يقينا أنه لا بد للمواطن أن يقوم بجهد موضوعي في تفهم اكراهات الدولة، وأن يمنحها قدرا معتبرا من الثقة بموضوعية دون التنازل طبعا عن حقه في المحاسبة.

لقد أبانت هذه الجائحة عن الدور المحوري والهام للدولة في حماية المواطنين، التي لم تتخل مثلا عن القطاع غير المهيكل، على الرغم أنه غير منتج لأي قيمة ضريبية ولا يراعي العدالة الاجتماعية المطلوبة، ولكنه خزان معتبر للتشغيل، منحته الدولة معونات مقدرة، وصلت لملايين من المواطنين، عبر صندوق تضامني دعا له جلالة الملك حفظه الله، وجسد روح المواطنة الحقة والإخاء الواسع الذي أبان عنه المغاربة. هذا الجهد لا بد أن يكون محط تقدير من المواطن الموضوعي.

وفي المقابل لا بد للدولة أن تخطو خطوات إضافية نحو المواطن.

ولعل من أبرز السمات التي ما زالت تحتاج إلى جهد من طرف الدولة في طريقها نحو احتضان المواطن وتمليكه القرار، هو النظرة التي تنظر إليه كمواطن.

أو كيف يمكن لها الانتقال من اعتبار “المواطن الرقم” إلى “المواطن الإنسان” أو من المواطن الذي يٌحتسب إلى المواطن الذي يُحسب له بل يحُسب من أجله.

لا بد من جهد إضافي يشعر من خلاله المواطن أن له قيمة حقيقية وينصت له ويؤخذ برأيه بل وقد يستشار أحيانا.

هذا الجهد المطلوب، ليس مطلوبا من الناحية القانونية، فالدولة انخرطت والتزمت سنة 2018 بشروط الحكومة المنفتحة وأصدرت القوانين المؤطرة لها كقانون 31-13 أو ما يعرف بقانون الحق في الحصول على المعلومة ووضعت له الآليات والهياكل المناسبة، كما نظمت العرائض وجعلتها من آليات التشريع المجسدة للديمقراطية التشاركية، وفعلا بدأ العمل الفعلي بها، ودرست الحكومة خلال هذه الولاية أكثر من 170 مقترح قانون في سابقة من نوعها في التفاعل الإيجابي مع الجهاز التشريعي والتقدير لعمله، كما جسدت فعليا شعارها “حكومة الإنصات والإنجاز” من خلال عدد من المؤشرات، ممكن أن نسرد من بينها مثلا، الديناميكية العالية للقنوات الرقمية لرئيس الحكومة وتواصله المستمر، إذ تعتبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” أسرع صفحة في المغرب على الإطلاق من حيث ازدياد عدد المتابعين، قلت، ليس المطلوب هو من الناحية القانونية ولكن المطلوب، هو من الناحية الثقافية التي تجعل من هذه القوانين روحا تسري في المجتمع، في أفق تملكها من طرف المواطنين والعمل على ترسيخها كقيم مجتمعية مع مرور الوقت.

وهنا يأتي دور مؤسسات الوساطة، بما فيها المؤطرة قانونا للمجتمع، أي الأحزاب، وكذا جمعيات المجتمع المدني والنقابات التي ينبغي عليها أن تنخرط في هذا الورش الهام الذي سار فيه المغرب.

ولذلك فإن النداء الملكي في خطاب العرش الأخير كان حكيما فعلا لما دعا هذه المؤسسات لتحمل مسؤوليتها في التوعية والتحسيس بمخاطر كورونا.

وفي الواقع، مجتمعنا يعج بفيروسات من مختلف الأنواع، منها المادية والمعنوية، كلها تحتاج إلى تحسيس وتصحيح كما إلى توعية وتنوير.

المواطنة بالنسبة إلي، هو هذا السير للدولة تجاه المواطن وسير المواطن تجاه الدولة في تكامل للأدوار واتفاق على المبادئ والثقة المتبادلة في أفق عقد مجتمعي واضح المعالم.

وعلى دعاة الإصلاح أن يتحلوا أولا بالوعي الدقيق بالمرحلة من خلال استيعاب الجهد الهائل الذي بدله المغرب في الاتجاه الصحيح، بقيادة جلالة الملك وبحكومة قوية ومنسجمة خطت خطوات معتبرة في صالح المواطن، جسدتها مختلف الإصلاحات الهيكلية والمقاربة الاجتماعية الواضحة من خلال الجهد المالي المعتبر، قد أعطي فيه مثالا واحدا بميزانية التعليم التي ارتفعت بـ 30 ٪ بين 2016 و2019 دون الحديث عن الشروع في تعميم التغطية الصحية والبدء الفعلي في تنزيلها.

بالطبع لن تنتهي حملات التبخيس والتيئيس، كما يصفها رئيس الحكومة، وهذا طبيعي في كل تدافع، فالمصلحون غالبا ما يواجهون بهكذا ادعاءات، والنماذج عبر التاريخ كثيرة، لكن المهم ألا تصل هذه الاتهامات إلى فؤاد المصلحين أنفسهم فتصبح عندهم قناعة “ألا فائدة من…” أو “لم نحقق شيئا يذكر…”.

لا بد أولا من التقدير الموضوعي، بل والافتخار بالعمل الجبار الذي تم في زمن قياسي وبإكراهات جمة، قال عنها رئيس الحكومة السابق “لا تسألوني لماذا لم تنجز كذا، بل اسألوني عن هذا الذي أنجزتُ، كيف استطعتُ أن أنجزه؟”.

ثانيا بالإيمان الراسخ أن المنهج المتبع هو المنهج الصحيح، الذي لا محيد عنه، والمبني على التعاون والتدرج والتراكم.

وثالثا وأخيرا، التبشير بهذا المنهج والدعوة إليه والصبر عليه، فالمغرب ما زال يحتاج إلى أهل التضحية والعطاء والاستقامة والنزاهة مع التواضع الرفيع والمرونة الحكيمة والعمل الدؤوب والقدرة العالية على استيعاب الإكراهات والدفاع الدائم عن الثوابت المغربية الجامعة.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “نحو مفهوم متجدد للمواطنة…”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب