ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

الدستور والحريات الفردية… لحظة إنصاف ومصالحة!

المصدر:  |  9 فبراير 2020 | رأي |

950814ismail-chafiki-809716937950814.png

كلام على هامش الدستور.. في عمق السياسة

إذا كانت مصداقية اﻷطروحة الدستورية ونبلها يؤكد الالتزام المبدئي بعدالة ملف “الدستور والحريات”، فأخلاقيات الترافع والمؤازرة تقضي بالتلازم الشرطي بين المساعي الحميدة لرفع الطمس والحيف الأيديولوجي عن حق وأحقية الدستور، وضرورة الإعمال التقني للمجهر الدستوري عند أكثر مكثفاته وضوحا وإيضاحا لتفاصيل الحقيقة الدستورية -منطوقا وروحا-. إن هذا العمل المختبري عالي التقنية، يستلزم تحقق الدرجة اﻷعلى من “اﻹنارة الفكرية” المبددة لظلام وظلامية الكهوف المشرقية، ويستوجب تعقيم اليد والفكر من رواسب التاريخ وتكلسات الثقافة الشعبية، وحصول أعلى درجات الهدوء، في منأى عن ضوضاء الجماهير الغستافلوبونية عبر تعطيل محركاتها الأيديولوجية المتهالكة حد الإزعاج، فالدينية كما المادية آل بهما الزمن إلى متلاشيات التاريخ.

إن الدفع بالدستور لصالح الحريات المدنية، ليس تخصيبا قيصريا للمنظومة الجنائية خارج رحم المجتمع، أو رؤية أنبوبية ضيقة للسياسة والتشريع، ليس توريدا انحيازيا ل”دائرة الحداثة” بالإمدادات الدستورية، أو صفقة لتفويت الملف لـ”الضومين المخزني”، هي لحظة إعمال شجاع للسرعة المتقدمة في اتجاه الجولة النهائية من “معركة العشرين سنة وأكثر”، حيث النهائي على أعلى مستويات الرسمية، و بتحكيم دستوري رفيع، سيدخل التاج جيلا استثنائيا من الزعامة والمشروعيات، سيرتب ممثلي اللأمة ضمن مجموعة أولي الحزم، و يدفع بجماهير البؤس دفعا ل”عصر الإنسان والأنوار”، هو فعل سيادة استراتيجي للسياسة و التاريخ و الجغرافية المغاربية؛ فيه من “أميريات ميكيافيل” ما فيه من “روح منتسكيو” و”لوثريات، كينغ المغرب.”

إن الاستنطاق النضالي العنيف للدستور، والإعمال الجائر لـ”قرينة الإدانة” لكل ما هو رسمي/دولتي، يبقى تمسرحات أيديولوجية رديئة الإخراج، فيها من الكاريكاتورية ما فيها من الدراما المؤلمة لكل ديمقراطي-عقلاني. بل حتى المساءلة الهادئة للمشرع الدستوري عن الحريات الفردية؛ وقد احتفى الدستور بعقده الأول والعهد الجديد بعشرينيته الأولى، ستظل لحظة إحراج عام مخجل للجميع؛ فالإفلاس التشريعي للمؤسسات النيابية من كساد قيم القواعد الشعبية؛ وتردي الأولى من رداءة الثانية. بالموازاة هي لحظة كشف لشناعة “الفتوحات المشرقية المحافظة” ضد الإنسان والحرية؛ على حين غرة من الصف التقدمي عن هاته المعركة اﻷخلاقية بامتياز، وقد خيضت بدون أخلاق تآمرت فيها السياسة والتاريخ ضد “تمغرابيت والهوية” ليدور التاريخ دورته و يعاد، وتخاض المعركة اليوم ضد “الدستور والحرية والمؤسسات والفرد والمساواة..”! وقد انزوى قادة الرأي والفكر، واستنزفت الدفاعات التقدمية في طلقات سياسية فارغة، أو في الفراغ.

ودون بعث لمواجع الماضي وظنون السياسة، فعدالة التاريخ تنصف وتقتص، أما اللحظة فهدوء، وإنصاف ومصالحة، ضمانة صدقها، يقينية الجواب الدستوري عن سؤال الحريات الفردية، والتي آلت به إلى تعهد قطعي الدلالة، بالمعنى الواحد الذي لا يستدعي تكلفات وتعسفات التأويل، ولا يستدعي استرجاع كواليس وكوابيس الربيع، أو أي رجوع لمسودات القرار الدستوري الموثقة لصراع الأجنحة داخل اللجنة، ويغني اليوم عن الروايات السياسية المحبوكة حينا باﻷسطوريات وبالمظلوميات حينا آخر، وبين هندسية الدستور وعشوائيات السياسة، تنتصب السياسة الدستورية كـ “لحظة عبور”.

السياسة الدستورية والحريات الفردية.. العبور الحرج

إن المنطق، وقوة الأشياء تقضي باعتماد المقدمات قبل مباشرة النتيجة، ومقدمات الدستور؛ سياسة دستورية من تفاعلاتها ما كان في العلن ومنها ما جرى في الدوائر القرارية العليا المسيجة، ودون ضرب ﻷخماس في أسداس وتحميل الذات العلمية ما لا تطيق، سنعتمد مجالات الضوء والوضوح لنقارب هوامش الظل والخفاء. وأولى نقاط الضوء خطاب 9 مارس الذي شكل جذرا سياسيا تاريخيا لدستور اليوم، عبره أقر عاهل البلاد مطلب و تعبير “الحريات الفردية” وقال ب “توسيع ممارستها”، و من أصل سبعة أثارها كثاني مرتكز إصلاحي لذاك الدستور اﻷبوي العجوز إرث القرن الماضي، وخصها الخطاب حصريا دون غيرها بتأكيد استثنائي ضمن سابع المرتكزات، برمزية خطابية أريد منها أن تكون “الحريات” أول و آخر ما تحمله آذان صناع الدستور، وبفعلية سياسية ودستورية عمقها أن “الحرية” مبتدأ ومنتهى إصلاح الوثيقة والممارسة، كانت توصية رفيعة اعتمدها المنطوق الملكي بالتفريد الصريح، دون استدماج اختزالي ضمن إجمالية عبارة “منظومة حقوق اﻹنسان”، ودون استسلام من “حداثة الملك” ل “تحفظات الشارع ومحافظة محرضيه”، وفي البيئة الجيوسياسية المتدينة أيامها، رفع الملك تحفظاته عن اتفاقية سيداو؛ كعمل اتفاقي دال، سابق للفعل الدستوري ولتمثلات القواعد، بروح تقدمية عالية، ملهمة لصناع الدستور، محرجة للفرقاء.

أما بالتمثل النسقي ل “الدستور” كفعل قراري وسياسة عمومية، كان الخطاب المارسي بـ”فبرايرياته” و”حرياته” أقوى مدخلات السياسة الدستورية لسنة 2011، والتي آلت تفاعلات علبتها السوداء إلى مخرجات تم استعرضها بالرأي والرؤية الملكية ضمن خطاب 17 يونيو من ذات العام، والذي ارتقى ب”الحريات” من الحدود التكتيكية-التقنية، إلى إقرار “الحرية” كعمق استراتيجي للنسق الدستوري، وتم ذلك عبر حاملين: شكلا يسجل التركيز المكثف لتعبير “الحرية” ضمن الربع الأول من بنية الخطاب، وعلى امتداده حضرت “الحريات” بتوازن واستمرار، وبالحصرية الخاصة حاز هذا التعبير ست مواقع ضمن التلاوة الملكية للدستور الجديد، وبين “نسق الحريات” و”حديث المؤسسات” رمزية التفاوت جلية في المساحة و الحجم والأسبقية لصالح الأولى في انسجام مع الثانية. لتثبت فرضيات الشكل بالجوهر، فشدد خطاب يونيو، على حصر دعامات النموذج الدستوري الجديد في اثنتين:

تضمنت الأولى حرية ممارسة الشؤون الدينية، وهو ما تستساغ فيه ثلاث قراءات، الأولى ناهلة من أدبيات حقوق اﻹنسان في اعتبار حرية العقيدة “سيدة و أم الحريات” والحريات الفردية تحديدا، وسياسيا كانت ردا ملكيا نبيها، على كتلة النكوص، التي أجهضت بثقلها الشعبوي وتثاقلها الحضاري طموح القصر في التحرير الدستوري للعقيدة و الضمير، وكانت إشارة منهجية دالة على أسبقية الحريات المدنية عن باقي تلاوين الحرية وأجيالها، فقد أثيرت بعدها “حرية الرأي والتعبير” ك”عراب للحريات السياسية”، ثم “حرية المبادرة الخاصة” كمدخل لتحرير الاقتصاد.

أما الدعامة الثانية، تجاوزت التعداد التقني وتوصيف الحريات، لتؤكد بالمنطوق الملكي الصريح أن “حرية المواطن هي الغاية المثلى للنسق الدستوري”.

وتحصينا لمصداقية الطرح الدستوري المعبر عنه ملكيا، من مجرد تصريحات دستورية ورسائل حسن النية، تنفذ الخطاب إلى حديث الإجراءات والضمانات المسطرية، فخص “الحريات الدستورية”، بحماية قضائية مزدوجة؛ تثار لدى القضاء العادي ويبث فيها القاضي الدستوري، وأي مساس بالحريات سيسقط القانون دفعا بعدم الدستورية. لينتهي بإثارة “الحرية” كمنهجية تأسيسية في اعتماد الدستور.

هاته الومضات -وغيرها كثير- تؤكد العمق الاستراتيجي للحريات ضمن الفكرة الدستورية الجديدة، وبالموازاة تكشف شيئا من هوامش الظل، وأول ما تجلى عنه الغموض أن “الحريات الفردية” كانت نقطة فريدة للصراع السياسي بين الدولة و ،كتلة النكوص. فبعد أن خارت قوى اليسار، خاضت الدولة معركتها بوجه وظهر مكشوف، نفعيا لضبط التوازن، ومبدئيا لإنقاذ الحداثة من سياسة ” الأرض المحروقة”. فبين خطاب 9 مارس -بمثابة رؤية ملكية خالصة-، وخطاب 17 بونيو الذي جسد توافقات الشارع الأيديولوجي، سقط تعبير “الحريات الفردية” واستبدل “توسيع الممارسة” بـ”الحماية”، فكان هذا السقوط ضربة الأيديولوجية السياسية المتدينة، و ضريبة ضعف اليسار. فالحداقة السياسية للتيارات اﻹسلامية جعلت معركتها في كسب تمثلات المجتمع للاستخلاف السياسي، بالهياميات جعل اليسار معاركه ضد الدولة لكسب المجتمع…، فكان ما كان، وكان الدك مصيرا للحريات الفردية، وخلاصة القول وحقيقة الأمر فيه أن “الحريات الفردية” لم تكن مطلبا نضاليا تحتيا بل تحفيزا ملكيا، وكأن التاريخ تبنى مسارا ومعنى آخر! فتقدمية السلطة ورجعية القواعد، لم تعتدها عدسات الرصد السياسي، ولم يعهدها محترفو النضال!

إن السياسة الدستورية، شكلت لحظة عبور سياسي لوثيقة2011، وضرورة منهجية لقراءتها بإنصاف!

وقبل المباشرة التقنية المعمقة للدستور في مرحلة قادمة، يتوجب الخروج من منطقة السياسة و السياسات الدستورية، بإرساء التقعيدات الأساسية لقراءة قانونية دقيقة، و مدخل ذلك تسجيل نقطة تنبيه فريدة بشأن مغالطة منهجية صارت بالتكرار، حقيقة في أذهان رجال و سيدات القانون قبل غيرهم/ن، في القول بغموض الدستور و زئبقية مادته الأساس، ورد ذلك يفترض مواضعة منهجية؛ في كون غموض المنطوق الدستوري -حتى في أكثر التجارب المقارنة احترافية وعراقة- حقيقة تجعل منه حمال أوجه و تستدعي من الساعد الدستورية أن تكون حمالة لتوازنات التأويل، و تتطلب فيه مرونة تغطي تموقعات وتموقفات الفاعل الرسمي والموازي، لكن ما غاب عن جمهور الدستوريين أن غموض المنطوق لا يفيد غموض المنطق والتصور بالضرورة، كما سيتبين في العمل الأكاديمي القادم، البعيد عن مادة الرأي و التحليل، فقطعية الموضوع صارت تستلزم منهجيا، الصرامة المفهومية و التحليلية، ومسلكها الأسلم، الارتكاز الصلب لصريح النص، وتفسير الشك بالقواعد الدستورية العامة، مع الإعمال الدقيق لإسقاطات المسطرية كضابط منهجي موجه، في إطار تلازمات الموضوع والشكل في الأبيات القضائية، بل وأسبقية الشكل في تقاليد قصور العدالة.

وعن سؤال الآجال، وبالرغم من مرور العقد عما جرى بالدستور وفيه، ستظل الحريات الفردية من النظام العام الدستوري…

… لن يسقطها التقادم

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “الدستور والحريات الفردية… لحظة إنصاف ومصالحة!”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب