ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

“مغاربة الحدود” .. آمالٌ تتجاوز “الجِدار الأمني” ومعاناة تنتظرُ الانفراج

المصدر:  | 15 ديسمبر 2019 | غير مصنف |

لا، ما أنتَ بالحالمِ. فها هو الجدارُ الأمنيّ يتراءى من بعيدٍ. وها هي السّيارة تنطلقُ صوبَ المجهول. صوتُ المحرّك فقط يهزُّ سُكون الجنوب. ما هي إلا لحظات. حتّى بدَا لنا أنّنا بلغْنا آخر نقطة حدودية. وحدهُ الجدارُ الأمنيّ الذي شيّدته القوات العسكرية المغربية بالحدودِ الشّرقية مع الجزائر، يقفُ متصلّباً أمامنا ويمنعُنا من مواصلة المسير. هنا “زاوية الحجوي”. المنطقة الحدودية التي تبعدُ عن التّراب الجزائري بحوالي ثلاثة كيلومترات.


كانَ المشهدُ الماثل أمامنا ونحنُ نقتربُ من الجدار الأمني كما خُيّل لي أو كما نراهُ أحياناً على شاشة التّلفزيون. بعضُ شُجيرات الصّبارِ يابسةٍ تقاومُ حرَّ الجنوبِ تنتثرُ عليها ما تبقّى من رماد بارودٍ قديم. لم تنسَ بعدُ ما اقْترفتهُ جرّافات الجيشِ في حقّ ساكنةِ الحدُود، لما تقاتلَ الأشقّاءُ فيما بيْنهم، وطُردت عائلات إلى العراءِ مجرّدين من هويتاهم؛ التي لا تقاسُ بكنّاش الحالة المدنية، ولا برقمٍ تسلسي “مطْبوعٍ” على دفاتر الدّاخلية، وإنما بحبِّ الإنْسان وتعلُّقه بالأرض.



هذه الأرضُ الجرْداء التي ورثُوها بعلاتها الكثيرة وماضيها “الثّقيل” لم تعُد تخفِي اشْتياقها لرائحة الخبزِ التي كانتْ تعدُّها أناملُ الأسرِ الجزائرية قبلَ أن تحملَ أباريق القهوة في تلك الأمسيات الشّتوية الرّخوة مُسرعةً الخُطى إلى أهالي المغرب، فلم تكنْ وقتها أسوارٌ شائكة ولا جدران أمنية تحبسُ آمال شعبٍ يبحثُ عن قدره التّائه في زحمة “الذّكريات” والحنين إلى أوّل لقاء بين الأشقّاء.


تلوّحُ “فاطمة” بيدِها إلى الجدار الأمني الذي شيّدته السّلطات العسكرية المغربية والذي يظهرُ الآن بشكلٍ جليّ، ولا يبعد عنّا سوى بضعة كيلومترات، منطقة خلاء تخلّها تعيشُ “حظر التّجوال”، يهزّ ثغاء الماشية السّكون، علّها ترشدُ الباحثين عن خلاصٍ أبديٍّ ينْسيهم قساوة الطّبيعة إلى طريق الأمل. نظرتْ فاطمة إلى الجدار من جديد، وهي تهزّ رأسها وقد رفعتْ حاجبيها “فتح الحدود ضرورة حتمية. هناك عائلات مغربية في الجزائر. منطقتنا متضررة من الحدود الموصدةِ”.



هسبريس تنقّلت إلى قُرى بوعنان وزاوية الحجوي وأحفير وبني درار المترامية على الحدود المغربية الجزائرية، ودفَعها فضول اكْتشافِ قصص “مغاربة الحدود” المضمّخةِ بالألمِ تارةً، وبالحنين تارة أخرى، إلى بُلوغِ آخر نقطة حدودية مع الجارة الجزائر، على مرمى حجر الجدار الأمني الذي شيّده المغرب، حيثُ تتلاشى آمالُ وحدةٍ قريبة بين الشّعبين بهاجسٍ باعثه أمني وسياسيٍّ صرف.


“حلّو لينا الحدود”


لا تريدُ هذه الطّريق، التي تمارسُ طقْسها اليومي بكلّ تفانٍ أن تنهي المسير صوبَ قيادة بوعنان، المترامية على الحدود مع الجزائر (15 كلم)، والبعيدة عن مدينة الرّاشيدية (جنوب شرق المغرب) بقرابة 140 كيلومتراً. فلا الجبالُ التي اكتست لوناً أحمراً من فرطِ النّسيان تدفعكَ إلى طلبِ المزيدِ من الكيلومترات، ولا الخلاءُ “الموحش” الذي يؤثّث الفضاء أمامك يُشجّع على خوضِ تجربة التّريث والانتظار.



كلّ شيءٍ يوحي بأنّك في منطقة حُدوديةٍ. ثكناتٌ عسكرية يحْرُسها الجنود المغاربة بزيّهم الرّسمي، يرْمون بأبصارهم يميناً ويساراً، وشوارعٌ ضيّقة تظهرُ فجأةً كأفعى تتلوّى بحثاً عن فريسةٍ، وعشراتُ الحمير ربّما كانت تُستعملُ في عمليات تهريب الوقود من الجار الجزائري، تحرّرت أخيراً من عناءِ سنواتٍ. يشعرُ المتجول في منطقة بوعنان الحدودية بأن ثمة حزنٌ دفين يمتدُّ إلى وجوهِ النّاس وإلى زوايا القرية وبيوتها الطّينية ومقاهيها القديمة.


بعد دقائق من الانتظار، قضيناها متسمّرينَ داخلَ إحدى مقاهي القرية التي عبارة عن فناء رحبٍ مع كراسٍ خشبية تؤدي وظيفتها بتفانٍ وإخلاص، تتحوّل في المساءِ إلى أمكنة للنّقاشات المحلية، يظهرُ القاسمي صديق (56 سنة)، متزوج وأب لأربعة أطفال، أوّل ما شاهد “كاميرا” هسبريس حتّى بدأ حديثهُ: “لا عمل هنا. نظراً للمشاكل الموجودة على الحدود. نعيشُ في محنة؛ نطالبُ الدّولة أن تنْظر إلى حالنا، لأنَّ الوضع صعب”.



تجُول عيْنَا القاسمي حول أراضي أجدادهِ وكيف كانت تستقبلُ المئات من الجزائريين يومياً للتّجارة والزّواج، قبل أن تُصبحَ اليوم، أرضاً جرداء بدُون حياة، “الدّعوة كانت زينة (…) وحين أغلقت الحدود. التّجارة ماتت. كلشي واقفْ. ويضيفُ “إذا فتحت الحدود غادي انرتاحوا. ممرتاحينش والجارة الجزائرية “غالقة” الحدود. سنكون فخُورين إذا فتحت الحدود”.


الجزائريون خوتنا!


يعودُ قرار إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر إلى سنة 1994، بعد تفجيرات فندق “إيسني” بمراكش، إذ فرض الملك الراحل الحسن الثاني على الجزائريين التأشيرة لدخول المغرب وردت عليه الجزائر بغلق الحدود البرية، بحجّة أن قرار فرض التأشيرة “جاء أحادي الجانب”.


يتذكّر القاسمي هذا التّاريخ جيداً، فكيفَ ينساهُ وهو الذي عاشَ أولى سنوات الشّباب متربطاً بقضايا الحدود، بحيثُ كانت تشكّل “لحدادة” مصدر عيش السّاكنة المحلية في منطقة بوعنان، “كان الجزائريون يأتون إلى المنطقة ويتبادلون المنتجات يأخذون الخضر والفواكه بأرْخصِ ثمن. نتمنى أن تفتح الحدود وسنسْتمرّ في الحلم إلى أنْ يتحقّق، لأنّ، حالياً، الجوّ خانق ولا نعرفُ إلى أينَ نمْضي. الدّولة يجب أن تقدّمَ لنا معُونات من أجل التّغلب على مطبّات الحياة.



مِشوارُ البحثِ عن شهادات “مغاربة الحدود” ممن عاشوا ويلات “الفراق” مع عائلاتهم، سيدفعنا إلى مُلاقاةِ المفضل (61 سنة) أب لثلاث بنات وابن يعاني من إعاقة، يقْضِي ساعات يومهِ باحثاً عن عملٍ يحفظ به كرامته، وهو الذي يتركُ بناته الأربع يذهبن إلى المزارع القريبة من أجل دريهمات معدودة: “عيات الوقت. خص يفتحو الحدود. بغيت ربي يجمعنا لما فيه الخير وأن يعمّ السّلام”، يسردُ المفضل.


“أريدُ أن تُفتحَ الحدود وأن أجدَ عملاً يحفظُ كرامتي وشرف بناتي، لا أريد أن أترك بناتي يقضين ساعات الصّباح تحت شمسِ حارقة، بغيناها تفتح وتصفى القلوب ما بين المغاربة والجزائريين”، يردفُ المفضل الذي سبق لوالدهِ أن شاركَ في حرب 1963 التي دارت بين الجزائريين والمغاربة، وذَهب إلى القتال ضمنَ وحدة عسكرية مغربية، “كنتُ حينها طفلاً صغيراً لا يفقه حسابات السّياسة” يتحدّث المفضل هازئاً وهو يرْفعُ أنفاسه إلى أقسى استطالاتها.



يربطُ المفضل مصيرَ أبنائه بكسبِ رهان فتْح الحدود، فهو مثل باقي سكان البلدة الحدودية يحملُ آمال تجاوز ذلك الجدار الاسمنتي الذي يقفُ متربّصاً بكلّ حالمٍ بوحدة قريبةٍ، خصوصاً مع الحركية التي يعرفها الشّارع الجزائري هذه الأيام، “لا شيء يحجب الرّؤية. رؤية إخواننا الجزائريين إلا هاته الأشواك والجدران الاسمنتية الكبيرة التي تحُول دون تحقيق أمنية الشّعبين”، يقول القاسمي.


قرية “الملح” المنهوبة


أحداثُ صيف 1983 لازالَت عالقة في أذهان ساكنة الحدود، خاصة أولئك الذين لم يُغادروا قرية “زاوية الحجوي” الحدودية التي تبعدُ عن الجزائر بحوالي ثلاثة كيلومترات ويحيطُ بها الجدار الأمني الذي شيّدته السلطات المغربية. الوصولُ إلى هذه المنطقة الحدودية، التي تحومُ حولها منازل رملية مشيّدة بشكلٍ عشوائيّ وآبار جافّة لا تجذبُ إلا الفُضوليين، كانت غايتُنا الأولى، فالمنطقة لازالت تعاني لحدودِ اليوم من ويلاتِ إغلاقِ الحدود في وجه السّاكنة.


تعيشُ القرية الحدودية عن طريق استغلال منجم للملح. لكن، ذات يوم، أتى الجنود الجزائريون للإعلان بأنّ المنجم يوجد في منطقة بين الحدود، وبالتالي يمنع سواء على الجزائريين أو المغاربة. وفي خضمّ أزمتها مع المغرب، منعت السّلطات الجزائرية أهل زاوية الحجوي بقيادة بوعنان، بإقليم فكيك، من استغلالِ حفر آبار الملح، التي دأبوا على استغلالها بوادي زلمو، ويطلق عليه سكان المنطقة وادي قير، ويبلغ طول مجراه حوالي 600 كلم حيث يلتقي هذا الأخير بوادي الساورة بمنطقة اقلي الجزائرية.



وصادرت السّلطات الجزائرية المساكن والمزارع وأشجار النخيل التي وجدت على الضفة الشرقية للوادي، بدعوى أنها تمثّل “الحدود الطبيعية الفاصلة بين الجزائر والمغرب”. بالمقابل، وتجنبا لأيّ مواجهة مباشرة مع الجزائريين، قامت السّلطات العسكرية المغربية ببناء جدار أمني حدودي يفصلُ التّراب المغربي عن الجزائري.


هكذا، افتقدت “زاوية الحجوي” منْجمها الوحيد الذي يمثّل مصدر عيش السّاكنة ودفع هذا الوضع سكان المنطقة إلى الهجرة وتركِ أرض الأجداد التي ورثوها بعلاتها الكثيرة. وتحكي فاطمة، وهي من ساكنة المنطقة لجريدة هسبريس: “لقد كان المنجم المورد الوحيد لساكنة الحدود. الجزائر منعت السّاكنة من استغلال هذا النهر وحرمتها من مورد أساسي للعيش. كما أنّ الرّحل يعانون كذلك، فإغلاق الحدود حدّ من مجال تحركهم وتسّبب في مشاكل. إذا تاهتْ المواشي والإبل من وراء الجدار الذي أقيم مؤخراً، فيستحيلُ اسْترجاعها”.


جدارٌ وأحلام


شيّد المغرب جداراً أمنياً يتجاوز طوله 100 كلم وبارتفاع مترين تقريبا، وبرّرت السلطات المغربية هذا الجدار “بغرض محاربة الجريمة المنظمة ومنع تسلّل مقاتلين ينشطون في جماعات متطرفة من الجزائر إلى المغرب، لا سيما لاستمرار العمليات العسكرية الجزائرية ضد هذه الجماعات”، لكن بركة بدري، وهو فاعل جمعوي بالمنطقة الحدودية، يعتبر أنّ “الجدار الأمني أثّر على الساكنة بحيثُ أن عدداً من المواطنين المغاربة فقدوا أراضيهم ومحصولهم وماشيتهم”.


وزاد الفاعل الجمعوي متحدثاً إلى هسبريس: “نعاني تهميشاً متواصلاً ونريد حلاً عاجلاً، لأنّ البعد عن الرواج الاقتصادي دائماً ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية وخيمة، نحن منسيون في هذه المنطقة الحدودية. زاوية الحجوي تعاني بعد سلْبِ السلطات الجزائرية منجم الملح وأراضي النخيل كانت تستفيد منها الساكنة المحلية”، مضيفاً أنّ “الوضع الاقتصادي قبل اغلاق الحدود وبناء الجدار كان لا بأس به، لكن بعد سلب الأراضي عشناً ظروفاً صعبة وهناك من حاول الاستثمار في الفلاحة لكنه فشل”.



نفسُ المشاكل التي ردّدها بدري جاءت على لسان جعفر الناجي، الذي يمارسُ الفلاحة المعيشية في زاوية الحجوي، ويقول: “منطقتنا عريقة وقديمة، غالبية السّكان كانوا مرتبطين بمنجم الملح؛ المنطقة كانت تعرفُ رواجاً كبيراً؛ الآن كل شيء اندثرت. الدولة تستثمر في الفلاحة لكن بوثيرة ثقيلة”.


من جانبه، يحكي عبد الله حديوي، وهو فاعل جمعوي من منطقة بوعنان أنّ “الوضع في الإقليم الحدودي “بوعنان” يشوبه مشاكل. المنطقة تعيش على تربية المواشي لكن بدون الوثيرة المطلوبة، بحكم ضعف الدّعم الذي يمكن تقديمه لهذا القطاع. كما أن هناك ضعف للولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية. نحتاج إلى مستوصفات في العالم القروي ودعمها بالعنصر البشري والتّجهيزات.


واقفاً أمام محطة وقود يملأها الصّدأ، يحكي حديوي الذي سبق له أن طالب المجالس الإقليمية والجهوية بضرورة توفير شروط العيش الكريم للساكنة المحلية أنّ “أكثر من 76% من سكان المنطقة الحدودية أمّيين”. ويضيفُ “في المجال الفلاحي هناك مجهود، لكن الخصاص قائم بحكم طبيعة المنطقة التي تعاني من تبعات الجفاف. الحدود ساهم في الرّكود الاقتصادي ما أدّى إلى هجرة الشّباب الذين يعانون ويلات المعيش. والسّاكنة في تناقص مستمر بفعل الهجرة”.


الدرك الحربي


انتهت مهمّتنا في “زاوية الحجوي”. كان مرُور سرب من سيارات “لاندروفر” رباعية الدّفع آخر مشهد التقطته العين، وترامى أمامنا غبارٌ كثيفٌ خلّفته عجلات السّيارات التي اخترقت طريقاً صخرياً في اتجاه “بوعرفة”. لا شيء يُضاهي هذا الصّمت المطبّق الذي تكسّرهُ بين الفينة والأخرى، محرّكات سيارات “متهالكة” تمرّ غير مباليةً بالغُرباء ولا بأبناء المنطقة.


في الطّريق إلى “أحفير” التي تبعدُ عن منطقة “بوعنان” بحوالي 400 كلم، أثارَ انتباهنا للوهْلة الأولى، وجود سدّ أمني يحرسهُ أفرادٌ من الدّرك الحربي المعروفين بزيّهم الأخضر. طلبتُ من سائق السّيارة أن يتريّث وأن يسْتجيبَ لدعوة أحد الضّباط الذي طلب منّا الوقوف. كان الجوُّ صحراوياً خانقاً في هذا العالم الصّخري المتجهّم المترامي على كلّ احتمالات الطّبيعة. طلب منّا الضابط مدّهُ ببطائق التّعريف؛ ثم خاطب سائق السّيارة: “شْكون الصّحافي، نْتَا؟ أجيوْ معانا…



ولجْنا مكتب الضّابط في قيادة الدرك بمنطقة “بوعنان”، أحدُ الموظفين كان ينظرُ إلينا بتوجّس كبيرٍ “واش نْتوما صحافيين”، حاولتُ أن أكسّر حاجز الصّمت الذي دامَ لدقائق “نعم صحافيين”، ثم خاطبني قاطعاً: “أش دّاكم للحدود؟ عارفين المنطقة تعيش وضعاً خاصاً. “معرفتشْ شْنُو غادِي يْديرو معاكم”. أكّدتُ له “أنّنا كّنا بصددِ تصْوير ربورتاج حول قصص “مغاربة الحدود” ولم نكن نبْتغي تصوير أيّ منطقةٍ عسكرية.


مرّت الدّقائق ثقيلةً وبطيئة حسِبْنها ساعات، كنّا نجزي وقتنا بتتبّع طيفَ السّيارات التي كانت تمرّ خلف النّافدة المفتوحِ نصفها على الأفق البعيد. وما هيَ لحظات، حتّى ظهر الضّابط مرةً أخرى، والذي يبدو أنّه أجرى اتّصالات مع ضباط آخرين بشأن قضيّتنا، قبل أن يطلب منّا “الانصراف والتّوفيق في مهامِنا الصّحافية”، خرجْنا من مقرّ القيادة وتنفس الصّعداء.


زمن السّلم والحرب


في طريقنا إلى مدينة أحفير الحدودية، محطّتنا المقبلة، صادفْنا محمّد (34 سنة) بائع ليمون يتجوّل بسيّارته المحملةِ بالبضائعِ في الأسواق والمداشر البعيدة، حمالاً معهُ سردياتٌ من زمن الحرْب والسّلام، ذاكَ التّاريخ الذي تحفظهُ جيداً ساكنة الحدود الشّرقية لمّا دقّت طبول الحرب، معلنةً بداية مرحلة جديدة لا بدّ من التطبيع معها، يقول محمّد وهو يقفُ بجانب سيّارته “النّاس تُعاني لا تجدُ أين تشتغلُ، تهاجر، وتغامر بحياتها”.


يُلوّح “بائع ليمون” بعيداً بيدهِ إلى الحدود، يحْسِبُها قدراً جاثماً على صدْرهِ، “منين كانتْ مفتوحة، الناس كانوا عايشين مزيان كانتبدلو معاهم السّلعة. اليوم الوضع مزري هنا في المغرب وفي الجزائر. نتمنى أن تفتح الحدود ويعود التّجار. لأنّ الحدادة لي راهم بلعوها خلاتْ الوضع مزيرْ بزاف”، يردفُ محمّد.



وفي تعاطيهِ مع هذا الموضوع، يؤكّد محمد بلمير، مستشار في جماعة أحفير، أنّ “الحدود البرية تم إغلاقها لأسباب مجحفة، وخلّف هذا القرار مشاكل كبيرة للعائلات المغربية والجزائرية. فإذا أراد مغربي أن يزور الجزائر مثلاً، فعليه أن يذهب إلى الدار البيضاء، ويركب الطّائرة ليتّجه إلى وهران في حين بإمكانه أن يزورها في دقائق إذا كانت الحدود مفتوحة”.


ويضيفُ بلمير متحدثاً لجريدة هسبريس الالكترونية أنّ “المشاكل الناتجة عن سياسة الحدود يعاني منها المغاربة والجزائريين. يجب على الحكومة أن تحلّ هذا المشكل، لماذا يصرّ الجانبان على عدم فتح الحدود”. وبشأنِ التهريب المعيشي الذي كان منتشراً في منطقة أحفير، يقول بلمير: “بلعتْ” الحدادة ووقعوا مشاكل للطرفين، الشّرق المغربي يعاني، والغرب الجزائري يعاني كذلك”.



ويرفضُ المسؤول الجماعي رهنَ الحكومة المغربية “تنمية المنطقة الشّرقية بفتح الحدود، ويقول “لا يمكن أن نقبل بهذا الوضع، يجب أن نستفيد من المشاريع التنموية التي تستفيد منها جميع المدن المغربية. “الشّباب يعاني البطالة ولا يمكن رهن المنطقة بفتح الحدود”.


“تهريب” الوقود. لحدادة “بلعتْ”!


جولة بسيطة في أزقّة وشوارع مدينة أحفير كانت كافية لترصد العين الآثار التي خلّفها قرار إغلاق الحدود وتشْديد القبضة الأمنية على المعابر التّجارية، فقد غدتْ المحالات “خاوية” تسكنها الأشباح، بينما ينتظرُ أصحابها من يتقدّم لاقتناء مفاتيحها. فقد كان غالبية شباب المنطقة يعيشون على التّهريب المعيشي، وبعد قرار السلطات المغربية إغلاق المنافذ والمعابر، تدهْورت أوضاع “مغاربة” الجهة الشّرقية.


ويمثّل تهريب بعض المواد الغذائية والبترول من الجارة الجزائر، أحد أهمّ مصادر الدّخل بالنسبة للشّباب، حسب ما كشفته دراسة أنجزتها غرفة التجارة والصناعة بوجدة؛ “ففي بني دار التي تبعد بنحو 20 كيلومتر عن وجدة، تأتي الشاحنات من مختلف مدن المغرب لشراء الوقود الجزائري الرّخيص”، تشدّد الدّراسة.



وسبقَ لمرصد التهريب بغرفة التجارة والصناعة في الجهة الشّرقية أن أكّد في دراسة له أنّ “هناك أكثر من 400 بضاعة تهرب إلى المغرب، من ضمنها البنزين، تفوّت على الاقتصاد الجهوي (جهة الشرق) ستة مليارات درهم سنويا (نحو 650 مليون دولار)، وهو ما يعادل بحسب المندوبية السامية للتخطيط (حكومية) رقم معاملات 1200 شركة متوسطة وصغيرة، ويعني أيضا حرمان الاقتصاد الجهوي من 32 ألفا وأربعمئة منصب شغل (بمعدل 27 مستخدم في كل شركة).


وأشارت الدراسة، إلى أن “عدد المخازن التي يباع بها الوقود تزيد عن 60 مخزنا، في حين يبلغ الحجم المروج في اليوم من الوقود الجزائري المهرّب ما بين 15 ألف و20 ألف لتر يوميا، ويقدر عدد العاملين بالقطاع ما بين 200 و300 شخص، في حين يصل عدد المرتبطين بتجارة الوقود إلى قرابة نصف مليون شخص”.


وأمامَ هذا الوضع، تضيفُ الدّراسة، فإن “ترويج الوقود المهرب من القطر الجزائري تحتل معه الجهة الشرقية من المملكة المرتبة الأولى على مستوى الترويج، في حين تظل معه مدينة بني أدرار بإقليم وجدة المركز الرئيسي لتجارة الوقود بالجهة، بحكم موقعها الاستراتيجي القريب من الحدود الجزائرية وكثرة المسالك المؤدية إليها”.


“مغاربة الحدود” والتهريب


تعود بداية تجارة الوقود المهرّب من الجزائر، والتي يمارسها شباب المنطقة الحدودية إلى سنة 1988، وبعد قرار المغرب إغلاق حدوده الشّرقية سنة 1994، على إثر الأحداث الإرهابية التي هزّت مدينة مراكش، توسّعت تجارة الوقود المهرّب بشكلٍ سري لتشملَ مناطق واسعة في شرق المملكة، بحيثُ يرتكز نشاط التهريب، بحسبِ محمد بلمير، مستشار في جماعة أحفير، “في شريط حدودي طوله نحو 75 كيلومترا من السعيدية شمالا حتى جبل رأس عصفور جنوبا. وتلعب الحمير في عملية التهريب دوراً حاسماً في نقل المواد المهرّبة”.


كما يعتمدُ “مغاربة الحدود”، قبل الوضع الجديد، على خدمات أشخاص يطلق عليهم اسم “الكراسة” الذين يعرفون المنافذ التي يمكن التّسلل عبرها، بحيث يقدمون خدماتهم مقابل 500 درهم. وفي هذا الصّدد، نقل تقرير صادر عن المجلس الأطلسي، وهو مجموعة تفكير أمريكية، أنّ تهريب الوقود من الجزائر نحو المغرب كبير لدرجة أنه يمكن من تغطية حاجات المغرب من استيراد هذه المادة.



التّقرير الأمريكي الذي يتناول ظاهرة تهريب المحروقات في الجهة الشّرقية للمملكة أكّد أنّ “ظاهرة تهريب المحروقات تمسّ بصورة المغرب الطاقية، لافتاً إلى أنه في عام 2013، جرى تهريب ما يصل إلى 1.5 مليار لتر من البترول الجزائري، غالبيتها وصلت إلى المغرب، مبرزاً أنّ “الجزائر عانتْ من نقص في الوقود بسبب النسب الكبيرة المهربة نحو المغرب”.


وقاما المغرب والجزائر على مدار السنوات الماضية بخطوات حاسمة من أجل تطويق الظّاهرة، وذلك من خلال بناء أسيجة على الحدود لأجل إيقاف تهريب الوقود، وهو ما أثّر اقتصادياً ومعيشياً على الساكنة المحلية. ويتوقع التقرير أن تستمر ظاهرة تهريب الوقود إلى المغرب لأجل موازنة حاجيات البلاد إلى هذه المادة.


ووفقاً لتقرير المجلس الأطلسي، فتجارة تهريب المحروقات تنتعشُ في المناطق الحدودية بين المغرب والجزائر، إذ يأتي الوقود من المحطات الجهوية الجزائرية، خاصة في ولاية تسلمان الجزائرية، ثم يتجه إلى مدن وجدة أنكاد ومدينة بركان في المغرب، قبل أن يتم نقل المحروقات بسرعة إلى المدن المغربية الكبرى، ويتم استخدام عدة وسائل نقل لتهريب الوقود في الحدود، منها الحمير والبغال.


فتحوا لحدادة


التقينا فوزي (29 سنة) متزوّج وله أربعة أطفال عمل في مجال تهريب الوقود لسنوات، لكنّه في الآونة الأخيرة ظلّ بدون عملٍ بسبب تشديد المراقبة على المنافد والمعابر الحدودية. اختار فوزي، العاطل عن العمل كباقي زملائهِ، أن يتحدّث إلينا بعفوية لكن شرْطَ أن تقامَ المقابلة في مكانٍ بعيدٍ عن أعين النّاس، “أعيش في منطقة المريس (حوالي 15 كلم عن أحفير) لديّ أطفال ولا أجد أيّ عمل في هذه المنطقة”.


ويضيفُ فوزي الذي كان يهرّب الوقود والمواد الغذائية اعتماداً على الحمير والبغال: ” كنتُ أشتغلُ في التّهريب انطلاقاً من الجزائر إلى المنطقة الشرقية في الحدود مع الجزائر كنا نهرّب “المازوط”، مضيفاً “عندي أطفال لا أوفّر لهم حتى 20 درهم في اليوم، نهار بلّعت الحدادة كلشي مات، الظّروف صعبة؛ ولحدادة منين كانت مفتوحة كنا نعيشُ وضعاً مستقراً.


رشيد إيكن (30 سنة) من ساكنة منطقة المرس الحدودية التي تطلّ على الجزائر أكّد بدوره أنّ “المنطقة تعيشُ على وقع مشاكل كثيرة، كان باعثها الأوّل وقف التهريب، فقد انتشرت السّرقة في البلدة ولم نعد نفكّر إلا في الرحيل والهجرة”، مضيفاً “كنت أملك مقهى شعبي ومطعم، كانت هنالك رواج، الجزائريون يأتون يدخلون ويخرجون. اليوم صار الوضع قاسياً التجارة ماتت ولم تعد المقهى تستقبل إلى أفواجاً قليلة في المساء”.


وزاد رشيد: “كان الخير موجود الدعوة زينة، التّجارة مزدهرة، نهار بلعت ماتت أحفير، الشّباب يموت ويضيع. لا نستطيع توفير مداخل الكراء والأكل. الشّباب يموت في البحر ولا نستطيع تغيير الوضع. نهار كانت الحدود مفتوحة كنا نأكل الخبز. اليوم انتهى كل شيء. نبيع ملابسنا من أجل توفير ما نأكله. صناديق التمر والمواد الغذائية. افتحوا لنا الحدود”.


آمالٌ موؤودة


منذ إغلاق الحدود بين البلدين الجارين في سنة 1994، ظل سكان البلدين المغرب والجزائر، خاصة ساكنة الحدود (الحدادة كما يسمونها) يعانون الأمرين، فقد اقتطعت صلة الرّحم بين الشعبين، مما دفع ببعضهم إلى اختراق الحدود في كلا الاتجاهين بطرق سرية عبر الحدود بين البلدين، بمساعدة أشخاص لهم دراية بها، يسمون بـ “الكراسة”.


ويشيرُ الحقوقي المغربي أنّ “العوائل ظلّتْ ذات علاقة قرابة ومصاهرة يتألمون في صمتٍ، ويمنون النفس لانجلاء سحابة التوتر بين البلدين الشقيقين، آملين أن “يرجع مجرى المودة والمحبة بين قيادتي البلدين، ليتمكن مواطنو البلدين من التنقل عبر الحدود البرية وتبادل الزيارات دون عناء ودون تكاليف باهظة”.



لكن الواقع يبدو أكثر قتامة على الأرض، بحسب رئيس المركز المغربي لحقوق الانسان، “فالدّولتان قاما بإحكام القبضة على الحدود، من خلال تشْييدِ السلطات الجزائرية لخنادق يصل عمقها إلى سبعة أمتار وعرضها إلى أكثر من ثلاثة أمتار، كما عمد المغرب من جانبه إلى تشييد سياج على طول 110 كيلومترات، بارتفاع مترين تقريبا”.


وتسبّب السياسة الأمنية المتبعة من طرفِ البلدين “في تدمير آمال المواطنين في صلة الرحم العادية، كما أن الوضع الحالي للحدود، المتسم بالمراقبة الأمنية والعسكرية الشديدة جفّف منابع التهريب المعيشي الذي كان يمارسه سكان الشريط الحدودي في كلا الاتجاهين، الشيء الذي ادى تفاقم حدة البطالة، بعدما فقد الآلاف من قاطني الحدود مصدر دخلهم الرئيسي”.


ويضطرُ سكان الحدود، في حالة رغبتهم صلة الرحم فيما بينهم بين البلدين، إلى السّفر عبر الطائرة، ما يجعلهم يتحملون عناء السفر وارتفاع ثمن التذاكر مع العلم أن أكثر الراغبين في صلة الرحم طاعنين في السن، وهو ما يُضاعف من المعاناة النفسية للعوائل”.


ويأملُ الخضري أن “يراعي الحكام الجدد في الشقيقة الجزائر حق الشعب الجزائري في صلة الرحم مع شقيقه الشعب المغربي، فلا يعتقد عاقل أن إغلاق الحدود ينبع من إرادة الشعبين أبدا، ومن المؤكد جدا أنَّ فتح الحدود سيرجع بالنّفع الاقتصادي والتجاري لكلا البلدين”.



المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل ““مغاربة الحدود” .. آمالٌ تتجاوز “الجِدار الأمني” ومعاناة تنتظرُ الانفراج”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب