ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

كائن الضغينة .. رسالة إلى من يهمه الأمر

المصدر:  | 6 أكتوبر 2019 | رأي |

ليس على الإنسان أن يدعي الحرية والتحرر، وهو غير مطالب بممارسة حريته حتى يتبدى لنا أنه حر، فكل الكائنات بما فيها الحيوانية تبدو لنا أنها حرة ومالكة لزمام الأمور، وليس عليها أن تقاوم فكرة العبودية لأن حريتها كامنة فيها. بيْد أن هذه الكائنات الحيوانية إنما تجد عديد الأسباب التي تجعلها تعيش عبودية لا متناهية، عبودية تتجلى مظاهرها في الغرائز التي تسيطر على الجسد، وتجعل من الكائن الحر عبدا لغرائزه. الغريزة بهذا المعنى ليست ذات محددات طبيعية بيولوجية، ولا هي بالشروط التي تفرض نفسها بطريقة تجعل الكائن يختار الحياة على الموت، بل إن الغريزة ههنا هي تجلَ لنزوعات نفسية لا تحتمل التأخير والتأجيل، نزوعات تتمظهر في مشاعر الضغينة والحقد والحنق والغل والكراهية، هي مشاعر لا يحقق الكائن ذاته أمامها إلا بإشباعها مثل إشباع وحش هائج، فلا يجد أمامه إلا أن يلبي مطالبها ويخضع لها أيما خضوع. وحيث أن الخضوع في هذه الحالة يكون كليا وشموليا، ولمَا كان الأنسان لا يحتمل تأجيل وتأخير هذا الإشباع فإنه يسقط ضحية- عبد لهذه النزوعات النفسية، هذا هو التمظهر الواضح لكائن الضغينة كما تحدث عنه فريديريش نيتشه في كتابه جينيالوجيا الأخلاق، فهو ليس سيد نفسه، ولا يرقى لأن يكون كذلك، لأن لا إرادة له ولا حول له ولا قوة أمام نزوعات تسيطر عليه أيما سيطرة، وتجعله مسلوب الإرادة والفعل، فقد سُلب من الفعل ليتبقى له فقط رد الفعل، سُلبت منه الحرية ليتبقى له العبودية، ثم سُلبت منه مشاعره وأحاسيسه الإنسانية ليتبقى له كل ما هو حيواني، هذا هو كائن الضغينة الذي حُرم من رد الفعل الذي يكون فعلا على الحقيقة، فلا يجد عزاء سوى في ثأر خيالي واهم (نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، ص. 59). ليس فعل كائن الضغينة فعلا على الحقيقة إلا بالنظر إلى موقف خارجي، وسلوك براني، فهو لا يفعل إلا انطلاقا من مثيرات خارجية، ولا يتصرف إلا اعتمادا على مؤثرات نفسية، فيكون فعله مجرد رد فعل لا يقوى سوى على قول: لا، وبدل أن يلتفت كائن الضغينة إلى ذاته يلقي باللوم على الخارج، على خارج ذاته، كونه لا يعمَر ذاته إلا بما يستثير نفسيته، ولا يراها إلا بالنظر إلى ضدية تحقق لغرائزه الإشباع، فينحو نحو اللوم والحقد والحنق والغيظ والنقمة، فلا يسمح لذاته بأن تنمو عفويا، بل يلجمها حتى تحقق أعلى درجات الإشباع. الضغينة من طينة الضعيف، ذلك الكائن المتخاذل والمذلول؛ يذل ذاته بذاته بأن يجعلها عبدا لتكبره وسموه الموهوم وخيلائه وتعجرفه المريض، فلا يجد من عزاء سوى الالتفات نحو الآخرين. الضعيف هو من يجد ضالته في الإساءة إلى الآخرين مجانا، فيرى فيهم كائنات حقيرة لا ترقى لأن تدرك مكانته، وحقا فإن الاحتقار والاستخفاف فيهما الكثير من الغبطة والفرح، فيحولان موقف الضعيف المهزوم إلى مرمى الآخر، بيْد أنهما يخفيان صورة مزيفة ومشوهة عن الذات؛ صورة الذات الخاملة والمتراخية والعاجزة، إنها عاجزة لأنها لا تستطيع التخلص من غيظها، ولا تدرك سبيلا للتحرر من غطرستها وتعجرفها، فتصنع سعادتها زيفا وتكلفا، لأنها تعيش تحت رحمة المشاعر المسمومة والمضمرة للعداء (جينيالوجيا الأخلاق، ص. 60)، ونتيجة لذلك لا تتحقق سعادتها إلا خدرا وزيفا وانفعالا. » إن صاحب الضغينة لا هو مستقيم ولا هو ساذج، ولا هو صادق مع نفسه أصلا، لأن نفسه حولاء، وإن روحه تحب الأوكار والطرق الملتوية والأبواب الخلفية، وكل ما هو خبيء باعتباره عالمه وأمانه ومشفاه، إنه يحسن الصمت وعدم النسيان والانتظار، وكيف يصغَر نفسه لبعض الوقت وكيف يستكين (ص. 61). هكذا هي صفات كائن الضغينة، وهذه حالته حتى في أبسط تفاصيل حياته، فالحنق والحقد والعمل في الظل والبرك الآسنة والأماكن الخبيئة والأوكار والأقبية كلها أساليبه وأمكنته المفضلة، ولما لا يستطيع تحقيق إشباعه بدينك الأساليب يلجأ إلى التخفي والتواري والاختباء وراء الأقنعة المزيفة والشخوص المزورة، فهو لا يقيم اعتبارا لملامح الوجه؛ ذلك الكائن الذي ينجلي وينكشف من تلقاء ذاته، لكن الوجه عند كائن الضغينة ليس من طينة ما كشفه إيمانويل ليفيناس عن الوجه، بل إن وجهه يخفي ما تكشفه نفسيته، يبدو لك صادقا، في حين أنه كاذب، ويظهر أمينا في حين أنه خائن، ويُجلي أكثر فأكثر ملامح وجهه علَها تنفي ما تضمره أحاسيسه الخبيثة واللئيمة. إن كائنا مثل هذا ليجعل من التعقل، كما يقول نيتشه، خاصته الأساسية وسمته الموضوعية، بيْد أن تعقله من طينة أخرى باعتباره شرطا أساسيا للوجود، ويلفي في تعقله كل أسباب الاستخفاف والاحتقار والحط من الآخر. لكن لماذا يا ترى يذهب كائن الضغينة مذهب الحط من الآخر بدل الالتفات إلى نفسه؟

إن كائن الضغينة لا يرى إلا مقياسا وحيدا للنجاح هو ذاته، فكل من يخطو خطواته بثبات يبدو له عدوا، وكل من يقترب من محميته المعقولة جدا يصير كائنا ممقوتا وجب محاربته بكل الوسائل، فيدعي العقلانية والموضوعية والعلمية لتفريغ مكبوتاته وحنقه ومرضياته النفسية، لذلك يرى في الكل مجرد فاشلين لا يفقهون شيئا، ومتطفلين أو طفيليات وجب إبادتها، فيلفي في خلق الأعداء مفخرة، ويجد في تحقيرهم ملذة، وفي إزاحتهم سعادة، كيف لا وهو لا يعرف معنى للسعادة إلا بشقاء الآخر، ولا يجد معنى للذة إلا بتألم عدوه الموهوم، ولا يستطيب معنى للحياة كلها إلا بمعاداتهم. ههنا يبدو كائن الضغينة حمالا لغرائز تحدوها شهوة الثأر والانتقام، فيكون من سلالة العبيد لدينك الغرائز، فمن منا يستطيع فهم العداء المجاني، ومن يقبل الإساءة للآخرين بدعوى دونيتهم. كم هو عجيب أمر كائن الضغينة، وكم هو غريب سلوكه الخبيء والمتواري خلف الأسوار العالية، فهو لا يجد ضالته سوى في التواري والاختباء، في التلذذ لوحده بانتصاراته الواهمة، وحتى عندما يكشف عن نفسه فإنه يقدم قناعا مزيفا لا يتماشى وسلاسة الحياة البسيطة، ولا يتلاءم ورقي الغرائز النبيلة؛ تلك الغرائز التي لا تظهر إلا عفويا: إنها غرائز الكائن النبيل الذي ينمو ويعيش بطريقة عفوية، وليس عليه التكلف والتصنع ليصنع سعادته، فبينما لا يلتفت الكائن النبيل إلا لنفسه السوية ينجر كائن الضغينة إلى تحطيم هذه النفس وتقزيمها، لأن لذته لن تكتمل إلا بذلك، ولا يعرف طمأنينة إلا بتحطيم من يظنه عدوا له، بيْد أنه على الحقيقة يتعذب في صناعة سعادة زائفة، ويعاني من وساوسه المرضية التي تلازمه كلما واجه وجها بشوشا، ونفسا مطمئنة، فيتساءل في نفسه: ما بال هذا الرجل هادئ النفس مطمئن الحال؟ كيف له أن يجد سعادته في بساطته؟

لا يهدأ بال كائن الضغينة إلا بضخ الشعور بالذنب في أنفس الأقوياء والزج بهم في بوتقة أخلاق العبيد ) ص. 69)، فهو لا يطيق هدانة النفس ونقاء الروح، فكل هذه إنما لا سبيل لها إلا بالاستعداء والحقد والغل والاستخفاف والاستحقار، وهو بذلك يجد لنفسه المريضة كل مسببات الهجوم على الآخرين، ويبرر لروحه العليلة كل مظاهر التزلف والوصولية والتملق والنفاق والاستكانة والهدنة والتلصص، هي وسائل فعالة له حتى تحقيق الاشباع، وطرق سديدة حتى الوصول إلى الغاية، وسبل ناجعة حتى يشعر الآخر بما يشعر هو به.

أن يكون كائن الضغينة صديقك فذلك امتحان عسير، لكنه مفيد جدا، فحاله مثل من قال لك: أَنَاصِحُك يا صديقي؟ قلت له: تفضل، فيقدم لك النصائح تلو الأخرى، ويتلو عليك سطورا وفقرات بل صفحات من آياته المحكمات، لكنك لا تجد في نصائحه سوى الغيرة والحقد والحنق، فتجده قائلا: ما لك يا صديقي لا تراعي أفهام المستمعين لك في ندوة علمية؟ وها أنت ترى يا صديقي أن جل النقاشات كانت ضد مداخلتك، فهاجمتْك لأنك لا تراعي مستوى إدراكهم، والحال أن كائن الضغينة هذا لا يهمه شيء من مستوى تلقي المستمع والمتتبع، بل كل ما غاظه ما اعتبره هو في أقبية نفسه المريضة الأضواء المسلطة عليَ، والتفاعل الكبير مع مداخلتي، فلا يصح ذلك مع مجرد باحث مبتدأ أمام أستاذ وبرفسور متخصص في السير الذاتية لم ينل حظا من الأضواء والتفاعل والشهرة، فهو لا يرى في نفسه إلا مركزا، أما الآخرون ففي الهامش باقون. وعجبا لاحظت كيف لكائن الضغينة أن يكون متخصصا في التراث الفلسفي العربي القديم ويتحدث في كل ندواته ومداخلاته بلغة عامية ركيكة، وأن يتسلل خلسة إلى منصات الشهرة ويتزلف ويتملق حتى يحقق مراده ومبتغاه ويشبع غرائزه المقيتة، وذُهِلا أقف أمام خيلاءه وعُجبه وهو يُحدَث الطلبة الباحثين ويلقنهم الدروس تلو الأخرى كأنه عالِم زمانه، والحال أن كائن الضغينة لا يرى نفسه إلا في استصغار الآخرين، ولا يرقى إلا بانحدارهم، ولا يشبع غرائزه إلا بالاستخفاف بهم، فيأخذ عدائيته مأخذ جد لمدة طويلة (ص. 61)، هذا حاله وكذلك بقي إلى أبد الآبدين إن هو لم يقف أمام مرآة لا تعكس صورته فقط، بل تكشف عن خباياه المكنونة المريضة والعليلة والخبيثة، ولن تكون هذه المرآة سوى طبيب نفسي من طينة الأقوياء الذين يعرفون للطمأنينة طريقا وللسكينة سبيلا ويجدون في النسيان حلا. بيْد أن كائن الضغينة لا يعرف قيمة النسيان، لأن هذا الأخير بالنسبة له ثقب في الذاكرة، في حين أن ذاكرته يجب أن تظل متقدة وحية وحانقة، يجب عليها أن تصنف الأحداث وترتب الوقائع وتحصي السلوكات وتعد الكلمات وتبحث بين السطور وتقف عند مضمون المزدوجات والمعقوفات، لا يعرف كائن الضغينة أن النسيان ملكة قيَمة، فهو ليس مجرد حادث عابر، وليس أمرا طارئا على الذاكرة، فلا يكون الأمر يسيرا بالنسبة لذلك الذي يريد النسيان. النسيان موهبة وفن وقوة حيوية تنفتح على المستقبل، ولا يكون الأمر هينا كما يُعتقد، بل يحتاج إلى نَفَسٍ طويل وصراع مع الذات حتى يتحقق الأمر، لذلك يحتاج كائن الضغينة إلى تاريخ نقدي يحوز قوة لإذابة الماضي من أجل الحاضر والمستقبل، بيْد أنه لا يعرف معنى للتاريخ النقدي، فسقف معارفه: الهيولى والحركة والسكون والطبيعة وما بعد الطبيعة والقياس وهلم جرا، كما أنه لا يعرف حتى معنى للمستقبل، فكل ما يهم كائن الضغينة هو إشباع غرائزه: الآن وهنا، حالا وتوا.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “كائن الضغينة .. رسالة إلى من يهمه الأمر”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب