ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

في ما بين الخاص والعام من اتصال

المصدر:  | 10 سبتمبر 2018 | رأي |

895060hamdi-641651488895060.png

من الأمراض السرطانية الخبيثة التي يعاني منها العقل المغربي الذكوري إقامة، وبشكل متعسف، حدود فاصلة بين “الخاص” و”العام”. كل الثقافات المتسلطة طبقيا وذكوريا، مثل الثقافة المغربية، لا تستطيع التواجد، والاستمرار في البقاء، إلا بخلق وترويج الثنائيات التي يطبعها التناقض الطبيعي والإنساني، لكل منها خلفياته ومعاييره وبيئته وطبيعته ووسطه ومرجعيته وعالمه، وتتداخل في ما بينها حد الصراع لأنها ظاهرة بسيكوسوسيولوجية مستمرة في الزمن، وكل محاولة للتوفيق بينها أو توحيدها أو وضع مقياس أو معيار أخلاقي موحد لها هو ضرب لقوانين الطبيعة والوجود، وتنم عن جهالة وجهل أو سوء نية يكون حتما الفشل نهاية لها.

ونذكر على سبيل المثال لا الحصر التقسيم المجحف والمتعسف بين: مثالية ومادية..عقل وقلب..جسد وروح..خيال وواقع..خاص وعام… مطلق ومقيد..امرأة ورجل..غني وفقير..مولى وسيد..محكوم وحاكم… الخ.

إن التفرقة الفاصلة بين “الخاص” و”العام”، وتطبيق مقياس ومعيار أخلاقي معين على “التجربة الخاصة”، ومقياس ومعيار أخلاقي آخر على “التجربة العامة”، و”تهميش” الحياة “الخاصة” التي يعيشها الإنسان بروحه وجسده ومشاعره وأعصابه، مقابل إعلاء وتمجيد الحياة “العامة”، هو سرطان وورم خبيث في العقل المغربي، لا يبدو أنه سيزول أو سيستأصل في المدى القريب بأي تدخل جراحي، أو من خلال العلاج عن طريق الإشعاع الكيميائي. لقد انتشر السرطان الخبيث في معظم الخلايا الثقافية والفكرية والمعرفية، وتمكن من العقل المغربي.

والأمثلة كثيرة على هذه السكيزوفرينيا بين “الخاص” و”العام”، مثلا لو أراد إنسان ما أن يروي عن الفراغ العاطفي ويحكي عن الحرمان الجنسي ويسرد الشعور بالنقص المعرفي والفكري والثقافي الذي يعانيه تجدهم يرددون بصوت واحد لا نشاز فيه: “حياتك وتجاربك الخاصة لا تهمنا. نحن نريد مناقشة مشاكل وهموم خطيرة وطنية كمشكلة التعليم ومن خلاله اللغة العربية وقضية الهوية المغربية أو مشكلة الفساد وتزايد البطالة أو قضية فلسطين، “التي اختصرت في القدس”، أو مشاكل تركيا أوردوغان أو إنقاذ شعب بورما أو فضح المرتشين والمفسدين”. ولو أرادت امرأة ما الشكوى من تحكم الأب، أو وصاية الأخ الصغير، أو تسلط الزوج، تجد الجواب جاهزا بالقول لها إنها امرأة أنانية لا تفكر سوى في نفسها وفي حياتها ومشاكلها الشخصية، ثم يطالبونها بأن تنضج عقليا وتنسى همومها ومشاكلها وتفكر في مشاكل المغرب ومعاناته في ميادين الصحة والسكن والتعليم والعمل والعدل والأمن.

“لو كان كل إنسان فرد مواطن ناكرا لذاته، وناسيا لنفسه وحياته الشخصية الخاصة به، وفكر في الأفراد المواطنين ومعاناة الوطن، لكنا حاليا أحسن وأجمل بلد في العالم…مثل تلك الشرذمة التي تعوق تقدم الوطن”، هذا هو الجواب التقليدي والفهم الجمعي المتسيد والسائد، في شقه الشخصي أو الخاص، في البيئة والوسط الثقافي المغربي.

هذا المنطق مرفوض وبسيط وليس فيه بعد نظر. لا يجب التفريق بين “خاص” و”عام”، كما لا يستحب وضع حدود تعسفية فاصلة بين “فرد-مواطن” أو “مواطنة” وبين “وطن”. أيضا لا يجب التفريق بين “حياة شخصية-خاصة” و”حياة عامة”، فـ”الخاص” هو “عام”، و”فرد-مواطن” و”مواطنة” هما “وطن”، والحياة “الخاصة” هي الحياة “عامة”.

مثلا، بعض الأفراد-المواطنين من المغاربة أصبحوا مقتنعين بأن الأسباب التي تفرز لنا الفراغ والخواء العاطفي والمعاناة من الحرمان الجنسي وهيمنة وسيطرة العقلية الذكورية على المجتمع، والتي تتجلى في وصاية الذكر على الأنثى، هي نفسها الأسباب التي تعطل هذا المجتمع عن حل مشاكله وتجعله عاجزا عن مواجهة أعدائه الثلاثة (المرض والأمية والجهل)، وعن حل مشكلات الزبونية والمحسوبية والواسطة وغياب الحوار والتطرف في الرأي، أي رأي، أو القيام بمبادرات مدنية إنسانية لإنقاذ شعوب تعاني الظلم والاستبداد.

وهؤلاء أيضا مقتنعون بأنه من أجل فهم وتحليل المجتمع المغربي، فما علينا إلا تأمل القصص التعيسة للأزواج تحت سقف بيت واحد ومغامرات الحب الفاشلة عبر الأثير أو الراديو، أو دراسة الكم الهائل لقضايا الطلاق أو دوافع الخيانة الزوجية، أو زنا المحارم وإنكار النسب، أو ظاهرة التحرش والاغتصاب التي تتعرض لها الفتيات، أو الأمراض والأزمات النفسية التي تمر بها المطلقات والعوانس.

لا يمكن فهم ما هو “عام” إلا بفهم ما هو “خاص”. إن التجربة والحياة الشخصية الخاصة ضرب من التجلي نقول عنه “عام”، وما هو “عام” يلون كل حياة خاصة وتجربة شخصية. وأنصار ومؤيدو الفصل بين “الخاص” و”العام” إما يهدفون إلى التستر عن أمور أو يجهلون أن الخاص والعام هما وجهان لعملة إنسانية وحياتية واحدة، أو أن غرضهم هو استمرارية الازدواجية الأخلاقية والثقافية والقانونية التي ترخص لهم ارتكاب أوجه الفساد الشخصي باعتبارهم أحرارا، ومن ثمة تهميش دلالات الحياة الخاصة، وأن العبرة بالسلوك والأفعال في الحياة العامة، والتي يتقمصون فيها دور الناصح-الواعظ والجلاد-الطاغية الحريص على المصلحة العامة.

إن مأساة المجتمع المغربي ذي العقلية الذكورية هي تضخيم “العام” على حساب “الخاص” الذي تم تهميشه بإقامة جدار، تعسفي، انفصالي عازل بينهما، وتطبيق قوانين وسياسة الكيل بمكيالين على تجربة الإنسان أي إنسان، والتي تشمل “العام” و”الخاص” مثل توأمين سياميين يستحيل فصلهما وانفصالهما.

الإنسانية هي الحل

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “في ما بين الخاص والعام من اتصال”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب