ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

دولـة علـى حـافة الانهيار..!

المصدر:  | 6 سبتمبر 2018 | رأي |

893969hicham-etarchi-867097130893969.png

كثيرة هي المؤسسات والمراكز البحثية الدولية التي اختصت في إصدار تقارير سنوية حول مدى سوء أوضاع الدول الـ 178 ومدى هشاشتها، معتمدة على عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تهم في عمومها شرعية مؤسسات الحكم والحكامة ومدى فعاليتها، مدى احترام حقوق الإنسان، سيادة القانون ومدى احترام مبدأي ربط المسؤولية بالمحاسبة وسواسية الجميع أمام القانون وكيفية التعاطي مع مظالم الأفراد والمجموعات.

وبالتدقيق في هذه المؤشرات نفهم أن الدولة التي تجد صعوبة بالغة في حسن استثمار مواردها، البشرية في المقام الأول، واعترافها بالفشل في التأسيس لمنظومة تعليمية متكاملة تستجيب لحاجيات سوق الشغل ورهانات المتغيرات التكنولوجية والعلمية، ومتطلبات سوق الشغل حاضرا ومستقبلا، من خلال تطبيعها مع ممارسات تدبيرية عقيمة يقف عليها مسؤول حكومي غاية مناه الارتباط بكرسي هذا القطاع الوزاري أو تلك المؤسسة العمومية ذات الصلة بقطاعي التعليم والشغل قصد الاستفادة من التعويضات والامتيازات وتدليل العقبات له ولمقربيه للظفر بالصفقات العمومية التي تعود عليهم، دون سواهم، بالنفع المالي الكبير والنفوذ المتنامي، وبالدمار لقطاع أجمع مختلف الفاعلين على فشله، ومع ذلك ما زالت الدولة تعيد إنتاج الوصفات الفاشلة نفسها بقدر كبير من اللامسؤولية، حتى لا نقول بقدر كبير من الغباء، على وهم تحقيق نتائج مغايرة. هذه الدولة، مؤكد، أنها على حافة الانهيار …

كما أن الدولة التي تقوم على نظام اقتصادي ظاهره المنافسة وحرية الأسعار وباطنه الريع واللوبيات ومنافع توزع بالليل، دولة أقرت بفشل نموذجها التنموي ومع ذلك تستمر في إنتاج السياسات ذاتها، وهو ما يخالف المنطق السليم.

دولة فشلت في تدبير مواردها وإحقاق مبدأ التوزيع العادل للثروة، كما فشلت في خلق مناصب الشغل الكفيلة بالحد من الارتفاع المتنامي للعطالة، مما تسبب وما يزال في هجرة الكفاءات إلى الخارج وهجرة الطبقات المنتجة من هرمية اقتصاد الدولة، مما يؤثر سلبا على توازن بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي التأثير بالسلب على توازنها.

دولة أقرت مؤسساتها بأن التوزيع غير العادل للثروة في تفاقم وهو ما يعني أن توزيعا متناميا للهشاشة والفقر والجريمة وقلة الأمن وكثرة الأمراض يتمدد على الوجه الآخر للدولة، هي دولة، بلا أدنى شك، على حافة الانهيار…

والدولة التي تقبل بمؤسسات عمومية توصف ظلما بـ “الصحية” لا توفر الحد الأدنى من الخدمات الصحية الأساسية، أطرها إما مضربون عن العمل بسبب ظروف عملهم المزرية، أو غائرة أياديهم في الرشوة والفساد والزبونية.

مؤسسات صحية لا علاقة لها بالقطاع غير الاسم الذي ارتبط بها غصبا، أقل ما يمكن أن توصف به أنها مزاد علني للفساد وغياب الضمير وانعدام “روح المواطنة”.

دولة تشجع أطرها الصحية على الهجرة من القطاع العام إلى الخـاص بسبب غياب الظروف المناسبة للعمل في المستعجلات والمراكز الصحية والمستشفيات العمومية، كما تطلق يد مسؤوليها محليا، إقليميا، جهويا ومركزيا للتلاعب والمتاجرة بصفقات الأدوية والمعدات والمنشآت والمرضى أيضا.

دولة وضعت المواطن البسيط بين مطرقة انعدام خدمات صحية عمومية وفساد القطاع، وبين سندان مصحات خاصة لا ترى في المواطن المقبل عليها أملا في خدمة صحية تحفظ له كرامته غير رقم على يسار الفاصلة مدون أسفل فاتورة تظل مفتوحة على كل الاحتمالات. دولة ترتضي لمواطنيها هكذا وضع صحي، طبيعي أن تعتبر دولة على حافة الانهيار…

وفي السياق ذاته، فإن الدولة التي تراهن على إنتاج قوانين “متقدمة” ومؤسسات “نوعية” بعدما أمعنت في القتل الرمزي للفاعل السياسي والمنتخب والمسؤول الذي يمتلك من القدرة والإبداع ما يؤهله لأجرأة القوانين وتفعيل المؤسسات وإعطائها النفس الذي تتطلبه المرحلة، هي دولة غايتها التسويق لواجهة وردية لبنيان خارت قوى مؤسساته وتآكلت إمكانات تطوير وتجويد قوانينه.

هذه الدولة التي يعيش مواطنوها حالة نفور دائم من السياسة والسياسيين بسبب تعاطيها السلبي مع المشهد السياسي بمكوناته؛ إذ كيف لمواطن يقف على الطريقة المهينة التي يتم بها عزل مسؤول من على رأس مؤسسة/قطاع عمومي بسبب ما نسب إليه من أخطاء مؤدية إلى العزل وفي كثير من الأحيان إلى المتابعة القضائية، ليتفاجأ بالمسؤول ذاته يعود بكل ثقة في النفس إلى واجهة الشأن العام وهو يتسلم مفاتيح مؤسسة عمومية ليشرف على تسييرها.

فما الغاية من عزل مسؤول ثبت فساده أو تقصيره إذا كان سيعود إلى تدبير الشأن العام في أول فرصة تتاح له؟

بالمحصلة، فإن الدولة التي تتعامل مع المواطن كعنصر مشوِّش عليها، غير مرغوب في ملاحظاته ومواقفه ومبادراته في الفضاء العام، فتجتهد في سـن القوانين التي تضيق عليه فضاء العيش والتعبير وانتقاد ومعارضة السياسيات العمومية، والدولة التي تحول ثروتها البشرية من نقطة قوة إلى نقطة ضعف، هي دولة، لا محالة، على حافة الانهيار…

وبنظرة سريعة على التقارير السلبية الصادمة التي تصدرها بشكل دوري المؤسسات العمومية المختصة، وما تتضمنه من مؤشرات سلبية تؤكد فساد جــل المؤسسات العمومية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ورياضية، وهي التقارير التي تقف بالتشخيص الرقمي والقطاعي على فساد وعجز هذه المؤسسات على تحقيق غايات وجودها ولو بشكل جزئي، تقارير تعري فساد المسؤولين المباشرين على جل القطاعات والمشاريع أفقيا وعموديا.

دولة لا تجد أدنى حرج في تبني هذه التقارير ونشرها وتعميمها على أوسع نطاق، ولا تتردد في الإقرار بمضمونها وبالخلل البنيوي الذي تتسبب فيه حالات الفساد والمحسوبية والرشوة والتنصل من المسؤولية، دون أن تتخذ ولا إجراء لتصحيح الوضع وإقرار الجزاءات التي تتناسب مع فضاعة الجرم الذي لحق المال العام.

دولة تقر بكل هذا وذاك وتطبع معه وتتعايش مع المفسدين في بنيتها، بل وتوفر لهم الحماية بإطالة تواجدهم على رأس مؤسسات استراتيجية أو في داخلها بالرغم من الفشل البيّن الذي حققوه. هي دولة على حافة الانهيار…

تبقى إشارة أخرى وليست أخيرة، وهي أن الدولة التي تعتمد لمدة زمنية طويلة على فريق العمل نفسه الذي يلجأ في كل مرة إلى إعادة تصريف المقاربات المعتمدة ذاتها على نمط التفكير نفسه، مراهنا على السيناريوهات ذاتها بالمخططات نفسها (بحسب تداعياتها فهي مرتجلة وغير مدروسة)، هي دولة تحكم على نفسها بالموت البطيء.

هذه الدولة التي تمعن في قتل مؤسسات الوساطة والهيئات السياسية والنقابية والحقوقية والمدنية، وتصر إصرارا غريبا على تمييع الإعلام العمومي وجعله مشتلا لإنتاج الجهل وتعميم العبث. دولة فوضت لحفنة من الفاشلين قطاعا حيويا ببعد استراتيجي ليصرفوا ملايير المال العام الذي تحصله الدولة من جيوب دافعي الضرائب، البسطاء في معظمهم، على شبكة برامج تافهة وسطحية تعزز الجهل وتسوق لنماذج الوهم، ببساطة هي دولة على حافية الانهيار…

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “دولـة علـى حـافة الانهيار..!”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب