ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

“السينما الزومبية” تتوقع مستقبلا مظلما للبشرية

المصدر:  | 20 مارس 2017 | فن و ثقافة |

تندرج رواية “ميلاني: الفتاة مع كل الهدايا”، للكاتب مايك. غ. كاري، في ما يسمى بالراوية ما بعد الأبوكاليبس، وتتحدث عن مستقبل بائس يتم فيه محو معظم البشر بسبب عدوى جراثيم فطرية.

فيلم “ميلاني: الفتاة مع كل الهدايا” (2016/ 111 دقيقة/ إنتاج بريطاني)، للمخرج الأيرلندي كولم ماكارثي، من أداء الممثلة الطفلة سينيا نانا (الطفلة ميلاني)، بادين غونسدين (إدين باركس، العريف)، خيما أترتون (هلين جوستنيو، الجندية المعلمة للأطفال)، غلين كلوز (الطبيبة، كارولين كالد ويل) …

في مستقبل بائس ومظلم للعالم، ابتليت البشرية بالكامل من خلال نوع من الفطريات التي تحتوي على فيروس “زومبي”. في خضم هذه النهاية المأساوية تستطيع مجموعة من العلماء التحقق من الجيل الثاني الذين ولدوا تحت هذه الظروف، نصفهم “جائع” ونصفهم بشري.

يقحمنا المخرج منذ بداية الفيلم في سينما الكائنات الزومبية، وهي كائنات بشرية جائعة، ممسوخة، متعطشة للدماء لا تفكر، تتحرك بشكل جماعي، بوجوه وأجساد مشوهة تبحث عن الدم واللحم، غائبة عن الوجود. وهي كائنات مريضة وعاجزة تعاني من فيروس مسعور يؤجج ما بداخلها للبحث عن سبب لاستمرارها على قيد الحياة.

يتأطر السياق العام لفيلم “ميلاني” ضمن مجموعة كبرى من الأفلام الزومبية من بينها: “أرض الأموات الأحياء” (2005)، “حزب الزومبيون” (2004)، “فجر الموتى” (2004)، “28 يوما بعد ذلك” (2002)، “الشيطان المقيم” (2002)، “العرض المخيف” (1982)، “المقبرة الحية” (1989)، “يوم الأموات” (1985)، “مساء الأموات الأحياء” (1990)، “الأفعى وقوس قزح” (1988)، “فنتازما” (1978)، “الرجل الأخير… الحي” (1971)، “كرنفال الأرواح” (1962) … وهي أفلام تحدث الرعب والإثارة لكن أبطالها في صورة أموات أحياء.

يتحدث الفيلم عن الطفلة ميلاني، فتاة صغيرة دون الثانية عشر، توجد في مستشفى للأمومة محاط بحراسة مشددة داخل قاعدة عسكرية بشرق لندن. هذه الفتاة هي الجيل الثاني من البشر عبارة عن أطفال صغار لهم مناعة قوية وذكاء خارق وسرعة كبيرة في التحرك، نصفهم بشر ونصفهم جياع، تم استحداثهم من طرف مجموعة من العلماء أمام انتشار فيروس “زومبي” الذي هدد البشرية جمعاء.

الجياع والمعرفة:

في هذا المنجز الفيلمي الذي اختلط فيه البعد المستقبلي ببعد الخيال العلمي بكائنات زومبية هلامية على شكل قطيع من البشر يساقون برائحة الدم والحركة، نجد مشهدين معبرين يمكن اعتبارهما أساسيين داخل البناء الفيلمي؛ يتعلق المشهد الأول ببداية الفيلم؛ حيث نجد قاعة للدرس محصنة بالجيوش ومدججة بالأسلحة في مراقبة تلاميذ صغار لا تتجاوز أعمارهم 12 عاما وهم يتتبعون باهتمام ما تردده المعلمة من أرقام ومن إنشاءات تعبيرية، من بينهم الطفلة ميلاني الأكثر ذكاء من بقية زملائها؛ حيث تستطيع كتابة إنشاء رائع تجعل المعلمة تذرف الدموع على ما كتبته في قصتها الصغيرة والمعبرة. مشهد يذكرنا بمقولة سقراط الشهيرة “الجائع لا يمكنه أن يتعلم”.

في المشهد الأخير من الفيلم نجد المعلمة نفسها تلقي دروسها من داخل مختبر متنقل ومسيج، ومن خلف الزجاج، على مجموعة من الأطفال الجياع ونصف الأدميين، بينما نجد الطفلة ميلاني تنهر زملاءها في ما يشبه النباح حتى يجلس باقي الأطفال وينتبهون لما تقوله المعلمة.

بين المشهدين يحضر الدرس المعرفي ويحضر الجياع، بل أكثر من هذا كأن الفيلم يعود بنا إلى العصور السحيقة؛ حيث نجد الإنسان يكتشف الحروف كخطوة أولى نحو تقدم الإنسان.

الفيلم بهذا المعنى يعود من المستقبل نحو الماضي السحيق في دلالة تراجع قصوى، وأن العالم الذي نعيشه اليوم بإسم التقدم والبحث العلمي يدفع الإنسان نحو مجاعات أفظع ونحو نزع أنسنة الطفولة بشكل خاص، والإنسان بشكل عام، ويدفع إلى إلباس الناس جبة الجياع والمقهورين أكثر مما هم عليه الآن.

بهذا النحو تحضر فلسفة قديمة داخل المضمون العام للفيلم؛ حيث تشعل الطفلة النار في برج على شكل دالية عالية من جذور مغطاة بأجساد وجماجم بشرية تتدلى منها أغضان وأوراق صفراء جافة بمنتوج صلب… في إشارة إلى عدم خصوبتها. هذه النيران تبعث جراثيم تتحول إلى رماد وتنتقل إلى باقي الكرة الأرضية للقضاء على الكائنات الزومبية. حضور الإرهاصات الأولى من الفلسفة المادية الطبيعية وتصورها للحياة والعالم؛ حيث يشكل الهواء والنار والتراب الهيولى الأولى، وأن أصل العالم من نار وهواء وتراب.

الإنسان يبقى إنسانا:

رغم مشاهد العنف والقتل التي يسبح فيها الفيلم، هناك ثلاثة مشاهد قاسية تتعلق بالطفلة ميلاني؛ في مشهد أول تنقض على جنديين وتمتص من دمائهما، وفي مشهد ثان “تفترس” بشكل همجي قطة وديعة. وفي مشهد ثالث “تفترس” حمامة…

قتلها وافتراسها لهذه الحيوانات بشكل همجي تاركة وراءها الدماء وملطخة ملابسها النظيفة يحلينا إلى انعدام القدرة التميزية لدى الطفل/ الإنسان وانعدام ثقافة السلام، أشار إليها المخرج بقتل الحمامة والقطة الأليفة والتهماهما، وبتعبير درويني عن استمرارية النزوع المتوحش في لا وعي الإنسان قبل أن يخرج من مجتمع القطيع ويلج مجتمع التمدن.

تدفع هذه المشاهد الثلاث إلى مشهدين يمجدان الإنسان ويرفعان من قيمته الإنسانية وتضحيته في سبيل عيش الآخرين بسلام؛ المشهد الأول في بداية الفيلم؛ حيث لم تستطع الجندية المعلمة رغم الحراسة المشددة ورغم خضوعها لنظام الجندية أن تتحكم في مشاعرها وتذرف الدموع من جراء التعابير والقصة الجميلة التي كتبتها الطفلة ميلاني.

مشهد آخر في نهاية الفيلم؛ حيث يطلب العريف من ميلاني أن تقتله وعدم رغبته في أن يتحول إلى زومبي، بل يتعدى الأمر أكثر من ذلك حينما يعترف وهو الجندي القاسي للطفلة بأنها رائعة وبأنها قدمت الكثير من الهبات والتضحيات والهدايا بطريقتها الخاصة، وهذا يحيلنا إلى عنوان الفيلم “ميلاني: الفتاة مع كل الهدايا”، بأن لدى ميلاني أكثر من هدية تقدمها لهذا العالم المحفوف بالمخاطر.

يحضر هذا التقابل بين بعدين متناقضين؛ حضور همجي يتمثل في ما آلت إليه الإنسانية من قتل وتدمير وتخريب واستنساخ وذكاء اصطناعي، وحضور إنساني يعلو من شأن الإنسان ومن استمراره في قيادة هذا العالم جراء موت الجندي والطبيبة، في إشارة إلى إحداث القطيعة مع تجارب الاستنساخ ووضع حد لهذه الحروب المدمرة.

ينتهي الفيلم بانتصار ميلاني على قيد الحياة، وهي تنتصر للإنسان بعدما أضرمت النار في هذه الكائنات العجيبة وتعليم الأطفال الصغار بنوع من الصرامة والانضباط أبجديات المعرفة واستمرار شخصية المعلمة كشخصية مهلمة.

شخصيات الفيلم:

تتوزع الشخصيات الفيلمية على حقول تمتزج ببعضها البعض.. وفي سيطرة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، تمثلها شخصية الطبيبة العسكرية القاسية الراغبة في استكمال مشاريعها الجهنمية باستخلاص مزيد من التجارب والملاحظات العلمية حول الجيل الثاني من البشر، تمثلهم الطفلة ميلاني وارغامها في المختبر المتنقل على الخضوع كرها لفحوصاتها، وبين شخصية الجندي المنفذ للأوامر الذي يقتل بلا رحمة ودون أن يتساءل ويستنتج في اللحظات الأخيرة خطورة ما آلت إليه هذه التجارب المهددة للكيان الإنساني.

ثم شخصية الجندية المعلمة التي تعي خطورة ما يقع وتتعاطف مع الأطفال الصغار وتحول دون قتلهم، بل هي من تساهم في إنقاذ الطفلة ميلاني، وهي ملهمتها كمعلمة وتستمر في عملية التنوير التي تمارسها في نهاية الفيلم وهي تعلم الأطفال الجياع أبجديات المعرفة.

تمثل شخصية الطفلة الصغيرة ميلاني سيادة فلمية كاملة وحضورا مكثفا على مستوى المشاهد الأساسية للفيلم، وهي شخصية عاطفية، ذكية، لها قدرة كبيرة على التواصل والإقناع والدفاع عن نفسها بحركيتها السريعة. بنظرات ثاقبة وحدس مسبق وبطرحها لتساؤلات وجيهة ومحرجة… كأن المخرج يحيلنا إلى نموذج إنساني نحتاجه في الوقت الراهن وفي كل العصور.. الإنسان النبيه، اليقظ، الحساس.

العجامة التقنية

المخرج الأيرلندي كولم ماكارثي (من مواليد 16 فبراير 1973)، له مسيرة طويلة في المسلسلات التلفزية الشهيرة منذ 2003، واستطاع أن ينجز خلال هذه المدة فقط فيلمين روائيين؛ الأول عام 2010 بعنوان “outcast”، والثاني بعنوان “ميلاني” أواخر 2016، مراكما تجربة طويلة في العمل الإبداعي التلفزي.

هذه الخبرة الطويلة في المسلسلات التلفزية منحت للمخرج قدرة كبيرة في تأطير الحدث الفيلمي من خلال ملابس الطفلة في البداية بلون برتقالي، كناية على الحكم بالإعدام دون الإفصاح عن ذلك، وكذلك لباس الطبيبة والمعلمة الجندية لزي عسكري، بما يحلينا إلى سيطرة العسكرعلى السياسات العامة. ثم إلباس الطفلة لقميص أبيض يلطخ بالدماء فيما بعد، في إشارة إلى التحول النفسي للطفلة ودفاعها عن الإنسان.

الشخصيات الزومبية في الفيلم مصابة بالطفح الجلدي بشكل مقزز ومقرف يبعدها عن صفة الإنسانية وما يمكن أن يلحق بالإنسان جراء هذه التجارب الطبية المخيفة، والتي اعتبرت المخلوقات الأدمية مجرد فئران تجارب.

تتأطر خطاطة مشاهد الفيلم في خط تصاعدي يوازي هروب الأبطال من الكائنات الزومبية، وهو هروب طبيعي لخوف الإنسان على حياته أمام الخطر المحدق أمام جماعات لا تملك القدرة على التمييز.

تتخذ الكاميرا وضعيات قريبة ولقطات مقربة وتتسلل بين هذه الكائنات الهشة وتعكس نفسية أبطال الفيلم، المعلمة الجندية وهي تذرف الدموع، ميلاني وهي تلعب بصورها وحاجياتها الصغيرة، وكذلك استخدام هذه اللقطات القريبة لإبراز حالة الصدمة من حركية الهجوم الذي تشنه هذه الكائنات الزومبية.

لقطات بانورامية من الأعلى تبرز حالة مدينة لندن كمستعمرة من طرف هذه الكائنات يضعنا فيه المخرج بين مقارنة جمال المدينة، وقرف هذه المخلوقات التي غدت ليفياتانية مسيخة.

تبقى ملاحظة أساسية أن النقد السينمائي العربي أهمل هذه السينما الزومبية ولم يتابعها بما تستحق من دراسات ومتابعات ومقالات نقدية جعلت الكثيرين يدخلونها في باب سينما الخيال العلمي. سينما الكائنات الزومبية يمكن الاحتفاظ بالتسمية نفسها كما في باقي اللغات مع وضع إشارة إلى أنها سينما هائمة أو أن أبطالها هائمون، وهي كلمة في اللغة العربية تحيل إلى أن هذه الكائنات هائمة على وجوهها دون أي مقصد مركزي.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل ““السينما الزومبية” تتوقع مستقبلا مظلما للبشرية”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب