ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

أطفال اليوم وأطفال الأمس

المصدر:  | 11 يوليو 2014 | رأي |

453744ABDE-LHAKIM-411274511453744.png

الأطفال الذين تصادف طفولتهم هذه الألفية الثالتة و عقودها المتوالية ، أطفال محرومون حقا ، أطفال ليسوا كسابقيهم ممن ولد نهاية القرن الفائت( هؤلاء هم الآباء الشاهدون على هذا التفاوت ) .

أطفال اليوم يكاد الملل يُذوي أجسامهم النحيلة ، ويلقي بهم في دوامة الاكتئاب والسأم ، لا جديد يفرحهم و لا شيء يبهجهم ، كل شيء يفقد بريقه ووهجهه قبل حتى أن يلمسوه، يتبرمون على طول الوقت ،وتضخمت لائحة مطالبهم وأصبحت طويلة …طويلة جدا.

بالأمس البعيد كان وجود دراجة واحدة يلهب حماس أبناء الحي كلهم ، نتحلق حولها و نتودد إلى صاحبها الذي أوتي حظا عظيما.

كانت فترة الرسوم المتحركة ، على قصرها، فترة مقدسة نضبط عليها عقارب حواسنا و خيالنا ، عندما ينطلق موعد بثها اليومي ، يتجمد صخبنا و نصاب بخدر نسافر من خلاله إلى عوالم شخوصها الورقية ، التي كنا نشاهدها بلونين فقط : الأبيض و الأسود.

كنا نعتقد عنادا أنها عوالم حقيقية ، و ليست مجرد رسوم ، عوالم تناسب نزقنا الطفولي وفورة الصّبا فينا.

عندما تنقضي حصة الرسوم ، نستفيق من خدرنا الجميل، و قد أورثنا حسرة و متعة و أسفا ، و حصة الغد نراها بعيدة …بعيدة جدا .

لم يكن الطعام وحده يسد جوعنا، رغيف خبز ساخن مبلل بالمرق يفي بالغرض و زيادة.

كان جوعنا الحقيقي إلى البرية و ضواحي مدينتنا التي كانت صغيرة ،قبل أن تتضخم و تتعفن و تنطبق على سكانها كالفخاخ.

في هذه الضواحي كنا نبني عالمنا الصغير في غفلة من الكبار المشغولين بأشياء لا نعرفها و لا نراها، كنا نطاول الأشجار و نفتش في أعشاشها، و نعلن الحرب على عصافيرها نعد الفخاخ و المقاليع ، و القبض على دوري صغير، يعنى امتلاك الدنيا بأسرها.

كل تراب الأرض كان ملكا لنا ، ننشئ فيه ما شئنا من ملاعب و حلبات للركض و القفز ، و نخترع ألعابا لمّا تنتبه إليها “أكاديميات الرياضة” بعد ! .

في الفصل المطير (كان فصل الشتاء يخيم طويلا حتى نفتقد الشمس و الحرارة و العوم في البرك و السواقي ، عكس الأيام الممطرات حاليا ، تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة ، أو ربما هو محض اشتياق للطفولة الغابرة لا غير )، في فصل الشتاء هذا ، كنا نستشعر لذة مغرية و نحن نلامس الوحل ، ونغمس فيه أرجلنا الصغيرة و نتبع الكرة التي استحالت كومة من الطين المُكور …

و في المحصلة يكون يكون العبء، كل العبء على الأمهات الطيبات يغسلن و ينظفن و يفركن …

الغالب على صبيان اليوم أنهم أترعوا شبعا ولهوا و لعبا، دعْ عنك المحرومين و المنبوذين في الأقاصي و أعالي الجبال و سراديب المدن الضيقة الرطبة ،التي لا يزورها ، لا الشمس و لا الطبيب…

في السابق كان من المستحيل أن يوجد الطفل خارج زمرة أقرانه ، ينمو بنموهم ويكتشفون أنفسهم والعالم مجتمعين …

أما اليوم فقد استعيض عن جماعة الأقران تلك، بزمرة من المعدات و الألواح الإليكترونية ، يغمس فيها الطفل رأسه لساعات طوال ،ولا يستفيق منها إلا و قد انفصل عن العالم من حوله ، وبات يحلق وحيدا في عالم افتراضي متخيل ، يجد صعوبة بالغة في الفكاك منه و التصديق بعدم وجوده الحقيقي.

أضحت الألعاب الإلكترونية و شبكات التواصل ، مرتع الأطفال و مبتغى فرحتهم ، و أضحى رواد “الفيسبوك” و غيره أصدقاء جددا،يتواجدون على مسافات غير متناهية ، و بنقرة واحدة يجمعون آلاف الأصدقاء و يتبادلون آلاف الأسرار .

تقلص العالم الحقيقي وانسحب ، و انضغط في بضع سنتمترات مشعة سانية، فيها كل شيء ، يكفي فقط أن يقع كل طائر على شكله.واستبدل النقر واللمس و تحريك الأصابع ، بالكلام والجري و القفز، و أصبح الأطفال رهائن محابسهم الجديدة : المدرسة ( التي تقلصت فيها حصص الرياضة و الحركة) و الأسرة (التي ضاقت غرفها حتى غدت أدراجا في صوان ) و هاته الأجهزة ذات السحر المبين.

يرجع الطفل من المدرسة ويضع عنه العبء الثقيل من فوق ظهره ، الوزر المملوء كتبا و ألواحا و قراطيس تقيلة ، ليدلف إلى “كابينة” القيادة ، و قد بدأ بوضع الأسلاك والمجسات و اللواقط ، يلفها حول رأسه و أذنيه ، و يشرع في تحريك أزرار الإشعال، تماما كما يفعل الطيار في ركنه.

يطير الطفل إلى عالمه الخاص به وحده و الممنوع على الوالدين ، يكلم من يشاء و ينظر إلى ما يشاء ، دون رقيب ولا معين ، و كميات الضوء الهائلة و الصور و المعلومات السيارة ، “تقولب” عقله و تشكل وعيه و تنسج في لا شعوره و تعزله شيئا فشيئا عن نفسه ووالديه و محيطه.

[email protected]
/* */

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “أطفال اليوم وأطفال الأمس”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب