ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

اعترافات في حضرة الموت

المصدر:  | 22 يونيو 2014 | رأي |

446432elachabi-496056514446432.png

رحيل المهدي المنجرة : الموت بصيغة المستقبل

في المرات التي أُتيح لي أن ألمحكَ فيها أيها الموتُ و أنتَ تُسلِّمني للحزن , كنتَ الزائرَ الأخيرَ لآخرينَ لم أقنع بما أهدتني الحياةُ من حياتِهم , فهل كانوا يعرفون أن رحيلهم معك لا يخصهم وحدهم, بقدر ما يوجع قلوباً ضَبَطَت إيقاعَ نبضِها على هديِ خطوهم , و يطفئ عيوناً أوقدَت بريقَها من نور هديهم .

التقيتُهُ صيفَ 1991 من خلال “الحرب الحضارية الأولى” , حيث عرفتُ حينها أنه الهرم المعرفي المغربي الذي ارتقى إلى العالمية مفكراً كونياً عَرَفَ حربَهُ قبل أن يكتشف صامويل هنتنغتون صدام الحضارات , فتابعتُ خطاهُ و هو يُعِدّ لها “حوار التواصل” (1996)، قبل ” عولمة العولمة” (1999)، التي تحولت إلى عولمة لمنظومة القيم فرضت إيمانا بأهمية “قيمة القيم ” (2008) .

عندما التقيتُ المهدي المنجرة صيفَ 1991 – دون أن أقابله – لم أكن أعرف أنه سوف يسكن دمي , إلى أن نَزَفتُهُ فجأة عند الرحيل .

هل تعرف أن الأحياء الذين دخلوا مُدُنَ أحلامي , و سكنوا حَكايا أيامي , ثم أخَذتَهم معك ايها الموت لم يموتوا بداخلي , فمازلتُ أراهم عندما أقف أمام المرآة , و أسمعهم عندما أَمُرّ بالطرق الذي جَمَعَتنا ذاتَ حُلم , و أَشُمّ عَبَقَهُم عندما أَشدّ الرحال إلى مُدُنِ الحنين ؟

أَتُراك أخذتني منهم لَمّا لم تستطع أخذهم منّي , أتراني أنا الذي مِتّ بداخلهم لَمّا لم يموتوا بداخلي , لعلّه سرّك الخَفِيّ , أيها السِرّ الأبديّ !

عندما أقرأ للمهدي المنجرة , أَجِدُني أُشارِكُهُ ممارسةَ رياضة التفكير العميق .. أَجِدُ صداقَتنا تزداد عمقاً مع مرور الصفحات .. و كلما وصلنا إلى آخر كتاب أحسستُ أن ما يجمعنا ليس الورق و إنما روح و عقل كاتبه , فأُعيد القراءة لألتقيه و ألتقيه ..

لعل الموت أخذكَ معه يا صديقي إلى حيث لا يَراكَ الغرباء , لكن صديقاً صدوقاً مثلي لن يُصَدِّقَ أبدا أنك متَّ .. حتى لو وَصَلَهُ النبأ كالغرباء .

أعرف أنكَ أيها الموت لستَ محض اختيار , كما هي الحياة ليست محض اختيار , لكني على يقين أن من يستطيع اختيار الحياة صانعاً للمعنى في حياة الآخرين , يستطيع اختيار الموت حاضراً في الغياب .

عندما تقرأ عن المهدي المنجرة : المفكر الكوني المختلف على مستوى طروحاته بقدر اختلافه على مستوى أدوات اشتغاله , المتميز بدقة المنهج وصدق الرؤية , الحامل لمشروع فكري و حضاري , الذي لم يبع أفكاره و لم يخن قناعاته , فأنتَ تعرف دونى ادنى شك أنك أمام رجل كان قَدَرُه أن يكونَ قيمةً و رمزاً , و كان اختياره أن يصنع المعنى في حياة الناس بما قَدَّمَه و بما يرمز له .

كيف يغيب من عاش حاضرا في العقول , و للعِلمِ رَحِمٌ لا يقطعها عاقل !

منذ أقنعتني الحياة بأن كل شيء ممكن , و أنت أيها الموت تحاول إقناعي بأنه لن يكون إلا ما كان ..

منذ أقنعتني الحياة بأن أُسكِنَ أيامي حصوناً شَيَّدَتها القِيّمُ بداخلي , و أنت أيها الموت تحاول إقناعي بأن أُسَلِّمَها لك حلماً حلما..

منذ حاولتَ إقناعي بأن أسير نحوك , و أنا أحاول إقناعك بأنه لكي نلتقي لابد أن تأتي أنتَ إليّ .

منذ عاد المهدي المنجرة إلى المغرب سنة 1957 بعد حصوله على شهادة الدكتوراه من كلية لندن للاقتصاد , و هو يحاول أن يقنعنا بأن “القيم ” أهم عناصر التعلم , و مفتاح التقدم .

منذ أنجز المهدي المنجرة سنة 1979م – مع آخرَين- التقرير الثاني لنادي روما لعلم المستقبليات في موضوع : “لا حدود للبحث والدراسة”، و الذي تمت ترجمته إلى 12 لغة عبر العالم , و هو يحاول أن يقنعنا بذلك بأكثر من اللغة و ليس فقط بأكثر من لغة .

منذ أسهم المهدي المنجرة في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات و “الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية” الذي انتخب رئيسا له , و هو يحاول أن يقنعنا بأن المستقبل يُبنى و ليس فقط يعاش .

لستُ أَهابُكَ .. أيها الموتُ المُقَدّر , أنتَ هبةُ الله .. المُسَخّر .

اللهم إن عبدك / المهدي المنجرة في ذمتك وجوارك فاغفر له وارحمه و عافه و اعف عنه , و ألهمنا الرضا لنقول موقنين { إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ } .

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “اعترافات في حضرة الموت”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب