ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

إحصاء سكان المغرب بين الفقر والأمازيغية: مهازل ومسائل

المصدر:  | 22 يونيو 2014 | رأي |

446116mbarekbelkacem-932368055446116.png

اش خصك ا العريان؟ …

حينما نطالع موقع المندوبية السامية للتخطيط HCP على الإنترنت نجد على صفحته الأولى تقديرا يوميا لعدد سكان المغرب يتجدد كل ساعة. حيث يخبرنا الموقع أن عدد سكان المغرب يبلغ الآن 33.295.000 ونجد فيه معلومات أخرى غزيرة، بلغة المغرب الرسمية (الفرنسية طبعا)، تستقيها المؤسسة من مختلف مصادر المعلومات الحكومية والإدارية ومن معلومات الشركات وغيرها. فلماذا هذا الإحصاء؟!

- المهزلة رقم 1: إحصاء لم يطلبه الشعب ولم ينتفع به الشعب يوما

تخلت كثير من الدول المتقدمة (باستثناء الدول الضخمة كالولايات المتحدة والصين والبرازيل) عن أسلوب الإحصاء التقليدي الشامل الذي يرجع إلى عهود ما قبل الكومبيوتر وما قبل الإدارة الحديثة. وتستقي معظم الدول الأوروبية معلوماتها حول سكانها من سجلات الحالة المدنية الإلكترونية وبيانات الإدارات وتصريحات الشركات والتصريحات الضريبية للأفراد وغيرها. ولا تنظم العديد من الدول الأوروبية أية عمليات إحصاء واسعة النطاق. ويكتفي البعض الآخر بعمليات إحصاء جزئية أو إقليمية حسب الحاجة.

وقد اختفت الحاجة لدى العديد من الدول إلى الإحصاء التقليدي الوطني الشامل الذي يتطلب تجنيد موارد مالية وبشرية هائلة ويستغرق وقتا وجهدا يجدر إنفاقه في أنشطة أكثر نفعا للمواطن. فدول ألمانيا والنمسا وسلوفينيا وسويسرا وهولندا والدول الإسكندينافية لا تنظم أي إحصاء شامل تقليدي للسكان وإنما تكتفي بتجميع المعلومات إلكترونيا بشكل روتيني من سجلات البلدية والإدارات الأخرى، وقد تقوم بأخذ عينات من السكان ودراستها.

فما الذي لا تعرفه الدولة عن المغرب والمغاربة حتى تبحث عنه بهذه الطريقة البدائية؟! فعدد السكان معروف. وعدد سكان كل مدينة وقرية وإقليم معروف. وخريطة الفقر موجودة ومعروفة. والمدن المتعفنة معروفة. والقرى المهمشة معروفة. والبرّاكات الخامجة معروفة للقاصي والداني. ونسبتا البطالة (الحقيقية والمعلنة) معروفتان لدى الدوائر العليا. والغالبية الساحقة من المغاربة مسجلون لدى مصالح الدولة ويملكون بطاقة وطنية أو كناش الحالة المدنية أو شيئا من ذلك القبيل.

أما من يزعم أن بيانات الإحصاء ستكون ضرورية في برمجة التنمية الإقتصادية والإجتماعية فهو مخطئ. والدليل هو أن الدولة لم تستفد ولم تتعلم شيئا من كل الإحصاءات السابقة و”تقرير الخمسينية” وكل التقارير الأخرى التي صدرت ومازالت تصدر ولا يُنفذ شيء من توصياتها. التقدم الإقتصادي، كما نلاحظه في الدول المتقدمة، يعتمد على حسن إدارة الموارد الطبيعية والنظام الديموقراطي الحرياتي العلماني وليس على إعادة إحصاء ما هو معلوم سلفا.

ما الذي استفادته الدولة من إحصاء 2004؟

حسب تقرير التنمية البشرية الذي يصدر سنويا عن الأمم المتحدة جاء المغرب عام 2003 في المركز 124 عالميا. وفي 2012 “تقدم” المغرب إلى الوراء للمركز 130 عالميا. وعلى سبيل المقارنة، هذه بعض الدول التي تملك معدل مستوى عيش متفوق نسبيا على المغرب حسب تقرير 2012: الأراضي الفلسطينية (المركز 110 عالميا)، إسرائيل (المركز 16 عالميا)، بلجيكا (المركز 17عالميا)، كوبا (المركز 59)، تركيا (المركز 90)، تونس (المركز 94)، مصر قبل الفوضى (المركز 112)، سوريا قبل الحرب الأهلية (المركز 116)، بوتسوانا (المركز 119)، وجنوب أفريقيا (المركز 121 عالميا).

لا تحتاج الدولة المغربية إلى إحصاء سكاني لمعرفة وضعية الشعب. فالفساد الإقتصادي والإداري يحكم المغرب بيد من حديد بشكل واضح للجميع. وعدد الفقراء والمزالط معروف لدى الدولة. والمناطق الفقيرة معروفة. و”الجامعات العيانة” معروفة. والمدارس النخبوية معروفة. والمليارديرات والمليونيرات والإقطاعيون معروفون للدولة. الثروات المنهوبة معروفة للدولة. كل شيء واضح ومعروف لدى الدولة. ما يجب عليها أن تفعله هو الإشتغال على التنمية الحقيقية والكف عن قمع الحريات الفردية وحقوق الإنسان، والكف عن تبذير أموال الشعب. وهذا لا يحتاج إلى ذلك الإحصاء والسيرك الإعلامي الذي يصاحبه.

- المهزلة رقم 2: الأمازيغية ثلاث لغات والدارجة لغة واحدة!

أقسم واضعو أسئلة الإحصاء على البقاء أوفياء للتقسيم الإستعماري البغيض للأمازيغية إلى “ثلاث لغات” ويسميها البعض “ثلاثة فروع” تلطيفا أو دفعا للحرج. إذا كانت الدولة تعترف في الدستور بالأمازيغية كلغة واحدة فلماذا تعاملها كثلاث لغات في الإحصاء؟! هل تخطط لتدريسها كلغات ثلاث مستقلة منفصلة كما يريد خصوم الأمازيغية مثلا؟ ما الدافع وراء هذا الفضول المخزني تجاه لهجات اللغة الأمازيغية؟

وقد أصر واضعو استمارة الإحصاء على ارتكاب نفس الخطأ الفادح القديم وهو تسمية أمازيغية الريف بـ Tarifit “تاريفيت” رغم أن كل سكان الريف يسمون لغتهم Tamaziɣt “ثامازيغت” في القرى والمدن وليس “تاريفيت” ولا “الريفية”. فهذان الأخيران هما مصطلحان أجنبيان عن الريف.

وارتكب واضعو الإحصاء الخطأ الفادح الآخر وهو استخدام مصطلح Tacelḥit “تاشلحيت” المضطرب. فرغم أنه مستخدم فعلا في سوس والنواحي ولكنه يستخدم أيضا من طرف جزء من الناطقين بأمازيغية الأطلس الكبير والصغير والجنوب الشرقي وحتى لدى جزء من سكان الأطلس المتوسط ومناطق أخرى متناثرة في الجنوب والشرق. ويستخدم جزء آخر من سكان الأطلس المتوسط وما جاوره مصطلح Tamaziɣt “تامازيغت” لتسمية لغتهم. ثم إن جزءا من سكان سوس يستخدمون مصطلح Tasusit.

وسكان المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وفاس الناطقون بالأمازيغية يستخدمون المصطلحات Tacelḥit وTamaziɣt وTasusit بشكل تبادلي ومختلط. وكل هذا سيعقد ويسفه هذا الجهد العبثي الذي يحاول الظفر بعدد الناطقين بكل لهجة أمازيغية على حدة، وسيتسبب حتما في ظهور نتائج مغلوطة.

كما أنه من غير الواضح أين سيتم إدراج أمازيغية منطقة فيگـيك Figig وأمازيغية منطقة غمارة Ɣumara قرب تطوان والجزر اللغوية الأمازيغية الأخرى المتناثرة في المغرب الشرقي. هل مع أمازيغية الريف أم الأطلس أو ماذا؟!

هذه المعلومات اللهجية لن تنفع المغرب في شيء مادام كل الناشطين والمثقفين واللغويين الأمازيغ متفقين على وحدة اللغة الأمازيغية وضرورة تدريسها بشكل موحد وطنيا بنفس الكتاب المدرسي، ونهج سبيل التعددية اللهجية الأمازيغية داخل نفس الكتاب المدرسي الموحد.

أما بالنسبة للدارجة فالمرء حينما ينظر إلى “لهجات الأمازيغية” سيتساءل حتما: لماذا لا تعامل الدارجات أيضا كلهجات متعددة؟ فهناك الدارجة العروبية/الدكالية/الشاوية والدارجة الجبلية-الفاسية والدارجة المراكشية والدارجة الشرقية. وقد يقول المرء أن الناطقين بهذه الدارجات يتفاهمون فيما بينهم بشكل جيد يفوق درجة تفاهم الناطقين بلهجات الأمازيغية وهذا صحيح إلى حد ما.

ولكن يجب أن نستحضر محدودية حجم الدارجة كلغة وتَعَوُّد الناس على إلحاقها بالعربية الفصحى التي تدرس في المدارس وتذاع بها نشرات الأخبار على التلفزة. وعبر ذلك دخل عدد كبير من الكلمات العربية إلى الدارجة الحضرية مثل “السياسة، الدولة، الاقتصاد، الجامعة، الشهادة…” وهي كلمات يستخدمها أيضا الناطقون بالأمازيغية المتعلمون لأنهم لا يعرفون مقابلاتها الأمازيغية رغم أنها موجودة في القواميس الأمازيغية الحديثة المغربية والجزائرية منذ وقت طويل. كما أن هناك اختلافا كبيرا بين “الدارجة التلفزيونية” المتأثرة بالعربية والفرنسية وبين الدارجات الأصيلة المستخدمة في البوادي والمدن الهامشية.

“انعدام التفاهم بين اللهجات الأمازيغية” كذبة كبيرة لا علاقة لها مع الواقع. الحقيقة أن الأمر يتعلق بضعف في التفاهم بين اللهجتين المتباعدتين بـ1000 كيلومتر: أمازيغية الريف وأمازيغية سوس والجنوب الشرقي. “ضعف التفاهم” ليس “انعداما للتفاهم”. وسبب “ضعف التفاهم” هذا بين الريفيين والسوسيين والجنوب الشرقيين هو قضية ممارسة وعادات اجتماعية مع بعض الأسباب السايكولوجية الإجتماعية، وهي نفس الأسباب السايكولوجية الإجتماعية التي نلاحظها في احتقار الدارجة من طرف بعض متكلميها وظهور عادات التخاطب الجزئي أو الكلي بالفرنسية بينهم.

وتلعب أمازيغية الأطلس المتوسط دور “جسر لهجي” بين الريف من جهة وسوس والجنوب الشرقي من جهة أخرى، حيث يفهم الريفيون والسوسيون والجنوب الشرقيون أمازيغية الأطلس المتوسط بسهولة تلقائية لابأس بها. ونفس الشيء ينطبق على أهل أمازيغية الأطلس المتوسط الذين يفهمون اللهجات الأخرى بشكل لا بأس به في كلا الإتجاهين السوسي – الجنوب الشرقي والريفي.

والشيء الذي يغفله من يزعم أن الناطقين بلهجات الأمازيغية لا يتفاهمون فيما بينهم، هو أن الدارجات المغربية استفادت من رعاية الدولة في الإعلام وشيوعها في المسرح وأفلام السينما المغربية التي حرمت منها الأمازيغية لعقود. لو استفادت لهجات الأمازيغية من السينما والمسرح والتواجد في المدرسة والإعلام خلال الـ50 سنة الماضية لما كان هناك شخص يتكلم حول “صعوبة التفاهم بين اللهجات الأمازيغية” اليوم في عام 2014.

إذا كانت الدولة مهتمة باللهجات حقا (لسبب ما) فيجب عليها أن تعامل كل الإختلافات اللهجية الموجودة في لهجات الأمازيغية ولهجات الدارجة على قدم المساواة. فإما أن يتم إحصاء كل اللهجات أو لا يتم إحصاء اللهجات. أما أن تقوم الدولة بوضع لهجات الأمازيغية تحت مجهرها الأعوج المثقوب بينما تترك الدارجات وشأنها وتعتبرها لغة موحدة متجانسة، فهذا مرفوض.

الحل الأسهل والمطلوب هو أن تعامل الدولة الأمازيغية كلغة واحدة كما تعامل الدارجة كلغة واحدة، سواء تعلق الأمر بالإحصاء أو بشيء آخر.

- المهزلة رقم 3: فشل مشروع تيفيناغ يظهر على السطح ويربك الجميع

انبرى بعض ناشطي الأمازيغية ينتقدون بشدة إدراج سؤال في استمارة الإحصاء حول عدد المغاربة الذين يستطيعون قراءة الأمازيغية بحرف تيفيناغ. وهنا يجب أن نحاول تفكيك خلفيات الموضوع لأن مسألة اللغة المكتوبة والحرف تتشابك فيها الرسائل المشفرة من كل جانب.

أولا: يبدو اهتمام الدولة، عبر المندوبية السامية للإحصاء HCP، بإحصاء عدد قراء اللغة الأمازيغية المكتوبة بريئا وعاديا من حيث الشكل، لأن السؤال في استمارة الإحصاء حول اللغة المقروءة يشمل العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية أيضا، بغض النظر عن حرمان الأمازيغية من التعليم منذ 1956. ولكن اهتمام الدولة بإحصاء قراء الأمازيغية غير بريء من حيث المضمون لأنه يحدد قراءة الأمازيغية في تيفيناغ وحده ويتجاهل الحرف اللاتيني الذي تكتب به الأمازيغية منذ عقود بالمغرب والجزائر، والذي طبعت ومازالت تطبع به كتب وقواميس وروايات ودواوين شعرية أمازيغية تفوق في مجموعها كمية الكتب المطبوعة بحرف تيفيناغ أضعافا مضاعفة.

ثانيا: اعترف “المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات” بشكل صريح بأن عدد المغاربة الذين يستطيعون قراءة نصوص تيفيناغ “ضئيل”. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن قراء تيفيناغ يقتصرون على نسبة ضئيلة من التلاميذ (معظمهم أطفال) في التعليم الإبتدائي وبضعة آلاف من الناشطين والمهتمين بالأمازيغية وبضع مئات من طلبة المسالك الأمازيغية الجامعية. ويجب التنبيه إلى أن من يستطيع فقط كتابة اسمه بحروف تيفيناغ أو يستطيع بالكاد التعرف على حروف تيفيناغ ليس “قارئا” بتيفيناغ، مثلما أن من يعرف بضعة أحرف عبرية أو روسية ليس قارئا بالحرف العبري أو الروسي.

ثالثا: “المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات” اعترف أيضا بأن انتشار حرف تيفيناغ سيتطلب “25 سنة لكي يكبر الجيل الجديد”. طبعا هذا رقم جد متفائل وربما غير واقعي. والمدة قد تكون أطول من ذلك بكثير. فحسب الوتيرة الحالية، قد تصل المدة إلى 40 عاما مثلا لكي تتم تغطية كل المدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية والجامعات بمادة اللغة الأمازيغية بحرف تيفيناغ. ونسبة تغطية الأمازيغية حاليا لا تتعدى 12% في المدارس الإبتدائية ولا تتعدى 0% في المدارس الإعدادية والثانوية! والسبب الرئيسي في تعذر إدراج الأمازيغية في التعليم الثانوي مباشرة هو حرف تيفيناغ الذي يجهله الطلبة ولن يستطيعوا التأقلم معه بسرعة. ففي الجزائر ابتدأ تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني في التعليم الثانوي عام 1995 قبل أن ينتقل للإعدادي ثم الإبتدائي. ومازال تدريس الأمازيغية بالجزائر يتم بالحرف اللاتيني لحد الآن في 4 جامعات (وهي جامعات Tizi Wezzu وBgayet وTubirett وBatna) وفي معظم الإبتدائيات والإعداديات والثانويات التي تسمح بتدريس مادة الأمازيغية.

رابعا: ليس هناك مبرر لحصر “القدرة على قراءة الأمازيغية” في حرف تيفيناغ وحده. فالحالة الإستثنائية التي توجد عليها الأمازيغية تستلزم إدراج القدرة على قراءة وفهم (أكرر: قراءة وفهم) نصوص اللغة الأمازيغية المكتوبة بأي حرف كان، سواء كان الحرف اللاتيني أو حرف تيفيناغ أو الحرف العربي (الدواوين الشعرية الأمازيغية بالحرف العربي مثلا).

خامسا: استشعر الناشطون الأمازيغيون أن ظهور ضآلة أعداد قراء تيفيناغ بشكل علني (بالأرقام التي لا ترحم) على وسائل الإعلام وفي البرلمان قد يُستخدم كسلاح فتاك لمحاصرة الأمازيغية وتعطيل رسميتها وحرمانها من برامج تنموية استراتيجية قادمة بحجة عدم شيوع حرف تيفيناغ بين الشعب. وهذا سيناريو معقول وجد محتمل ما دامت الأمازيغية تُرْبَط حصريا بحرف تيفيناغ. وهنا يبرز الخطر الأعظم وهو أن فشل تيفيناغ واستحالة نشره بسرعة سيصبح “فشلا للأمازيغية واستحالة لنشرها بسرعة”. وبذلك ستدفع اللغة الأمازيغية ضريبة عدم شيوع حرف تيفيناغ لدى المغاربة المتعلمين. وهكذا يصبح حرف تيفيناغ كصخرة ثقيلة مربوطة بقدم الأمازيغية تجذبها إلى قاع البحر مع أن الأمازيغية قادرة على السباحة إذا تحررت من تلك الصخرة الثقيلة.

ولكن حينما نربط الحرف اللاتيني بالأمازيغية ونشتغل على تدريس ونشر الأمازيغية به فستنقلب موازين القوى تماما، لأن الأمازيغية حينئذ ستستمد من الحرف اللاتيني القوة والإنتشارية التعليمية والإعلامية التي حرمت منها لعقود. وحينئذ لن يستطيع خصوم الأمازيغية حصارها بـ”قلة قراء الحرف اللاتيني” وهو الحرف الأقوى بالمغرب بلا منازع.

إذن فقد استشعر بعض نشطاء الأمازيغية الخطر الذي يبدو أنه يتهدد الأمازيغية، ولكن لحد الآن لا يبدو أنهم يستعدون لمعالجته المعالجة الصحيحة. ونتمنى أن يتحرك الجميع بسرعة ولياقة لتدارك الموضوع. كما نتمنى من الأكاديميين والكتاب والشعراء والمبدعين الممارسين لعملية الكتابة بالأمازيغية الخروج عن صمتهم والتحرك للتعبير إعلاميا عن آرائهم الحرة والنزيهة في مسألتي الحرف والتدريس وغيرهما.

لقد أصبح من الواضح أن اعتماد حرف تيفيناغ في تدريس الأمازيغية بدل الحرف اللاتيني يقود الأمازيغية إلى كارثة تزيد من خطورتها الظروف السياسية / الإقتصادية / الإجتماعية الحالية التي لا يبدو أنها سائرة في طريق التحسن على الإطلاق.

الناشطون الأمازيغ يعلمون علم اليقين أن الأمازيغية لن تتقدم (بالسرعة التي تحتاجها) إلا بالحرف اللاتيني ولكن هناك شيء يمنعهم من الخوض في هذه المسألة، فيقنعون من الغنيمة بحرف تيفيناغ الذي لم يختاروه أصلا بل اختاره “المجلس الإداري” للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في تصويت لاأكاديمي non-academic ذو طابع سياسي وأمني واضح عام 2003. وللتذكير فقد كانت نتائج ذلك التصويت العجيب في 30 يناير 2003 كالتالي:

- الجولة الأولى: 14 صوتا لتيفيناغ و13 صوتا للحرف اللاتيني و5 أصوات للحرف العربي.

- الجولة الثانية: 24 صوتا لتيفيناغ و8 أصوات للحرف اللاتيني و0 صوت للحرف العربي.

انتبه جيدا. “المجلس الإداري” للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يضم 5 أعضاء يمثلون وزارات الداخلية والتعليم العالي والتربية الوطنية والإتصال والثقافة، ورئيس جامعة يعينه الملك، ومدير أكاديمية تعليمية جهوية لوزارة التربية يعينه الملك. أي أن التصويت على الحرف لم يكن أكاديميا صرفا بل تدخلت فيه أيادي أجهزة الدولة وكان له طابع سياسي أمني واضح.

أما “التصويت الأكاديمي الحقيقي” حول الحرف (بعيدا عن الحسابات الأمنية والسياسية) فهو ذلك الذي حدث يوم 5 يوليوز 2002 في اللجنة التقنية التي شكلتها وزارة التربية الوطنية من أجل تدارس مسألة الحرف وبقية المسائل المتعلقة بتدريس الأمازيغية. وتكونت تلك اللجنة من الأكاديميين: أحمد بوكوس (العميد الحالي للمعهد الملكي IRCAM)، ميلود الطايفي، أحمد حدّاشي، بلعيد بودريس، محمد سغوال، وأكاديميين آخرين. وأجمع أعضاء هذه اللجنة التقنية الوزارية على ضرورة تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني. (راجع جريدة Tawiza عدد 71 لمزيد من التفاصيل، عبر الرابط: http://tawiza.x10.mx/Tawiza71/Medlawi.htm)

يأتي سبب تفادي الكثير من الناشطين الأمازيغيين اليوم لموضوع الحرف من خوفهم من الإصطدام بالإسلاميين مرة أخرى ومن اعتقادهم بإمكانية نجاح الإسلاميين في فرض الحرف العربي على الأمازيغية، إذا انفجر الشوط الثاني من معركة الحرف. ولكن هذا الخوف هو في الحقيقة بمثابة “خوف طفل من ثعبان بلاستيكي”. الإسلاميون لن يستطيعوا أبدا فرض الحرف العربي على الأمازيغية لسبب بسيط جدا يغفل عنه أنصار الأمازيغية وهو: الإسلاميون لم يستطيعوا إنتاج كتاب واحد بالأمازيغية ولن يستطيعوا. وذلك لأن إبداع الإنسان في شيء يستحيل بدون حب الإنسان لذلك الشيء. من لا يحب الأمازيغية لن يستطيع الإبداع فيها أبدا وسيفشل فيها فشلا ذريعا.

الإسلاميون يحبون العربية أولا وأخيرا ويفضلونها على كل اللغات الأخرى بما فيها لغاتهم الأم. وهذا من حقهم طبعا. ولذلك سينجحون دائما في الإبداع بالعربية والدفاع عنها. ولكنهم سيفشلون دائما في الأمازيغية لأنهم إما لا يحبونها أصلا وإما يقبلون بها على مضض. إذن أي مشروع إسلامي يخص الأمازيغية هو محكوم عليه بالفشل الذريع سواء كان حرفا عربيا أو غير ذلك.

الزعماء الإسلاميون السياسيون أميون في الأمازيغية لم يتعلموا يوما قراءتها ولا كتابتها ولا يستطيعون ترجمة جملة واحدة من الدستور المغربي إلى اللغة الأمازيغية. ولا يوجد لساني أكاديمي واحد متخصص في الأمازيغية مستعد لتنفيذ أجندة الإسلاميين فيما يخص مصير الأمازيغية. إذن لماذا الخوف من الإسلاميين؟ فلا داعي له على الإطلاق.

يلوح الإسلاميون أحيانا بـ”الإستفتاء الشعبي حول حرف الأمازيغية” وهم واثقون أن الشعب الأمي سيصوت للحرف العربي. والرد على هذا الكلام هو: الأميون في الأمازيغية لا يُستفتون حول كيفية كتابة الأمازيغية.

الإستفتاء حول الحرف الأنفع للأمازيغية مرحب به دائما. ولكن بين من؟ بين الأكاديميين المغاربة المتخصصين في اللغة الأمازيغية بالذات. وكما أن الأكاديميين المغاربة المتخصصين في الأمازيغية أجمعوا في 5 يوليوز 2002 على ضرورة تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني فإن رأيهم قد لا يختلف كثيرا في 2014 مثلا. كما أن فتح باب الإستفتاء حول حرف الأمازيغية سيفتح أبوابا كثيرة أمام استفتاءات أخرى حول حرف كتابة الدارجة ورسميتها وحول مصير الفرنسية بالمغرب وإمكانية استبدالها بالإنجليزية.

يعترف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية IRCAM نفسه بتعثر مشروع تعليم الأمازيغية، بينما يرى ناشطون أمازيغيون مستقلون يتزايد عددهم كل يوم أن الأمر يتعلق بـ”فشل عارم” لمشروع تدريس الأمازيغية. ولكن الطريقة الأكثر إنصافا هي اعتبار مشروع تدريس الأمازيغية منذ 2003 إلى 2014 “تجربة تعليمية” للتلاميذ والمعلمين والحركة الأمازيغية. كما أنها تجربة تعليمية للمعهد الملكي IRCAM نفسه، المسؤول الأول والأخير عن اختيار تيفيناغ في ذلك التصويت اللاأكاديمي عام 2003 وهو اختيار تناقض بشكل صارخ مع توصيات الأكاديميين المغاربة ومطالب بيان الحركة الأمازيغية الشهير في مكناس يوم 5 أكتوبر 2002 وهي: ضرورة تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني.

2003 – 2014 هي فعلا تجربة تعليمية يجدر بمحبي ومبدعي ونشطاء وخبراء الأمازيغية دراستها وتحليلها والتعلم منها والإمساك بالدروس البليغة الذي ظهرت منها. وإذا لم نفهم هذه الدروس البليغة ونأخذ زمام المبادرة فستسقط الأمازيغية سقطة أخرى قد لا تنهض منها أبدا. والخبر المفرح هو أن الوقت مازال كافيا لتصحيح الأمور.

ومناسبة هذا الإحصاء السكاني الذي جاء ليضع مسألة الحرف على الواجهة مرة أخرى هي فقط واحدة من مناسبات عديدة ستتكرر في المستقبل القريب بأشكال عجيبة لإظهار الخلل والفراغ، لأن الطبيعة تكره الخلل وتخشى الفراغ.

والسؤال “اش خصك ا العريان؟…” مازال ينتظر الجواب الصحيح.

[email protected]
/* */

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “إحصاء سكان المغرب بين الفقر والأمازيغية: مهازل ومسائل”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب