ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

اليحياوي: “المنجرة الذي أحببته بصدق فاحتضنني بحب”

المصدر:  | 17 يونيو 2014 | رأي |

444247yayhaelyahiyaoui-632346572444247.png

هذه الكلمات ليست تأبينا بحق الراحل مهدي المنجرة رحم الله، وليست من تلك التي تنبش في ثنايا الذكرى لتستعيد حدثا جميلا هنا أو واقعة طريفة هناك، أو لتنقب عن مزايا وخصائص رجل أعترف أنه كان أستاذي وصديقي وعائلتي جزء من عائلته.

فالرجل أكبر من أن نؤبنه أو نرش قبره ببعض من الماء، ثم إن تأبين الجسد، وقد غدت الروح بين يدي باريها، يوحي بأن تاريخ الرجل توقف وأجره في الدنيا انقطع.

أعتقد أن العكس من ذلك هو القائم. فالكبار لا يموتون، ومن ثمة لا يؤبنون. إن شعاعهم يبقى، وحضورهم لا ينحصر، وقوة فكرهم تتجاوز على التاريخ، فما بالك على الزمن الجاري والعابر.

ولذلك، فعندما طلب مني الصديق إدريس الكنبوري أن أكتب شهادة سريعة في حق الراحل، لم أتردد بالمرة، لكني اشترطت ألا تكون الشهادة تأبينا أو تقليبا في الذكريات، بل حديثا في سبل قراءة ما تركه لنا مهدي المنجرة، مقالة وكتابا وحوارا ومحاضرة.

أتصور أن هذا هو الأساسي للأجيال القادمة التي أوصى بها خيرا، أكثر من تأبين جسد فان، أو الدعوة لروح قد باتت من المجال المطلق لمالك الملك.

والحقيقة أنه كلما تساءلت عن السبل المنهجية لقراءة فكر مهدي المنجرة، وحسمت في سبيل منها، كلما اعترضني السؤال الأولي التالي: كيف لهذا السبيل أو ذاك أن يلملم فكر رجل غرف من معظم الحقول المعرفية، ونهل من نهر العديد من المدارس، وعايش في حياته أحداثا جسام، كان في العديد منها فاعلا مباشرا، وكتب بالتالي في شتى المجالات العلمية، وأسهم في صياغة سياسات عمومية هنا وهناك، كيف لنا أن نلملم هذا العطاء الكثيف من خلال هذه الإطار المنهجي الضيق أو ذاك؟ أعني كيف نقرأ فكر رجل موسوعي بأدوات قد لا تكون شاملة لفكره، أو غابنة لبعض من جوانب ذات الفكر وأبعاده؟

أعترف أن هذا التساؤل الجوهري سيبقى حاضرا وضاغطا لدى كل من اقترب أو حاول الاقتراب من فكر مهدي المنجرة. لكني أجزم القول بأن أية قراءة عمودية (قراءة تقسيمية للتيمات المعالجة من لدن الراحل، وعلى مدى زمني يتعدى النصف قرن) ستبقى جزئية، حتى وإن اكتنزت أهميتها في ذاتها. والسبب في ذلك أن قراءة من هذا القبيل من شأنها أن تميط اللثام عن هذا الجانب، لكنها لا تستطيع أن تسعف كثيرا في استجلاء مكونات الجوانب الأخرى. ثم إنها قد تسقط في الاختزالية الصرفة، لأنها ستفضي حتما إلى تضييق زاوية النظر، فيبدو الجزء ولكأنه الكل حقا وحقيقة، وهذا ظلم ما بعده ظلم.

وعليه، فأنا أتصور أن التيمات الكبرى التي اخترقت كل كتابات مهدي المنجرة وألهمت جل إنتاجه الفكري، إنما تمحورت حول أمرين اثنين، حتى وإن كان في الاقتصار عليهما بعض من الاختزال الضمني الذي لا أنكره:

+ الأمر الأول ويتمثل في نظره، في مركزية القيم، باعتبارها المحرك الأساس لدينامية العلاقات بين الأفراد والجماعات وبين الدول أيضا.

القيم، من منظور مهدي المنجرة، ليست تمظهرا لسلوك فردي معزول، محصور في الزمن والمكان، بل هي المفتاح الذي يمنح الفرد مرجعيته، والجماعة لحمتها، والأمة هويتها، ويفسح لهم جميعا في مسالك النهضة والتقدم، ويزودهم بمكامن الجلد والقوة.

مركزية القيم في فكر المنجرة، رحمه الله، لم تأت من فراغ، بل تأتت له من دراساته المستفيضة وملاحظاته العملية لمجتمعات تبدو لنا مادية وفردانية صرفة في مظهرها، لكنها ترتكز في جوهرها، على تمثل عميق للغتها، لشعرها، لفنها، لروايتها، لمسرحها، لتماهيها مع هذا التمثل، للالتزام به، وللتفاخر به عند الاحتكاك مع الآخر، دون خجل نفسي أو عقدة نقص.

لا تنحصر تيمة القيم عند المنجرة في هذه الجزئية الدقيقة والبليغة، بل تذهب لحد الاعتبار من لدنه، بأن الحروب الجارية أو القادمة هي وستكون حروب قيم وهويات بامتياز.

لذلك، فلم يتردد في الانسحاب من اليونسكو عندما أحس أن مهمتها زاغت عن رسالتها الأخلاقية، ولم يتوان، بالتحليل العميق لا بالمزايدة الفجة، في القول بأن الحرب على العراق إنما هي حرب قيمية في جذورها ومنبعها، حتى وإن لبست، برأي العامة، لبوس الحرب على المواقع الجيوستراتيجية، أو على موارد النفوذ والطاقة بهذا الجزء من العالم.

ثم هو استشرف، من أكثر من عشرين سنة مضت، وبأدوات تحليلية مركبة، قدوم الانتفاضات العربية، وبالبلدان التي أشار إليها بالإسم والموقع. إلا أن المرض لم يمهله حتى يرى بأم عينيه كيف تحققت نبوءته، وتحولت البلدان إياها إلى مجال للاقتتال الهوياتي المقيت، أزعم بدوري، أنه في طريقه للإتيان على الأخضر واليابس إن لم يتم تدارك ذلك بالمدى المطلوب.

+ أما ثاني تيمة شغلت مهدي المنجرة ولحد الهوس ربما، فتتمثل في تركيزه على مسألة الرؤية، وما يستتبعها إجرائيا من أبعاد استشرافية واسعة. كان الرجل دقيقا وحاسما بهذه النقطة، إذ لا سياسة ولا أخلاق ولا قيم ولا تنمية ولا نهوض، برأيه، في غياب الحلم الجماعي، وتأطير ذات الحلم برؤية واضحة، ترسم مساقات المستقبل بتموجاته ومنعرجاته وانزلاقاته المحتملة.

لذلك كان المستقبل في ذهنه مستقبلات، ليس فقط من زاوية استباق الآتي، القادم لا محالة، ولكن أيضا بغرض وضع مشاهد بديلة إن تعثر هذا السيناريو أو ذاك، أو طرأ من الأحداث ما يستوجب التعديل أو إعادة توجيه البوصلة.

إن بناء المستقبل يستوجب، بنظر مهدي المنجرة، الانطلاق من القيم، بالارتكاز على الحلم وبالاتكاء على الرؤية، في طرح منظومي محكم وثاقب، أما الباقي فتفاصيل لأنها لا تهتم إلا بتصريف البرامج وترجمة السياسات.

ولذلك، فعندما يتحدث الرجل عن انسداد أفق المدرسة بالمغرب، وتدني مستويات التعليم والبحث العلمي، وتردي وضع الصحة، وتيه الفرد والجماعة، فلأنه يدرك أن الأمر غير مؤطر برؤية، وغير مبني على تصور، بقدر هو مرتكز على “فلسفة” في التدبير الآني ذي الطبيعة العشوائية والحلول الترقيعية.

وعندما يعرض لسبل معالجة هذه الأعطاب، فهو لا يجازف بتقديم الحلول، لكنه ينصح بأن تتم ذات المعالجة في إطار منظومي شامل، يشارك في وضعه كل من هم مادة هذا الإطار ومصبه…لذلك، فلم يمل من القول بأن مشاكل التعليم لا توجد كلها عند وزير التعليم، بل هي أيضا عند وزير الصحة ووزير التجهيز ووزير البيئة وقس على ذلك.

رحم الله مهدي المنجرة. رجل أحببته بصدق فاحتضنني وحضنني وتبناني بحب. كتبت عنه بتعالي المتعلم، وكتب عني بتواضع العالم. اقتحمت عليه خلوته مرارا بمكتبه وبمنزله دون استئذان، فكان يسعد لمجيئي ويتقاسم معي ما يجول بذهنه من أفكار ومن مواقف. كنت أشعر بذلك وهو موفور الصحة، وشعرت به وهو طريح الفراش مكتفيا بالنظر إلى بابتسامة بريئة، لكني لم أظفر بها عندما ودعته وقد صعدت روحه إلى السماء.

لذلك وعلى الرغم مما قلته مكابرا بالبدء، فأنا لم أستطع، وجثمانه مسجي أمامي، أن أتغلب على إحساس انتابني، وأنا في جلالة هذا الموقف، مفاده أن جزءا مني قد انصرم ورحل إلى الأبد.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “اليحياوي: “المنجرة الذي أحببته بصدق فاحتضنني بحب””

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب