ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

أزمة الثقافي – السياسي.. بؤس المثقف

المصدر:  | 18 مارس 2014 | رأي |

406942slikikhaled-477286710406942.png

١

يعتبر المثقف،‮ ‬بصفة عامة،‮ ‬هو المحرك الأساس للدينامية الثقافية داخل المجتمع‮. ‬وفي‮ ‬المقابل‮ ‬يعبتر السياسي‮ ‬هو محور الأحداث وصانعها داخل الصيرورة التاريخية والاجتماعية والمؤسساتية للدولة‮. ‬وهنا‮ ‬يتبادر إلى أذهاننا السؤال حول علاقة المثقف بالسياسي،‮ ‬ثم هل السياسي‮ ‬هو نقيض المثقف،‮ ‬أو بالأحرى هل السياسي‮ ‬لا‮ ‬يكون مثقفا؟

إن السياسة،‮ ‬كما هو معلوم،‮ ‬ترتبط بتسيير الشأن العام وممارسة صناعة القرارات الكبرى المتحكمة في‮ ‬تسيير الجماعة داخل وطن وفق نظام حكم له مميزاته‮. ‬والأنظمة،‮ ‬اليوم،‮ ‬جلها تتسم بالطابع الديمقراطي،‮ ‬على الأقل من حيث ما تنص عليه دساتيرها،‮ ‬ونعني‮ ‬بذلك مبدأ فصل السلطات.

ففي‮ ‬المغرب،‮ ‬وباقي‮ ‬أرجاء الوطن العربي،‮ ‬يبدو دور المثقف واضحا،‮ ‬بفعل انخراطه المبكر،‮ ‬مع حركات التحرر الوطني،‮ ‬وبفعل ما قام به من توعية وممارسات للفعل السياسي‮ ‬السري‮ (‬اتخذ شكل العنف الثوري‮ ‬وحملا للسلاح في‮ ‬بعض الأحيان‮) ‬من جهة والتربوي‮ ‬من جهة أخرى‮. ‬مما قاده إلى أن‮ ‬يكون فاعلا أساسيا في‮ ‬المشهد السياسي‮ ‬وفي‮ ‬إنتاج أحداث تاريخية شهدها مغرب‮ ‬ما بعد الاستقلال‮. ‬هكذا عرف المشهد السياسي‮ ‬في‮ ‬مرحلة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حضورا مميزا للمثقف المغربي،‮ ‬والعربي،‮ ‬بشكل ملفت‮. ‬وظل‮ ‬يحتل موقع الصدارة بما حمله من مواقف معارضة لكل التوجهات التي‮ ‬كانت تسير عليها أنظمة الحكم والسياسات والبرامج التي‮ ‬كان‮ ‬يتم اعتمادها‮. ‬إنه في‮ ‬ذلك كان‮ ‬يحاول أن‮ ‬يتمثل مفهوم المثقف العضوي‮.‬

وكل ذلك أدى بالمثقف المغربي‮ ‬إلى المساهمة،‮ ‬بطريقة أو بأخرى،‮ ‬في‮ ‬إنتاج المشهد والمساهمة في‮ ‬التحولات الكبرى التي‮ ‬مثلت منعطفات في‮ ‬تاريخ المغرب السياسي‮ ‬والثقافي‮ ‬على السواء‮. ‬فمرحلة السبعينيات وما تميزت به من حراك سياسي،‮ ‬وعنف إيديولوجي‮ ‬أدى إلى إقصاء متبادل،‮ ‬من الطرفين‮: ‬الجهة الحاكمة والأخرى الرافضة للتوجه الرسمي‮. ‬ولعل أهم معالم هذا الإقصاء،‮ ‬هو الصراع العنيف الذي‮ ‬عرفه المثقف في‮ ‬مواجهة السلط،‮ ‬والعكس أيضا‮. ‬إذ كان المثقف الحالم بمبادئ فكرية مستوردة،‮ ‬ذات الطابع الحماسي‮ ‬المتشبع بالقومية الطوباوية والعدالة المثالية والحلم الاشتراكي،‮ ‬والاندفاع الثوري،‮ ‬ومحاولة تثوير كل العالم من أجل تطبيق نمط فكري‮ ‬واقتصادي‮ ‬وسياسي،‮ ‬كلها أمور جعلت المثقف‮ ‬يناضل من أجل شعارات وهمية متعالية عن الواقع‮. ‬وهكذا صار الالتزام سمة كل الحقول الفكرية،‮ ‬بدءا بالأدب والفنون والنقد،‮ ‬وانتهاء بالانتماء السياسي‮ ‬الذي‮ ‬بدوره انقسم إلى شقين‮: ‬أحدهما‮ ‬يشتغل في‮ ‬الخفاء وهو ما عرف بالعمل السري‮ ‬والثوري،‮ ‬وآخر منظم وقانوني‮ ‬تجلى في‮ ‬الأحزاب السياسية التي‮ ‬لم تتوقف السلطة الحاكمة عن صدها وصدمها بكل أنواع القمع والاضطهاد‮.‬

لذا كان طبيعيا أن‮ ‬يشهد المجال السياسي‮ ‬تحولات ومسارات مغايرة،‮ ‬وكان المثقف هو الفيصل في‮ ‬طبيعة ما‮ ‬يتخذ من قرارات من قبل السلطة الحاكمة‮.‬

٢-

‮ في‮ ‬ظل الصراع الذي دار بين الجهتين‮ (‬السلطة والمثقف المعارض‮) ‬كان من اللازم أن‮ ‬يراجع المثقف أدوات تفكيره،‮ ‬وأساليبه،‮ ‬وطرائق اشتغاله وتعامله مع الواقع‮. ‬وقد ساهم في‮ ‬ذلك‮ ‬التحولات الكبرى التي‮ ‬عرفها المشهد العالمي،‮ ‬والمناخ الدولي‮ ‬العام،‮ ‬وتراجع المنظومة الاشتراكية،‮ ‬بل وانهيارها مع مرحلة ما بعد تحطيم جدار برلين‮. ‬مما أثر بشكل واضح على دور المثقف،‮ ‬الذي‮ ‬اختار في‮ ‬الغالب الارتكان إلى زاوية البحث المعرفي‮ ‬والأكاديمي،‮ ‬مع الابتعاد عن كل ما هو سياسي‮. ‬وهكذا هاجر البعض إلى المجتمع المدني،‮ ‬الذي‮ ‬اتخذ في‮ ‬الغالب أشكال العمل الحقوقي،‮ ‬والنضال من داخل ثقافة الحقوق‮ (‬الإنسانية بما تتضمنه من حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية‮)‬،‮ ‬متخليا عن كل ما له صلة بالعمل السياسي‮ ‬الصرف،‮ ‬بعد الاقتناع بلا جدوى الإيديولوجيات المنهارة،‮ ‬وظهور الإشكاليات الكبرى التي‮ ‬تضع قضايا العقل والحداثة العربيتين‮ ‬موضع سؤال الهوية والاختلاف،‮ ‬والعلاقة بالتراث و»الصدام‮« ‬و‮ »‬الصدمة‮«. ‬هذا إلى جانب الاختيارات الأخرى التي‮ ‬لها صلة بالمجال الحقوقي‮.‬

كل ذلك أدى إلى تراجع دور المثقف في‮ ‬المعارك الاجتماعية والسياسية،‮ ‬وكان من نتائج ذلك بروز‮ »‬فضاء« من الفراغات المهولة التي‮ ‬كانت من وراء إنتاج دوائر الفراغ‮ ‬التي‮ ‬سيطرت على كل المجالات،‮ ‬وفسحت الباب أمام قيم بديلة‮ ‬يمكن اختزالها في‮ »‬المصلحة الذاتية‮« ‬و‮ »‬الانتهازية‮« ‬و»الهرولة والتكالب‮« ‬وراء السلطة والمناصب بالتخلص من كل الشعارات والبرامج‮ (‬التي‮ ‬كانت طوباوية في‮ ‬أصلها‮!) ‬والتنصل من المسؤوليات التاريخية والحضارية التي‮ ‬ينبغي‮ ‬للمثقف أن‮ ‬يضطلع بها‮ . ‬و صار المتحكم في‮ ‬كل أنواع العلاقات،‮ ‬وفي‮ ‬كل المجالات،‮ ‬هو المستوى المادي‮ ‬والزبونية والمحسوبية،‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬وجه من وجوه العصبية القبلية،‮ ‬الضامنة لاستمرار وجوه تجتهد في‮ ‬صناعة الرمز‮. ‬والنتيجة دائما هي‮ ‬اليباب،‮ ‬وغياب الأدوارالطلائعية التي‮ ‬من شأنها أن تقوض وتخلق دينامية حقيقية في‮ ‬المشهد السياسي‮ ‬والاجتماعي‮.‬

إذا كان ما قلناه لا‮ ‬ينسحب على فئة من المثقفين،‮ ‬والأكاديمين،‮ ‬والتنويريين،‮ ‬وأولئك الذين جربوا العمل السياسي‮ ‬الثوري‮ ‬وانسحبوا وظلوو مخلصين للبحث العلمي‮ ‬والعمل التربوي،‮ ‬فإن هناك فئة عريضة،‮ ‬من »أشباه المثقفين‮« ‬قد اغتمنت فرصة‮ ‬غياب أولئك،‮ ‬وانشغلت بتصيد الفرص بأقصى طاقاتها وإمكانياتها الزمنية والسياسية‮.‬

٣-

ثمة لعبة خفية وسرية تمارس بين القطبين، وهي غالبا ما تنتهي لفائدة الأول (أي السياسي)، أما إذا انتهت إلى الثاني (الثقافي) فإنها تحدث ثورات ثقافية تعصف بالعديد من المكونات وتخلخل العديد من الإواليات المتحكمة في الخطاب والفكر السياسيين. ومن هنا فإننا لا نستغرب إذا ما عدنا إلى تاريخنا العربي (قديما وحاضرا، مثلا) لنجد أن السلطة لم تضطهد المثقف، بقدر ما كانت ترعاه -وماتزال- بحكم مركزية الثقافة داخل التطور الاجتماعي والحضاري. أما الحالات التي اضطهد فيها المثقف، فليس بسبب كونه مثقفا، إنما بسبب »معارضته«.

وهنا أتفق مع المرحوم هادي العلوي، في كون العديد من مثقفينا المعاصرين دأبوا إلى الحديث حول الاضطهاد بتأثير هاجسهمم الثقافي، وهم بذلك يريدون الظهور بمظهر الضحية حتى يحصلوا على »التعويضات« (التي ليست بالضرورة مادية!). وبهذا فإن سلوك السواد الأعظم من مثقفينا (أذكر المثقف باعتباره هو محرك الدينامية الثقافية) الذين نجدهم يتكالبون على الامتيازات المحكومة بالحساسيات الثلاث: المال والجنس والجاه. ويجعلونها من صميم العمل الثقافي، لهذا قلما تجد مثقفا يرضى بالكفاف ويقتنع بامرأة واحدة هي زوجته، ويتعالى على الشهرة والجاه. ومن هنا منبع ضعف تأثيرهم الذي أدى إلى عدم احترام الأنظمة الحاكمة لهم، إنها تعرف رخاوتهم وانتهازيتهم. حتى أن العالم -حسب تعبير سعيد- صار مكتظا بالمحترفين والخبراء والمستشارين. إنه عالم مزدحم بالمثفين، ويبقى دورهم هو توفير مرجعية ثقة، وهم يجنون من ذلك أرباحا وثروات طائلة.

٤-

يعتبرر إدوار سعيد أن المثقف له دور واضح وعلني‮ ‬داخل المجتمع،‮ ‬فدوره محدد ولايمكن اختزاله إلى مجرد مهني،‮ ‬أو مجرد فرد كفء في‮ ‬طبقة‮. ‬لأن ما‮ ‬يمتاز به المثقف هو أنه وُهب ملكة عقلية لتوضيح الرسالة التي‮ ‬يحملها أو وجهة نظر،‮ ‬أوموقف،‮ ‬أو فلسفة أو رأي‮. ‬ومهمته هي‮ ‬طرح الأسئلة المحرجة علنا من أجل المناقشة ومواجهة المعتقد التقليدي‮ ‬والتكلس العقدي‮ (‬عوض أن‮ ‬يقوم بإنتاجها‮)‬،‮ ‬وهو شخص لا‮ ‬يكون من السهل على الشركات أو الحكومات احتواءه‮.‬

فهل انتهى دور المثقف وصارت هذه الصورة مجرد‮ »‬قطعة تاريخية‮« ‬لاتصلح،‮ ‬ومن ثم لم‮ ‬يعد من اللازم أن‮ ‬يضحي‮ ‬المثقف بحقه في‮ »‬الرفاه‮« ‬و‮ »‬الامتيازات‮« ‬في‮ ‬ظل مقاومة المجتمع لكل السبل المؤدية إلى تغيير العقليات،‮ ‬مادام أن المجتمعات لا ترغب في‮ ‬التغيير؟ أم إنه من واجب المثقف أن‮ ‬يبحث عن البدائل والتقنيات المعرفية والعمل على البحث عن مشاريع مجتمعية وحضارية تضعف آليات التدجين وتقنيات التكلس التي‮ ‬توظفها السلط،‮ ‬والتي‮ ‬هي‮ ‬من مخططات المثقف التابع لهذه الأخيرة‮ (‬الأنظمة‮)‬،‮ ‬ذلك أن المثقفين‮ -‬على حد قول‮ ‬غرامشي‮- ‬هم آباء الحركات وأمهاتها،‮ ‬ومن جهة أخرى هم أولادها فمن‮ ‬غير المثقفين لم تكن لتشتعل أي‮ ‬ثورة رئيسة في‮ ‬التاريخ الحديث،‮ ‬وبالمقابل لم تقم أي‮ ‬حركة مضادة للثورة بدون المثقفين‮. ‬

٥-

إن المثقف حين‮ ‬ينتمي‮ ‬لحزب سياسي،‮ ‬فإنه‮ ‬يفسد العديد من قيم المعرفة،‮ ‬خصوصا حين‮ ‬يتعلق الأمر بالحزب في‮ ‬المغرب‮. ‬ذلك أن الأحزاب،‮ ‬راهنا،‮ ‬ليست سوى سوق للمضاربات والمتاجرة في‮ ‬التزكيات،‮ ‬دون أن تولي‮ ‬أدنى اعتبار للمستوى القيمي‮ ‬والأخلاقي‮ (‬بالمعنى الفلسفي‮ ‬للكلمة‮). ‬لذلك فإن أي‮ ‬انتماء لأي‮ ‬حزب سيؤدي‮ ‬لامحالة إلى فقدان المثقف لهويته المعرفية،‮ ‬ومن ثم فقدانه لمواقفه ومصداقيته،‮ ‬في‮ ‬مقابل خطاب سياسوي‮ ‬محكوم بنمط لاعقلاني،‮ ‬فاقد لأي‮ ‬مشروع أو تصور واضح له ينزع نحو بناء مشروع مجتمعي‮ ‬وحضاري‮. ‬ إن وضع الخطاب السياسي،‮ ‬برمته،‮ ‬والحزبي‮ ‬على وجه الخصوص،‮ ‬في‮ ‬المغرب،‮ ‬موبوء،‮ ‬ويبقى‮ ‬همه الوحيد هو الحصول على مناصب تضمن له امتيازات مادية،‮ ‬وتعتبر المصلحة العليا للمجتمع آخر شيء‮ ‬يمكن التفكير فيه‮. ‬وهو ما‮ ‬يتضح من خلال المشهد الحزبي،‮ ‬ومن خلال تشكيلات الحكومات‮ (‬وزراء بلا حقائب،‮ ‬أحزاب تظهر قبيل الانتخابات وتنال الأغلبية الساحقة‮!)‬،‮ ‬إلى جانب‮ ‬غياب مشاريع حقيقية بالنسبة لكل الأحزاب المغربية‮.

كيف‮ ‬يمكن لمثقف‮ ‬يعلن انتماءه إلى هذا الحزب أو ذاك،‮ ‬دون أن‮ ‬يفقد كل ذرات المصداقية والنزاهة،‮ ‬في‮ ‬ظل العفونة وتدهور العمل السياسي‮ ‬الجاد والعقلاني،‮ ‬الذي‮ ‬يجعل من السياسة أداة لتطبيق الخيارات الاستراتيجية التي‮ ‬تنمي‮ ‬وترسم معالم توجهات واضحة تسعى إلى الرفع من مستوى النقاش وتداول الخلافات والجدال‮.‬

باختصار؛ إن الإطار الذي يشتغل فيه الخطاب السياسي (ممارسة وفكرا) يتنفس في مجال هش، وينمو كالفطريات بلا ذاكرة ولا تاريخ، مجرد من العقلانية، ومحكوم بالظرفية والعبث. إنه محكوم بالانتهازية والعقلية القبلية ذات خلفية عصبية ومصلحية مادية كارثية.

٦-

كل ما آلت إليه الأوضاع من تردي،‮ ‬اليوم،‮ ‬يتحمل المثقف قسطا وافرا من المسؤولية فيها،‮ ‬وهو بذلك صار أخطر من الأنظمة الحاكمة،‮ ‬في‮ ‬كل الوطن العربي‮. ‬لأن المثقف العربي‮ (‬المغربي‮) ‬أثبت أنه لم‮ ‬ينضج بعد،‮ ‬وأن ما رفعه من مبادئ لم‮ ‬تكن سوى شعارات ومن ثم أعلن عن كبرى هزائمه حين انخرط في‮ ‬اللعبة السياسية الحالية بما تحويه من اختلالات وتعفن وميوعة‮. خصوصا أنه انخرط فيها موظفا آلياتها. وولنا أن ننظر إلى الأمثلة التي تصنع وتنتج من فضائح وممارسات، حتى من لدن أشخاص كنا نكن لهم التقدير والاحترام !! ‬وهذا ما أدى إلى تراجع المثقف فيه،‮ ‬في‮ ‬مقابل زحف السياسي،‮ ‬بمعناه السلبي،‮ ‬المهيمن على هذا الخطاب‮. ‬

فكثير من المثقفين والأكاديميين،‮ ‬والباحثين،‮ ‬تقلدوا مناصب حكومية هامة،‮ ‬واعتبرت في‮ ‬حينها مكسبا للمثقف والثقافة،‮ ‬على اعتبار أن مركز القرار باب‮ ‬يدخله المثقف الذي‮ ‬سيعمل من أجل الدفاع عن قضايا ثقافية،‮ ‬وعن مقولات،‮ ‬وقيم،‮ ‬وتصورات‮. ‬والحال أن الواقع كان‮ ‬يجري‮ ‬على عكس كل ما كان‮ ‬يرغب فيه المثقف،‮ ‬سواء الذي‮ ‬يوجد داخل السلطة،‮ ‬أو ذلك الذي‮ ‬يتتبع المسألة عن بعد‮. ‬والسبب في‮ ‬ذلك‮ ‬يعود إلى أن المثقف‮ ‬يذوب في‮ ‬الجهاز،‮ ‬بفعل وجود آليات مُخضعة،‮ ‬وهي‮ ‬آليات منظمة ومضبوطة ومحكومة بمساطر قانونية وإكراهات الأجهزة الحاكمة‮. ظل المثقف للأسف يتغافلها، إن لم يكن يجهلها، وكلاهما سيء!

‬صارت كبرى قضايا الوضع المغربي‮/‬العربي‮ ‬الراهن،‮ ‬وما‮ ‬يعانيه من اختلالات في‮ ‬الخطاب السياسي،‮ ‬وفي‮ ‬الإعاقات التي‮ ‬تعاني‮ ‬منها الديمقراطية،‮ ‬تلك التي‮ ‬لها صلة بمكونات المجتمع المدني،‮ ‬والفاعلين السياسيين،‮ ‬كأحزاب وهيآت،‮ ‬وصارت الأنظمة الحاكمة أكثر صلابة،‮ ‬وتقوت وهي‮ ‬تشتغل وفق ما تراه‮ ‬يخدم مصالحها،‮ ‬في‮ ‬تغييب تام لكل ما‮ ‬يخدم المصالح الاجتماعية،‮ ‬مع‮ ‬إقصاء مفضوح للعديد من الفئات المتنورة‮. ‬

وهنا نذكر،‮ ‬أن الخطأ الذي‮ ‬سقطت فيه كل‮ “‬حركات اليسار‮”‬‭ ‬في‮ ‬الوطن العربي،‮ ‬كونها كانت تراهن على الثورات الشعبية،‮ ‬وتغيير الأنظمة‮. ‬في‮ ‬حين نسيت،‮ ‬بسبب قصور في‮ ‬النظر،‮ ‬أن الثورة الحقيقية التي‮ ‬يحتاج إليها العالم العربي،‮ ‬هي‮ ‬ثورة ثقافية ومعرفية تزحزح عددا من الثوابت التي‮ ‬راكمتها أزمنة العطب الحضاري‮ ‬الذي‮ ‬عانت منه هذه المجتمعات‮. ‬ومن ثم نلاحظ كيف تحولت العديد من الأنظمة الجمهورية‮ -‬في‮ ‬العالم العربي‮- ‬إلى أنظمة أكثر استبدادا وتسلطا من كل الأنظمة الديكتاتورية‮..‬ضاربة عرض الحائط كل تطلعات المجتمع وكل المبادرات الحقيقية التي‮ ‬تنوي‮ ‬الرفع من مستوى البلدان‮.. ‬فما هي‮ ‬مبررات المثقف العربي‮ ‬الذي‮ ‬رفع الشعارات أمس من أجل إسقاط‮ “‬الأنظمة الملكية‮” (‬في‮ ‬مصر والعراق وليبيا‮..‬وغيرها‮)‬،‮ ‬واليوم‮ ‬يرفع الشعار من أجل استمرار‮ “‬رئيس وحيد‮”- ‬ويبرر‮ »‬التوريث‮«- ‬على رأس الجمهورية‮..! ‬ما الذي‮ ‬تغير حين أسقطت الملكية وتم تعويضها بالأنظمة الجمهورية التي‮ ‬تورث؟‮! ‬هل هي‮ ‬خاصية عربية أم ظاهرة عربية،‮ ‬أم مظهر من مظاهر انهيار‮ »‬العقل السياسي‮ ‬العربي‮« ‬وعودة‮ -‬بل استمرار‮- ‬العصبية القبلية وعقلية التسلط و”الرئيس هو الدولة،‮ ‬والدولة هي‮ ‬الرئيس‮”.!‬

هذا كلام صادم، ولكن ينبغي التعامل معه بجد!!

٧-

غالبا ما‮ ‬يعتبر المثقف خارج المعادلات الاجتماعية،‮ ‬وخارج كل القضايا السياسية والاقتصادية،‮ ‬والحال،‮ ‬أنه بالتأمل،‮ ‬ولو السطحي‮ ‬للعمل الثقافي،‮ ‬ودور المثقف المغربي،‮ ‬كما العربي،‮ ‬راهنا،‮ ‬نلاحظ أن من أهم الفاعلين الأساسيين في‮ ‬ما‮ ‬يعرف بالفساد،‮ ‬بكل ضروبه وأصنافه،‮ ‬يتحمل المثقف قسطا من المسؤولية فيه،‮ ‬قد تختلف درجة هذه المسؤولية،‮ ‬ولكن تبقى حاضرة‮.‬

ونعتبر أن المشهد الثقافي،‮ ‬والمقصود به الحراك الذي‮ ‬تشتغل فيه النخب التي‮ ‬تتشكل من فنانين وباحثين ومبدعين وجامعيين وصحفيين وإعلاميين،‮ ‬هو المغذي‮ ‬الأساس لأنواع الفساد المستشري‮ ‬في‮ ‬البنيات الاجتماعية،‮ ‬وفي‮ ‬كل المجالات/القطاعات‮. ‬

وحين نحمل المثقف مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع داخل البلد،‮ ‬فإننا لا نريد أن نثير جدلا عقيما أو محاسبة أشخاص أو هيئات أو جماعات،‮ ‬بقدر ما نسعى إلى تكريس ثقافة تتعالى عن هذه السلوكات المستشرية،‮ ‬والتي‮ ‬نعتبرها المسؤولة عن درجة الانحطاط الذي‮ ‬نتخبط فيه،‮ ‬أفرادا وجماعات‮. ‬

إننا جميعا ننتقد،‮ ‬ونوجه اللوم للآخرين،‮ ‬لكننا جميعا ننتج نفس السلوكات والممارسات‮.. ‬كل بشكل من الأشكال‮….‬والسبب في‮ ‬ذلك‮ ‬يعود إلى هيمنة منطق لم‮ ‬يعد صالحا في‮ ‬ظل التحولات الثقافية والفسلفية‮..‬قبل أن نقول السياسية والاقتصادية‮.. ‬فالعالم لم‮ ‬يعد‮ ‬يحتمل أن‮ ‬يُنظر إليه بمنطق الخيروالشر،‮ ‬ولا الأبيض والأسود،‮ ‬ولا الرجعي‮ ‬والتقدمي،‮ ‬ولا اليميني‮ ‬واليساري‮.. ‬خصوصا في‮ ‬البلدان النامية والعربية الإسلامية‮.. ‬فالمثقف المغربي،‮ ‬بات أمام مسؤولية اجتماعية وثقافية بل وحضارية للقيام بدوره الفاعل،‮ ‬ولن‮ ‬يكون هناك من سبيل إلى ذلك سوى مراجعة الذات،‮ ‬ومراجعة السلوكات التي‮ ‬صارت مُشينة وحاطة بالوضع الاعتباري،‮ ‬خصوصا بعد تحول كل القيم إلى سلع قابلة للتداول والاتجار‮..‬ وصار الواقع العربي صورة للانحلال والانحطاط، إذ أصبح المثقف العربي يؤمن بأن »من حافظ على كرامته وشرفه خسر معركة الحياة، ومن كسب المعركة وحقق ما أمّله من رفاهية وعلو الشأن اشترى نجاحه بالتنكر لنفسه وخيانة مثله العليا. من هنا مشكل الدعارة البادي الحضور إلى حد الهوس« (عبد الله العروي).

على االمثقف كما يرى سعيد، أن يضطلع بمهمة الاحتجاج على النعرات، والامتيازات الطبقية أو العرقية أو الجنسية. وأن يكون مسكونا بروح المعارضة، باعتباره منفيا وهامشيا ومبدعا للغة تسعى إلى قول الحق. لأن دوره واضح ومكشوف عنه داخل المجتمع، ولايمكن اختزاله إلى مجرد مهني محترف. مهمته هي طرح الأسئلة المحرجة علنا من أجل فتح دائرة النقاش وتوسيعها ومواجهة المعتقدات التقليدية وتكلسها، وهو شخص صعب على الجهات الرسمية (الحكومات والأنظمة) أن تحتويه وتدجنه. إن المثقف معني في البدء والمنتهى »بالمعرفة والحرية«.

والمثقف ينبغي أن يضع حواسه، قبل يديه، في العجين حتى يتمكن من التأثير في الكيمياء التي تصنع داخل الخلطة. وهو عكس السياسي الذي يعيش على الأرض، إن المثقف -كما يقول دائما سعيد- شبيه بالإنسان الذي نجا من سفينة غارقة، فهو يتعلم كيف يعيش بمعنى ما مع الأرض، لا عليها.

أولسنا في حاجة إلى أن نتعلم كيف نعيش مع الأرض كي نتحول إلى مبدعين وننصت بإمعان إلى ضمير الحرية والترحال المعرفي كي نتخلص من رتابة الوضع ودعارة الواقع السياسي والثقافي الراهنين!؟

أعتقد أن المسؤولية تقع على عاتق الثقافي قبل السياسي!؟

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “أزمة الثقافي – السياسي.. بؤس المثقف”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب