ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

التفوق عائق المتفوقين

المصدر:  | 17 مارس 2014 | رأي |

406168fennich-790992502406168.png

كان يا مكان في قديم الزمان، في الجزيرة العجيبة الغريبة الأعجوبة المعزولة، حسب الرواية الأدبية الإبداعية الخيالية المحضة، قانون عجيب غريب. لم يكن قانونا عاديا بل استثنائيا أعجوبة حقيقية، ولكنه كان قانونا مطاعا مقبولا يعمل به بصرامة تامة و باحترام كامل من لدن الجميع الجميع.

لم يكن قانونا فرضته السلطة أو أقره الحكام، بل كان قانونا منبثقا من قعر المجتمع من الشعب و إلى الشعب بكل أطيافه و طبقاته، فما كان للسلطة إلا أن لا تعارضه… لم يكن قانونا بسيطا يتكون من بند فريد بل كانت له بنودا و بنودا واضحة، مع مواد و مواد تفسيرية فائقة البلاغة لا تترك مجالا للفراغ و لا للشك و لا للريبة و لا للتأويل، بحيث كان قانونا وضعيا يمتثل لتفاصيل العلم الدقيق و الحنكة القانونية مع مراعاة كافة فنون التشريع العالمية و الفضائية فالكونية في ما يتعلق بالشكل و الأشكال بغض النظر على المضمون و المضامين…

بموجب هذا القانون العام ألعجائبي الفريد الاستثنائي الشعبي، كان بالإمكان التفوق في الطور الابتدائي. و لأنه كان قانونا رحيما منفتحا متسامحا فلقد كان يسمح بالتفوق في الطور الثانوي أيضا. بل كان قانونا يسمح حتى بالتفوق في الطور العالي من التعليم العمومي و غيره، ولكن بشروط. فلقد كان يسمح للمرشحين لنيل شهادة الدكتوراه، مثلا، أن يتألقوا و أن يتفوقوا في إنجاز بحوثهم ولكن شريطة أن لا يعتقدوا أن تفوقهم يغنيهم عن احترام أساتذتهم رؤساء لجن منح شهادة الدكتوراه.

و أما مفهوم الاحترام فلم يكن مصطلحا قانونيا مبهما، بل كان قد حضي بشرح قانوني مستفيض و بتفسير يشفي الغليل، ملخصه ضرورة أن يظهر الطالب كامل الاحترام للأستاذ مترئس لجنة منح شهادة الدكتوراه. ولكن إظهار الاحترام ذاك كان مقننا بحيث كان لا بد أن يتم بشكل واحد، ألا و هو أن يتقدم الطالب إلى الأستاذ الرئيس بهدية نقدية من فئة بعض الملايين من السنتيمات، 3 أو 4 حسب الحالات، تحت طائلة تأجيل عرض بحث الطالب من أجل نيل شهادة الدكتوراه إلى ما لا نهاية يعني إلى الممات.

و أما الحكمة في سن هذا القانون، فكانت تروم حول إلغاء فكرة التفوق من أذهان الطلبة المتفوقين خاصة حتى لا يحول تفوقهم بينهم و بين نجاحهم مستقبلا، و معلوم أن في الجزيرة العجيبة الغريبة الأعجوبة المعزولة كان التفوق يقهر صاحبه و يدمره بل ينهيه تماما.

فالغاية إذا، في الجزيرة العجيبة الغريبة الأعجوبة المعزولة، كانت تربوية بالأساس، بحيث يتم تلقين الطلبة المرشحين لنيل الدكتوراه، عمليا و ليس نظريا، ضرورة اعتبار تفوقهم العلمي عائقا عدوا لتألقهم مستقبلا، بحيث يفهم الطلبة بأن لا يجب إتقان بحوثهم العلمية بل عليهم احترام أساتذتهم و ذلك، طبعا، عن طريق مدهم بملايين السنتيمات من المال.

و في يوم من الأيام، ظهر أستاذ ثائر لا يشق له غبار تمرد على بند أساسي من قانون منح الدكتوراه العجيب و خالفه. كان الأستاذ الثائر ذاك إنسانيا يشفق لحال الفقراء و يدافع عنهم كلما أتيحت له الفرصة لذلك. لم يكن الطلبة في مجملهم أغنياء و لكنهم كانوا يجعلون أقاربهم يبيعون غنمهم، أو أبقارهم، و متعهم، أو قطعة أرض من أجل توفير بعض الملايين من السنتيمات، حتى يستطيع الطالب احترام بند “إظهار الاحترام” من القانون العام السائد ليفوز بشهادة الدكتوراه.

و كان في المدينة طالب متفوق فقير جدا يكاد لا يملك قوت اليوم الواحد، وصل بجهده و مثابرته و اجتهاده و تفوقه إلى طور التعليم العالي إلى أن رشح نفسه لنيل شهادة الدكتوراه، و تم قبول ترشيحه من طرف الأستاذ الثائر الذي كان رئيسا للجنة منح الدكتوراه. كان الأستاذ ذاك ثائرا طبعا و لكنه لم يكن ليسمح بأن تعم الفوضى في الجامعة، فأخذ يؤجل موعد عرض بحث الطالب الفقير المتفوق لمدة طويلة جدا…

كان الطالب الفقير المتفوق يأتي إلى الجامعة كل يوم مشيا على الأقدام قاطعا مسافات مهولة، و يحاول إقناع الأستاذ الثائر بتحديد تاريخ عرض بحثه رغم عدم توفره على ملايين السنتيمات المفروضة و المقررة في القانون العام السائد، و في الأخير أشفق الأستاذ الثائر لحال الطالب الفقير، و قرر الإفراج عن بحثه العلمي شريطة أن يتكلف الطالب الفقير بنفقات تغيير عجلات سيارة الأستاذ -و هي من نوع باء ميم- بعجلات جديدة لا يزيد ثمنها على آلاف السنتيمات و ليس الملايين منها. فيا للثورة و يا للإنسانية، و يا للطيبوبة، و يا للإشفاق من حال الطلبة الفقراء… و يا سلام على الأساتذة الثوار الثائرين…

نال الطالب الفقير شهادة الدكتوراه بعد أن أقام على نفقته، مرغما و طبقا للقانون السائد، حفلا بكثير من الحلويات و الطعام و الشراب، على شرف أساتذته، المكونين للجنة منح الدكتوراه و على رأسهم الأستاذ الثائر، الذي لقنه التربية الضرورية التي قوامها أن لا يجب على الطالب أن يظهر ذكاءه و تفوقه، بل عليه أن يظهر احترم أساتذته، و ذلك بمنحهم الهدايا النقدية أو العينية مقابل الحصول على شهادة الدكتوراه، و كان في ذلك سر النجاح و الفلاح و التألق أيضا، في الجزيرة العجيبة الغريبة الأعجوبة المعزولة، لكل من كان ذكيا متفوقا و عرف كيف يتفادى تفوقه فأخفاه و أظهر بالمقابل احتراما مقبولا لدى جميعهم…

نعم، ففي ذلك الزمان كان التفوق وقاحة يعاقب عليه، و الذكاء سب و شتم لا يغتفر أبدا في شتى مجالات الحياة الطلابية، إلى آخره… حيث لم يقل الشاعر: ” من أراد التألق فالتفوق عائقه.. و من أراد الوصول فالذكاء عدوه.. و أما الإتقان فاجتنب.. و أما من الرداءة فاقترب..”

و ذهب زمان و أتى زمان، و ظلت الجزيرة العجيبة الغريبة الأعجوبة المعزولة وفية لقانونها المحارب للتفوق، إلى أن أصبح التفوق في خبر كان و لم يبق سوى الاحترام… و ظل الناس على حالهم، فيهم من تشبث بالتفوق و الذكاء فرسب و سقط، و فيهم من امتثل للقانون فنجح و أفلح فوصل…

و دارت الأيام… … يتبع ربما، أو ربما لا يتبع… على كل حال، سيتم تبليغ القراء الشرفاء الأعزاء بالقرار فور صدوره من طرف قيادة الرواية الأدبية الإبداعية الخيالية المحضة.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “التفوق عائق المتفوقين”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب