ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

المغرب الذي أغضب الشرق والغرب

المصدر:  | 17 مارس 2014 | رأي |

لم يعد هناك شيء في هذا الزمن الرديء، يمكن أن يدفع للاستغراب إزاء كثير مما ينشر من آراء وتحليلات، خاصة وأن ثورة المعلوميات التي يعرفها المغرب فتحت المجال أمام الجميع لنشر أي شيء وكل شيء، بعدما استحالت “التصفية”، وأصبحت كل الأبواب والنوافذ مفتوحة أمام الغث قبل السمين..

ولهذا لا يمكن محاسبتهم سوى على اقتحام مجالات تتطلب التوفر بداية على البضاعة المعرفية اللازمة، وعلى الأدوات المنهجية الضرورية لفصل التحليل الموضوعي عن الانطباعات الشخصية..

لكن هل يمكن قول نفس الشيء عن جامعيين وأكاديميين ومحترفي الكتابة الذين صارت لهم مواقع متقدمة في فضاءات الصحافة الورقية والرقمية وحتى المسموعة والمرئية؟

لا أخفي أنني في كثير من الأحيان أندم على قراءة مقالات وتحليلات، لأنها تكون عبارةعن “مضغ كلام” بلا معنى وبلا هدف..

ولم الذهاب بعيدا، ففي الأيام القليلة الماضية كنا أمام سيل من المقالات لأسماء من مشارب مختلفة، أكدت ما كان معروفا من قبل، وهو أن مجال التحليل السياسي تحديدا، في حاجة إلى حملة تطهيرية جذرية، بما أن مسألة “النقد الذاتي” أصبحت غير مجدية وغير فعالة، بل ومتجاوزة أصلا..

فحين نقرأ مثلا أن من بين أسباب الأزمة “المفتعلة” بين المغرب وفرنسا، خوف هذه الأخيرة على مصالحها في إفريقيا الغربية التي أصبحت “مهددة” من طرف المغرب، كيف يمكن إعراب هذا الكلام؟ بل هل يمكن تمالك النفس من الضحك حين نسمع من يقول مثلا إن السعودية بمالها وإعلامها وإمكانياتها الضخمة متخوفة من “نشر المذهب المالكي” على حساب مذهبها “الوهابي” في هذا الجزء من القارة السوداء؟

فرنسا إذن لم تخف من أمريكا التي يحكمها لأول مرة في التاريخ رئيس من أصول إفريقية، ولا من الصين التي تمارس زحفا غير مسبوق على القارة الإفريقية في جميع الاتجاهات والمجالات..وخافت من المغرب الذي لا حديث فيه يعلو عن حديث الازمة..

والسعودية لم تهتم للاكتساح التركي ولا للتغلغل الشيعي الذي تقوده مثلا شركات استثمارية لبنانية، وغاظها فقط ممارسة المغرب لدور تاريخي تقليدي في مجال جغرافي حيوي بالنسبة لأمنه الروحي والاستراتيجي.

إن الاستمرار في هذه “الشعوذة” أكبر دليل على انقطاع كل الخيوط بين ما يقوله بعض “الكتبة” و”المخللين” وبين الواقع، ولا أظن أن المغرب في حاجة إلى هذا النوع من “البروباغوندا” التي لا تليق بعصر الأنترنيت والفيسبوكوتويتر..وبقية العائلة الإلكترونية..

وأخطر ما في الأمر أن يصدق صناع القرار هذه “التخريجات” وينسوا أن للواقع قوانينه الصارمة التي لا تخضع بالضرورة للأماني وأحلام اليقظة.

لن أتوقف طويلا عند كل ما كتب عن الزيارة الملكية لإفريقيا والتي أوحت بعض الكتابات بأنها أغضبت الشرق والغرب، وأن المغرب استعاد فعلا خريطته لسنة 1880 (فترة حكم المولى الحسن الأول) التي تم تداولها هذه الأيام بشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغض النظر عن دقتها وموضوعيتها، لكن أتمنى فقط أن تبادر جهة ما لشرح التطورات المحتملة أو المتوقعة للهزة التي عرفتها العلاقات المغربية الفرنسية مؤخرا.

لننطلق أولا من أننا نتحدث عن فرنسا، دولة المؤسسات، وليس عن دولة عربية أو إفريقية حيث هناك مجال واسع لتمطيط القوانين وتطويعها..

فتوجيه الاستدعاء للمسؤول الأمني المغربي بالطريقة التي تم بها، لا يمكن أن يعفي من طرح السؤال : وماذا بعد؟

هل طوى القضاء الفرنسي الملف بمجرد “الهوجة المغربية”؟ هل سينتهي الموضوع فقط لأن المغرب علق جميع الاتفاقيات القضائية مع فرنسا؟ وهل كان رد الفعل هذا دقيقا، بما أن هذه الاتفاقيات لا تتعلق فقط بتسليم المتهمين، بل يستفيد منها أفراد الجالية الذين سيصبح لزاما عليهم ربما اجتياز الصراط القنصلي والإداري غير المستقيم حتى بالنسبة لإجراءات بسيطة تتعلق بترجمة العقود مثلا؟..

من المؤكد أننا في بداية مسلسل وليس في نهايته..

فوزير الخارجية الفرنسي قال في تصريح واضح لإذاعة “أوروبا 1″ إن المغرب وفرنسا بلدان صديقان وسيظلان كذلك، أما بقية الحديث فينبغي أن يتم الاستماع إليها أكثر من مرة حاصة بالنسبة لمن تعذر عليهم فهمها رغم وضوحها.

فالأمر بالنسبة للسيد فابيوس لا علاقة له بـ”الحصانة الديبلوماسية”، بل فقط بما سماه “Dysfonctionnement” أي “خلل وظيفي” كان بالإمكان تلافيه، قبل أن يُذكرنا بأن القضاء في بلاده مستقل..

أما بالنسبة لتصريحات السفير، فقال السيد الوزير إنها صدرت سنة 2011، ومن طرف ديبلوماسي عينته الحكومة السابقة وخلال ولايتها، (أي على عهد صديقنا “ساركو” الذي كانت طلباته تعتبر أوامر في المغرب)..انتهى الأمر، نقطة إلى السطر.. وليحلم من شاء بـ”اعتذار” فرنسي عن قلة أدب غير ديبلوماسية..

ما يفترض أن صناع القرار في المغرب يعرفونه جيدا، هو أن السيد فابيوس يعد نفسه لقيادة الحكومة الفرنسية في نسختها الثانية على عهد الرئيس هولاند، وهو تطلع لا يمكن أن يضحي به ولو بإطلاق تصريحات ترضي الطرف المغربي، لأن الحكومات الفرنسية بيمينها ويسارها اعتادت أن تدخل المغرب بـ”صباطها”..وما تنقله وسائل الإعلام الفرنسية يؤكد أن السيد فابيوس يرى نفسه الوحيد المؤهل حاليا لقيادة الحكومة، خاصة في ظل توالي الانتكاسات من طرف الوزير الأول الحالي الذي قد يجر الحزب الاشتراكي إلى هزيمة انتخابية مدوية في الانتخابات البلدية المقبلة.

النقطة الثانية التي لابد من التوقف عندها، تتمثل في كون وزيرة العدل الفرنسية الحالية، ليست مجرد وزيرة سياسية تدير شؤون قطاعها بحسابات سياسية، بل هي مناضلة يسارية جذرية، انتمت في التسعينات لحركة سياسية كانت تتبنى العنف ضمن خياراتها “الثورية”، بل تم ترشيحها من طرف اليسار الجذري سنة 2002 للانتخابات الرئاسية، ويجمع كثيرون على أن الأصوات التي حازتها كانت من بين الأسباب التي أدت إلى خروج المرشح الاشتراكي جوسبان من الدور الأول..

كما لا ينبغي أن ننسى معاركها الحامية مع وزير الداخلية في الحكومة الحالية، وأنها صاحبة “قانون توبيرا” الذي اعتبر تجارة الرقيق جريمة ضد الإنسانية.. ولا يخفى كيف واجهت قبل اسابيع الهجمة العنصرية الشرسة التي تضمنت وصفها بـ”القردة”..كما لا حاجة لسرد تفاصيل ما يجري هذه الأيام بخصوص قضية التنصت على الرئيس السابق ساركوزي ومحاميه..

وإذن فالاعتقاد بأن الضجيج الإعلامي كاف وحد لدفع هذه السيدة المتصلبة لـ “العفس في المساطر” وشل يد القضاء الفرنسي، هو نوع من العبث الخطير الذي قد تكون له نتائج مدمرة.ولا ينبغي أن ننسى كذلك كيف أن الحكومة الفرنسية الحالية وقفت “محايدة” إزاء الاقتراح الأمريكي بخصوص توسيع صلاحيات المينورسو ليشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء..

النقطة الثالثة، تتمثل في أن الرئيس الفرنسي الحالي يمكن اعتباره أضعف الرؤساء الذين عرفتهم فرنسا الجمهورية الخامسة، لأسباب كثيرة متعددة ومتداخلة، وآخر شيء يبحث عنه هو الدخول في مواجهة إعلامية بسبب مسألة قضائية، خاصة وأنه أول رئيس تنزل شعبيته تحت سقف العشرين بالمائة، وهناك مشاكل اجتماعية واقتصادية تحاصره من كل مكان.. أي أننا لسنا مثلا أمام ساركوزي الذي كانت له الجرأة للقيام بمبادرات قد تعتبر “تجاوزات”، وإن كانت الفضائح التي طالت حزبه قبل أيام، تؤكد أن العدالة تمهل ولا تهمل..

أما النقطة التي تستحق الاهتمام فعلا، فلا علاقة لها بفرنسا والفرنسيين، بل بموقف المغرب في حال تم تجديد الاستدعاء القضائي لمسؤوله الأمني وفق المساطر المعمول بها؟

هذا هو السؤال الذي على محللي الوقت الضائع الإجابة عنه، خاصة وأننا أصبحنا في عالم تحظى فيه حقوق الإنسان وقضايا مناهضة التعذيب باهتمام استثنائي -عن حق أو باطل-، خاصة إذا واكبتها حملات إعلامية شرسة محركة بفعل فاعل.

قليلون هم الذي سبحوا ضد التيار وطالبوا بضرورة “تعقل” الدولة خلال حربها على الإرهاب، وقلة أقل دعت إلى طي ملف ما بعد 16 ماي 2013، واحتوائه قبل أن يتحول إلى حمل ثقيل يعيق تحرك البلاد إلى الأمام، لكن الأمور سارت في الاتجاه الذي تابعناه، وأتمنى ألا نضطر لدفع ثمن سوء تقدير جهات كانت تظن أنها قادرة على التحكم في حركة التاريخ.

لست هنا بصدد إصدار قرارات إدانة، أو توزيع صكوك براءة، لكن وكما يقول المثل العربي :”بيدي لا بيد عمرو”، شتان بين تصحيح اختلالات حقوقية ونزع أشواكها بأيدينا، وبين الدخول في متاهات نشر الغسيل الحقوقي المغربي أمام محاكم الشرق والغرب..

إن جر الدولة المغربية إلى متاهات قضائية في فرنسا أو غيرها، ستكون له كلفة كبيرة جدا، خاصة في الوقت الذي ربط فيه المغرب جل ملفاته الحساسة والمصيرية بشعارات حقوق الإنسان.ولهذا لابد من التحرك قبل فوات الأوان حتى لا يتحول “الخلل الوظيفي” الذي تحدث عنه وزير الخارجية الفرنسي إلى معركة قضائية تستنزف المغرب حقوقيا وإعلاميا وديبلوماسيا..

http://facebook.com/my.bahtat

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “المغرب الذي أغضب الشرق والغرب”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب