ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

الرحل في ميدلت .. سيزيفيون ضائعون في زحمة الجغرافيا

المصدر:  | 30 أغسطس 2013 | الأولى, جهات |

315362nomademidelt-751764951315362.png

ضائعون في زحمة الجغرافيا، يتنقلون بشكل مستمر، مسافرون دائمون من بقعة بؤس إلى أخرى، في محاولة عيش يائسة، يحاولون التكيف مع قساوة الزمن والطبيعة والإنسان، مواطنون مغاربة يقاسون حياة مريرة على هامش الوطن، “هسبريس” انتقلت إلى جبال الأطلس المتوسط لمقابلة”الرحل” الذين اختارتهم حياة السفر الأبدي، في كل سفر بحث مقاومة لواقع فقير وحزين.

“هسبريس” عاشت يوما مع “الرحل “في منطقة توغاش على بعد كيلومترات من ميدلت، ونقلت قصصهم المؤثرة على ألسنتهم، قبل أن يشدوا الرحال ربما إلى وجهة أخرى.

الزمن هنا متوقف، لا شيء يوحي بأن هناك حياة تنبض في هذه الجبال المقفرة في أعالي الأطلس المتوسط، لا شيء بتاتا يدل على أنك قد تصادف في جولانك في هذا الفراغ الرهيب آدميين من شحم ولحم، من تراه يستوطن هذه القفار؟ ومن يمكنه يا ترى أن يتحمل قسوة الانعزال عن العالم والعيش خارجه؟ وهل على هذه الأرض بخوائها الفظيع ما يستحق الحياة؟ لا يمكن لغريب قادم من المدينة ويزور المكان للوهلة الأولى سوى أن يطرح أسئلة مماثلة، وهو ينطلق في رحلة البحث عن مواطنين مغاربة ضاعوا في زحمة الجغرافيا في جبال توغاش على بعد كيلومترات من ميدلت، لا داعي للاستغراب ففي هاته الأرض الخلاء ثمة عائلات بشيوخها ونسائها وأطفالها تعيش أو تتظاهر بذلك، فمن الصعب أن تقنع نفسك بأنك حي فعلا على هامش الموت، بنكيران حتما لا يعرف هذا المكان، وهؤلاء الذين يجاهدون للبقاء على قيد الحياة هنا، لم يكونوا على ما يبدو جزءا من برنامجه الانتخابي،هنا لا يعرفون أي شيء عن التماسيح والعفاريت ولا حتى عن مشروع القرار الأمريكي في الصحراء، لم يسمعوا عن الأزمة الاقتصادية وخطرها الذي يهدد البلاد والعباد، فهم في أزمة دائمة، أزمة منذ نبضات القلب الأولى لمعظمهم، أزمة منذ البداية، هم كمن سقطوا سهوا من منطق الدولة، فلا أحد يعرفهم ويهتم لحالهم، منسيون حتى سلموا أنه قدرهم، وأنها مشيئة الله، اعتادوا هذا الوضع وتعايشوا معه إلى درجة الاقتناع أنه لا يمكن لحالهم أن يكون أفضل، لا يمكن لهم أن يحيوا حياة أخرى غير حياة الترحال الدائم من فراغ إلى فراغ، حتى كاد الترحال والعيش في الخلاء على أمل إيجاد الكلأ أن يصبح دينا يؤمنون به، هو ليس اختيارا بقدر ما هو واقع مفروض لا مفر منه، إرث الآباء والأجداد كما يقول معظمهم، هو إرث ثقيل لكن ما العمل؟ فعقارات وأراضي الوطن الشاسعة لا تسع بساطتهم والدولة لا تعترف بحقهم في العيش عيشا كريما لذلك وجدوا في هذا السفر الطويل الذي لا تعرف له نهاية المخرج الوحيد، سفر سيزيفي حقيقي في صراع مع الطبيعة والإنسان.

المنسيون ..

اليوم يوم سبت، صباح حار جدا، لا يهم فعلا إن كان اليوم يوم سبت فلا معنى لنهاية الأسبوع هنا، فقد قلنا أن الزمن هنا متوقف، من يسكنون هنا ضبطوا زمنهم الخاص، حياتهم تمر بين الشروق والغروب كل يوم، برفقة مرافقنا “عاشور” ابن المنطقة الذي يشتغل سائقا في منطقة “تيمناي” البعيدة بحوالي 20 كيلومترا عن مركز مدينة ميدلت، انطلقت رحلتنا عبر السيارة للقاء “الرحل” الذين يسكنون هذه المنطقة،عشرات العائلات تتواجد في هذه المساحات الشاسعة والفارغة، تشتغل على الرعي، لكن إيجادها أمر صعب، لأنها تغير مكان نصب خيامها باستمرار، تتوقف السيارة بعد نصف ساعة من السير في أرض خالية، هنا كانت خيمة قبل أسابيع ومخلفاتها مازالت واضحة، يتذكر مرافقنا، يبدو أن هذه العائلة قد غادرت هذا المكان بعد أن ضاق بها الحال، وانتقلت إلى مكان آخر غير بعيد، تستمر رحلتنا عبر المسالك الوعرة بحثا عن نقطة حياة ..بعد مسافة غير يسيرة من البحث سنجد أخيرا خيمة مأهولة.

يوقف عاشور محرك السيارة، نتوقف على بعد أمتار من الخيمة، يفاجئ توقف السيارة المقيمين هنا الذين لم يزرهم أحد منذ شهور، فيهرعون لمعرفة ما الذي يحدث، من الخيمة يخرج طفلان صغيران، على ملامحهما حزن فطري، أحدهما جرى بسرعة نحو السيارة ينظر إلينا بتعجب، قبل أن ينادي والده ليخبره بأن هناك زائرين، يطل الأب برأسه من الخيمة محاولا تبين وجوه الضيوف، ثم يتقدم نحونا بعد أن يلمح أن من بين الزائرين شخص بملامح محلية، هم يخشون الغرباء، فبقدر ما تعودوا أن يعيشوا وحيدين دون أن يسأل عنهم أحد تكون أي زيارة كتلك التي قامت بها ” هسبريس”مبعثا للتوجس، يلقي “موحى ناموسي” كما سنتعرف عليه فيما بعد التحية، ثم يسألنا بالأمازيغية عن سبب مقدمنا، سيتكلف مرافقنا بتبديد مخاوفه وطمأنته على أن المقصود خير، وأننا نريد فقط أن نتعرف على حياة الرحل عن قرب، يستأذننا موحى ليتشاور مع زوجته بخصوص هذا الأمر، سيغيب عنا لدقائق ثم سيعود مرحبا بنا في خيمته البسيطة التي تأويه وعائلته.

لا تحتاج كثيرا من الكلام، لتصف المكان،”لو رأى سكان الكاريانات في المدن هذا المشهد لما اشتكوا أبدا ..”، قال مرافقنا وهو يتحدث عن منظر الخيمة، العائلة المتكونة من أربعة أفراد تفترش حصيرا باليا، وتؤثث المكان بأفرشة رثة، أواني وكؤوس محدودة على رؤوس الأصابع تفي بالغرض، رحب بنا موحى بحرارة وطلب من زوجته أن تعد لنا كأس شاي، جلس الرجل الأربعيني إلى جانب ابنيه ياسين وسعيد، يعتمر طربوشا باليا، تظهر على قسمات وجهه علامات ضنك العيش والتعب وأشياء أخرى، مقل في الكلام، لا يتحدث إلا حينما تسأله، أمام تلك الصور الصادمة عن مغرب آخر لم أكن أعرف من أين أبدأ، لا تحتاج لأن تسأل لتستنتج أن موحى وأبناءه يعيشون حياة مزرية للغاية، إنهم يقاومون عبثا قساوة الزمن والمناخ، منذ متى وأنتم تعيشون حياة الرحل؟ كان هذا أول سؤال تكلف مرافقنا بترجمته إلى الأمازيغية، بدا سؤالنا غريبا بعض الشيء بالنسبة لموحى، فهو لم يعرف حياة أخرى غير هذه الحياة منذ أن رأت عيناه النور لأول مرة “منذ أن ولدت وأنا أعيش هذه الحياة، مع أبي كنا ننتقل من مكان إلى آخر وأبي أيضا عاش الحياة نفسها مع جدي، إنه إرث ورثناه عن أجدادنا، هذه حياتنا ولا نعرف حياة أخرى غيرها، نحن رحل وقد تعودنا على هذا الوضع..نحن في هذه المنطقة منذ حوالي تسعة أشهر، وإن لم نجد ما نأكله هنا فإننا سنجمع أشياءنا وسنرحل مجددا إلى منطقة أخرى، حيث يمكننا أن نعيش أفضل، ربما سنعود إلى الصحراء مجددا..لم نترك مكانا لم نرتحل إليه، نحن متحدرون من أيت عياش، لكن الوضع هنا ليس أحسن من الأماكن التي كنا فيها سابقا على الإطلاق،..رحلنا كثيرا في السنوات الأخيرة، وانتقلنا بين الغرب وبودنيب وبوعرفة ومناطق كثيرة .. جلنا كثيرا ولم نكن نتجاوز فترة ثلاثة إلى أربعة أشهر في كل منطقة ثم نغادرها “، يصمت موحى قليلا بعد هذا الكلام، يداعب ابنه حسن ابن الست سنوات ثم يستعجل زوجته لإعداد الشاي، ويستمر في الحديث هذه المرة مستعملا بعض مهاراته في العامية المغربية “..لكن كما أخبرتك فحالنا لا يختلف هنا عما كان عليه حالنا في المناطق الأخرى، السكان المحليون يطلبون منا الرحيل، نحن نعاني كثيرا ولكن الحمد لله ..حنا مكرفصين بزاف ولكن الحمد لله، الآن المناخ حار ويمكننا التعامل معه، أما في أيام البرد والثلج فإن الحياة تصبح شبه مستحيلة، لقد مرت علينا أيام صعبة جدا هنا، أنا أستطيع الصمود لكن الأطفال لا يستطيعون، في أيام البرد لا نبرح الخيمة، لا يمكننا ذلك..لم يسأل عنا أي أحد، نحن نطلب أن يسمحوا لنا بالبناء في المناطق المجاورة، لنعيش فقط في فترة اشتداد البرد ثم نعود بعدها إلى الخيمة، لكنهم يرفضون مخافة أن نبقى هناك، هم لا يفهمون أننا لا نستطيع أن نعيش أصلا خارج الخيمة، لأننا لن نجد عملا” .

سقط سهوا من الوطن

يعيش موحى وأسرته الصغيرة على رعي الغنم والأبقار، لا مدخول آخر له غير هذا العمل، الرحل لا يشتغلون في مهن أخرى كما شرح لنا عاشور، القطيع الذي يرعاه موحى ليس قطيعه الخاص، فهو يشتغل فقط عند آخرين، مقابل أجر يومي لا يتجاوز ثمانين درهما طيلة السنة وبشكل يومي، يتولى موحى في مقابل ذلك الاعتناء بالقطيع،”أنا غير كنقابل الكسيبة ديال الناس هادشي اللي كتشوف ماشي ديالي، إنه عمل متعب للغاية، فأنا أعمل طيلة اليوم ليل نهار، في النهار آخذ القطيع للرعي وفي المساء أظل مستيقظا لحراستها، لأنها أمانة وعلي أن أحافظ عليها، إنه عمل مضاعف بدون أجر مضاعف، حنا كنتكرفصو بزاف ..في السابق كنت أرعى الغنم لكن مالكها قرر استبدالها بالبقر، لأن الغنم مكلفة جدا بالنسبة إليه على عكس البقر”، يكمل موحى كلامه لنا بعد أن أحضر الشاي، إلى جانب كل هذه المعاناة يواجه الرحل شبح السرقة، وكأنه لا يكفيهم شظف الحياة ليزداد هم آخر يثقل كاهلهم المثخن بالآلام أصلا، فهم معرضون دائما لخطر أن تتعرض الماشية أو القطيع الذي يرعونه للسرقة من طرف المتربصين ” ايرحالن يعانون دائما من السرقة، حنا ديما محكورين..لقد وقعت حوادث كثيرة لعائلات في الخيام سرقت أغنامها أو أبقارها، لذلك علينا أن نبقى يقظين دائما “، يسترسل موحى وهو يهدئ من روع أحد أطفاله، ماذا عن المدرسة؟ هل يفكر في تدريس أبنائه؟ موحى يخشى أن يواجه أبناءه نفس مصيره، أن يضيعوا بين مكان وآخر، بين رحلة وأخرى، ويطالب بأن تقدم الدولة حلا بأن توفر معلما للرحل، “لماذا لا يمنحوننا معلما لكل عشر عائلات الأمر ممكن، نحن لا نريد لأولادنا أن يضيعوا هكذا، نريد لأبنائنا أن يعيشوا حياة أخرى مغايرة”، في هذه اللحظة بالذات تنتاب موحى نوبة حزن، فعند الحديث عن أبنائه يتذكر كم هي بئيسة حياتهم،”بنادم ضعيف ..حياتنا صعبة جدا، فلكي نقتني ما يلزمنا علينا أن نسافر بعيدا، ونقطع مسافة طويلة، ونقضي يوما كاملا في انتظار أن نجد وسيلة نقل تنقلنا، لا شيء هنا كل شيء بعيد عنا، فحتى الماء نضطر لأن نقطع مسافة تتجاوز الأربع كيلومترات لجلبه، لماذا لا يحفرون بئرا هنا فالماء موجود؟ أما حينما يمرض أطفالنا فلا نجد مكانا نأخذهم إليه، لا أحد يهتم لأمرنا ..أنا أتذكر كيف نقلوا الخيام إلى مكان بعيد جدا، حينما كانت هناك زيارة ملكية للمنطقة، لا يريدون لأحد أن يعرف بوجودنا “.

تركنا موحى وعائلته لنستمر في رحلتنا هاته بحثا عن خيمة معاناة أخرى، فكل خيمة تختصر هنا قصة إنسانية مؤثرة، مرافقنا يصر على تذكيرنا أن الرحل لا يستطيعون الاستغناء عن هذه الحياة التي ألفوها، فهم لا يستطيعون تأدية أي عمل آخر غير الرعي، ولا يمكنهم فعل ذلك خارج حياة الترحال، لكنه في المقابل يشرح لنا كيف أن الدولة أهملت هؤلاء، فقط مرة كل سنة أو سنتين تصل بعض المساعدات من بعض الجماعات المجاورة للأماكن التي يوجد فيها الرحل، وهي مساعدات مؤدى عنها، وبالتالي لا يمكن اعتبارها إعانات، قطعنا حوالي ثلاثة كيلومترات قبل أن نصادف رحالين يرعيان قطيعا من الغنم، اقتربنا منهما وقدمنا أنفسنا، لم يبديا أي ممانعة في الحديث إلينا، إيدير حديدو في الأربعينيات من عمره، انخرط في الحديث تلقائيا،”الرحالة مكرفصين كثر من القياس، نحن نعاني من كل النواحي، الحالة التي نعيش فيها حالة سيئة جدا، وخاصة في أيام البرد القارس والشتاء، ليس لدينا في هذا الخلاء ما يدفئنا، نضطر للصعود إلى القمة ليومين بحثا عن الحطب، أما بالنسبة للماء فالحال أكثر سوءا، لأننا نقضي يوما كاملا بحثا عن الماء، لأنه لا وجود لآبار قريبة من خيامنا، فضلا عن أن ما نجنيه ضعيف جدا، ولا يكفي لتلبية حاجاتنا، نحن نحاول فقط أن نمضي الأيام ونصبر، فليس أمامنا أي حل آخر غير المقاومة، كما ترى فإننا نعيش على الرعي ولا شيء غيره، وإذا لم يثق فينا صاحب الأغنام، فإنه سيتعين علينا البحث عن مكان آخر ننتقل إليه، هذه هي حياتنا اليومية، كل يوم نبدأ منذ الفجر وننتهي عند غروب الشمس”، أما أوعثمان سعيد العجوز الذي تجاوز الستين سنة، صاحب الخيمة التي حدثنا عنها مرافقنا في بداية الرحلة، والذي انتقل إلى مكان آخر على بعد كيلومترات منها، فهو يحكي لنا كيف أنه لم يعرف مهنة أخرى غير الرعي، وكيف أنه عاش رحالا طيلة الوقت، قبل أن يسترسل”كما أخبرك حديدو حياتنا كلها ارتحال من مكان إلى آخر، كلها معاناة، لكن لا شيء آخر نفعله، أنا قضيت عمري كله مرتحلا، هذا قدرنا “، ثم استأذنا منا بسرعة للعودة إلى تعبهم المحتوم، لأن القطيع قد بدأ يبتعد عن عينيهما، وعليهما حراسته والحرص على أن يعودوا بالعدد مكتملا غير ناقص في المساء.

سفر طويل إلى البؤسوصلنا إلى خيمة أخرى من خيام هجرها الفرح، رحبت بنا رقية أزلماض وابنتها، رب الأسرة ومعيلها العجوز البالغ من العمر سبعين سنة يوجد خارج الخيمة منذ ساعات الصباح الأولى للرعي، رقية امرأة متعبة تقدم بها السن، على ملامحها وجع السنين والمسافات الطويلة والأسفار البعيدة التي لا تنتهي أبدا وفي عينيها مسحة حزن غريبة، فرحت كثيرا بقدومنا فلا أحد قبل هذا اليوم زارهم واستمع إليهم.

“حنا أولدي كندوزو الوقت وصافي..نعيش مقهورين ونعاني كثيرا، لكننا تعودنا على هذه الحياة ونحمد الله عليها،..حياة الرحالة كلها معاناة، فلم نستطع حتى أن نرسل أبناءنا إلى المدارس للتعلم بسبب عدم استقرارنا وتنقلنا الدائم. على هذه الأرض اليوم نعاني لأن هناك من يطالبنا بأن نرحل، لأننا لسنا من أبناء المنطقة” تسكت رقية قبل أن تكمل بصوت حزين “نحن نعاني، في هذا المكان لا يوجد كلأ كاف، لقد اضطررنا لبيع بعض أغنامنا حتى نجد ما نسد به رمقنا، والأغنام التي كنا نرعاها لصالح مالكها باعها هذا الأخير، فضلا عن الجفاف الذي يتسبب في عدم ولادة رؤوس غنم جديدة،..كما أننا ننفق كثيرا في حال مرض البقر، وهو ما حدث أخيرا فقط” أما ابنتها الشابة “يطو” فعمرها بعمر هذه الرحلات الطويلة من الشقاء، هي ابنة الخيمة كما تقول ولم تعرف عالما آخر خارجها، تقول ذلك راضية عن الحال رغم اعترافها بأن معيشتهم قصة حزينة “لو وجدنا أفضل مما نحن عليه لأقبلنا عليه دون تردد، لكن ليس لدينا ما نفعله سوى الترحال، لا شيء، لا بديل لنا، لقد اختارتنا هذه الحياة، وتعودنا على أن نتنقل كثيرا..ثم لا يمكننا العيش في مكان آخر، لأنهم لن يسمحوا لنا بتربية البقر والماشية، ونحن لا يمكننا أن نعيش من دونها..هادشي مكتوب علينا”، شقيقتها تزوجت فيما مازالت هي تنتظر النصيب كما قالت والدتها، تعينها في التكفل بأشغال الخيمة والعناية بالبقر، تبتسم يطو قليلا في وجه المعاناة، وتصر على أن نتذوق “السمن”، فلا يمكننا أن نزور الخيمة دون أن نفعل ذلك، بعدها تكمل سرد مأساة العائلة”منذ ثلاثين سنة ونحن نرحل، من زقلات إلى أيت عياش إلى بوحفس ،..المعيشة تكلفنا غاليا جدا، وكذلك “علف” الغنم، نحن نعاني كثيرا ..قدمنا طلبا للبناء في مكان قريب لكن لم يجيبونا، نحن نبحث عن حياة أفضل لأن العيش هكذا مضن، والوالد تقدم في السن كثيرا،..لكن ليس لنا ما نفعله”.

هكذا ختمت يطو حديثها لـ”هسبريس”بمزيج بين الحلم بحياة أفضل على هذه الأرض، وإيمانا بأن الواقع الذي يعيشونه قدر لا يمكنهم تغييره.

في طريق المغادرة بعد يوم كامل قضيناه في ضيافة الرحل في الأطلس المتوسط، كانت ملامح سكان هذه الأرض الجرداء سوى من “ربيع ميت” مازالت عالقة في الأذهان، على هذه الأرض هناك شعب يحاول أن يعيش، ثمة مواطنون مغلوبون على أمرهم، يطاردون الحياة بين جبل وآخر، يتنقلون بين الصحاري ويشيدون أحلاما ثم يهدمونها ليبحثوا عن ملجأ آخر، يعيشون الفقر والبؤس وانسداد الآفاق، مواطنون مغاربة يأويهم الجوع والفراغ، ورغم كل شيء لا يشتكون إلا نادرا، فحياة الترحال اختارتهم وقد فات الأوان بالنسبة إليهم لمراجعة هذا الاختيار، وحتى دولتهم اختارت أن تتجاهلهم تجاهلا فظيعا، ولم تعرهم أي اهتمام في شعاراتها الكبيرة والرنانة، فلا هي اعتبرتهم تراثا ثقافيا وإنسانيا يتعين النهوض به والحفاظ عليه، ولا هي انتشلتهم من قساوة الترحال المستمر، هكذا غادرناهم لنتركهم يستعدون لرحلة أخرى وهم يحاولون تحدي كل شيء، فكل شيء يسير ضدهم، تركناهم يبتسمون في وجه المأساة، لعل خيمة هنا في هذا المكان أو في مكان آخر في هذا الوطن الذي يعيشون على هامشه قد تكون أملا لبداية أفضل، فلا مانع لديهم من تحمل عناء هذا السفر المستمر حتى ولو كان إلى جحيم يشبه جحيم “دانتي”، لا بأس، فهم ليسوا مهزومين ما داموا يقاومون، ففي ترحالهم الأبدي انتصار.

تأثيرات جانبية

وجود الرحل في المنطقة كانت له انعكاسات كبيرة اكتست طابعا خطيرا على الغطاء النباتي والغابوي بالمنطقة، بحسب ما ذكره فاعلون محليون التقتهم “هسبريس” أثناء إنجاز هذا الربورتاج، وقال فاعل جمعوي محلي فضل عدم الكشف عن اسمه، إنه على الرغم من أن الرحل هنا يحظون بالتعاطف بسبب المعاناة التي يعيشونها، إلا أنه لا يجب إغفال التأثيرات الجانبية السيئة لوجودهم في هذه المنطقة، وتابع المصدر نفسه ” الدولة مسؤولة عن ما تعرض له الغطاء النباتي والغابوي، لأنها لا تجد حلا لهذه العينة من المواطنين، فالرعي الجائر وتنقل الماشية بأعداد كبيرة يتسبب في إتلافه، لا أحد ينكر أن ما تعانيه هذه العائلات الموجودة في الخيام قاس، لكنهم أيضا ارتكبوا بسبب قلة وعيهم جرائم في حق الطبيعة، على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها وأن تبحث لهم عن أماكن لتأويهم فيها، وإلا ازداد الأمر سوءا، ويضيف “أنا لا أحملهم المسؤولية لأنهم لا يملكون حلولا أخرى، فهم يلجأون للغابات بحثا عن الحطب للتدفئة خلال البرد القارس، لكنني أتساءل أين الدولة، ولماذا لم تجد حلا لما يزيد عن مائة عائلة ؟”

الدولة غائبة

ظاهرة الرحل في المغرب قديمة جدا، ويعتبر الرحل أول من قاوم الاحتلال والغزو الأجنبي خلال القرن الماضي، ويمكن اعتبار الرحل موروثا ثقافيا وحضاريا، إلا أنه ظل مغيبا بشكل تام عن سياسات جميع الحكومات المتعاقبة، التي لم تعتمد أي سياسة تنموية تأخذه بعين الاعتبار وتحوله إلى شكل جديد من أشكال الإنتاج الاقتصادي، الذي يمكن بناؤه على التنقل بحثا عن الماء والكلأ، لم يشكل الرحل أبدا جزءا من برنامج القائمين على شأن الجماعات المحلية والقروية التي يلجأون إليها، ومنها ميدلت على سبيل المثال، ويعاني الرحل من إهمال الدولة لهم، فهي لم تدمجهم في مشاريعها التنموية، ولم تتخذ أية إجراءات لتنمية قطاع الماشية الذي يعد مورد رزقهم الوحيد، هذا في الوقت الذي ينتظر فيه أن تزداد حياة الرحل صعوبة في السنوات القادمة بفعل التحولات المناخية وارتفاع تكاليف شراء الأعلاف، وهو ما ورد على لسان عدد من الرحل ممن قابلتهم “هسبريس” أثناء إنجاز هذا الربورتاج.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “الرحل في ميدلت .. سيزيفيون ضائعون في زحمة الجغرافيا”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب