ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

محنة الكتابة والمقال الأخير

المصدر:  | 5 أبريل 2013 | رأي |

216726abdessamad-586324781216726.png

لم يسلم أحد من المقص والمسطرة والممحاة السياسية التي تطال كتاباته المشاغبة، كل هذه الأدوات التي كنا نستعملها في درس بديهي داخل أقسام التكوين، أصبحت تستعمل ضدنا وضد مثقفينا كوحش لا يعرف الرحمة.. لم ينجو العديد من عقوبة الخطوط المتوازية الحمراء، والزوايا السياسية القائمة التي تعتبر الأسلحة الفتاكة التي يستعملها مجموع التماسيح التي تؤثث فضاء الحكم، لا يهمها سوى وضع أفكارنا تحت مقص الرقيب، بل لا تمر انتكاسة موجعة في محنة الكتابة حتى تتبعها انتكاسة موغلة في البشاعة.

أحيانا يرفض “التماسيح والعفاريت” قراءة ”الحقيقة” على صفحات الجرائد وفي كتب التاريخ والاجتماع والسياسة، لأنهم ببساطة لا يريدون رؤية أوهامهم تتحطم”، منذ مدة طويلة ونحن نعيش هذا الرعب، فإما أن يختار المثقف والصحفي الصمت ”حين وجب عليه الكلام”، وإما أن يتفرغ للتنظير لأنظمتنا الفاسدة ومباركة التماسيح والعفاريت. إما أن يقول بأن الحراك المغربي ”وهم” وإما أن يصمت إلى أن يوضع في كفن أبيض حاملا أفكاره إلى قبر مظلم..

لنا قصص كثيرة ومثيرة عن ”التماسيح وقطع رقاب أقلام ثائرة وأخرى مشاغبة”، حتى أصبح يقال أنه “لا عيب في العباقرة والكتاب والمثقفين غير أن كتبهم ومقالاتهم من كثرة “التفتيش” تكاد تتمزق..”و الحمد لله أن ذلك يحدث بفضل التماسيح والعفاريت، التي بدل أن تنقرض تتكاثر وتتوالد.

قال بن خلدون الذي جال العالم بأسره من أجل المعرفة والثقافة “إذا دخلت أفريقيا فوافق أو نافق أو غادر البلاد” ولا يستثني هنا بن خلدون بلدنا الحبيب لأنه ربما كان على علم أن المغرب هو البلد الوحيد الذي يصبح فيه المسؤول السياسي في الحكومة والمعارضة تمساحا وعفريتا منافقا. فحين يضرب السيد الرئيس أمثلة للناس عن الحرية والكرامة بالمغرب في قناة أجنبية، فيكفي أن نذكر هذا الرئيس، المحكوم عليه بقيادة طائرة مصابة بالشلل في قلب محركاتها وأجنحتها، أن المغرب من كبريات الدول التي أفشلت التعليم من أجل السياسة، وأفشلت مشاريع ثقافية كبرى من أجل السياسة، والمغرب هو الدولة الوحيدة التي تحكم على صحفييها بالمنع من الكتابة عشر سنوات لمجرد رأي أو خبر، وبحبس الصحافيين بقانون جنائي فيما يرد في قصاصة أو رأي، وتهجير مثقفين معارضين وتهديد آخرين،… لأن كرسي عفريت هنا يا سادة أهم من شعب مثقف،.. وأكبر جريمة ارتكبها فينا بعض من كان في دائرة القرار ولازال، أنهم اعتقدوا أن ضعفنا وعزلتنا التي فرضها نظامهم هي التي تبرر أخطاؤهم وجرائمهم التي تطال هواية الكتابة.

فبدل أن يستثمر هؤلاء الساسة التماسيح كل طاقاتهم وعتادهم وأرصدهم وأرصدتنا، التي تفصل إلى ضرائب، في تطوير المعرفة والثقافة والفكر.. يفكرون لنا بكل طرق البحث العلمي الحديث وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا والأجهزة المخابراتية العالمية لإخراس مثقف أو مثقفة…

فاطمة الإفريقي، بصوتها المشابه لصوت العنادل في فصل الربيع، وكلماتها المرتبة كحقل وُرُود بمنطقة دادس الساحرة، وعينيها الدافئتين، ورِقّتِها الطائشة، اختارت أن تنحاز لقول الحقيقة وتغرد خارج السرب، كشفت المستور داخل دار البريهي كما فعلت بعض زميلاتها. هذه الصحافية المحبوبة التي رتبت لنا موعدا خميسيا في الجريدة بكتاباتها المنظومة كشعر فارسي، والرقيقة كحب قيس ليلى، والقوية كضربات قاضية لملاكم في حلبة محفوفة بالمخاطر، أرغموها على الصمت… كما منعوا سمكة من دخول مياه المحيط… إنها من أكبر الانتكاسات التي تطال المجال الثقافي المغربي…

لقد تجرأت فاطمة الإفريقي أن تدعم بصدق حركة 20 فبراير كأول صحافية تشتغل بالقناة الأولى، وتجرأت أن تتجاوز الخطوط الحمراء في كتاباتها – الخطوط التي لا نعرف من رسمها ولماذا وما هي حدودها- “تجرأت” وأطلقت العنان لأفكارها المعتقلة، وقررت أن تتحفنا بمقالات ثائرة وأخرى حزينة، حتى أصبحنا نحس في اغلب كتاباتها أننا نحن من يتحدث باسمها في الجريدة وأننا نحن من نعيش بين كلماتها الرقيقة.

لذلك قررت، في هذه المقالة، أن أكتب على ظرف رسالتي إليها : إلى الصحافية التي أصابتها لعنة الكتابة، إلى الصحافية التي نحب، إلى الإفريقية التي نعتز بكتاباتها المشاغبة، إلى قلمها الثائر الذي لا يعترف بمقص الرقيب، إلى البنفسج الذي يملئ أناملها الذهبية: مقالك الأخير بداية القضية، لعنة كتابة ”الحقيقة” تطاردك، ولا خوف على مقالاتك الجميلة الخالدة في ذاكرة العديد منا، لا تنحني فهذه محنة الكتابة، لا تنحني أبدا… أخدا بما قاله يوما عمر المختار لما اختار سلاح المقاومة : “كن عزيزا وإياك أن تنحني مهما كان الأمر ضروريا فربما لن تأتيك الفرصة لترفع رأسك مرة أخرى” فإما محنة الكتابة وإما المقال الأخير.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “محنة الكتابة والمقال الأخير”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب