ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

“مآزق” السينما المغربية

المصدر:  | 4 أبريل 2013 | رأي |

216187driss-kourri-613391755216187.png

يحتاج الوضع السينمائي بالمغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مقاربة تركيبية تقدم طرحا متكاملا، بغض النظر عن خلاصاته وكيفية بنائها، يقترح رؤية بنيوية علها تثير نقاشا يبتعد عن تحصيل الحاصل وتكريس واقع قائم لا أحد يجادل فيه.

تفرض هذه المقاربة نفسها بالنظر الى الوضع العربي والوطني الذي لا يخفى على أحد ما يتفاعل فيه من تحولات. هذه التحولات تعني السينما بكل تأكيد لأنها ببساطة، وككل الفنون، تنهل من هذا الواقع عن وعي وبالتالي تساهم في بناء واقتراح وجهة نظر ورؤية وصيغة عنه بغض النظر عن مآل هذا الإبداع، أو أنها تتحمله ليصنع منها مايريد ويطوعها في الاتجاه الذي يخدم “الأقوى” لتصبح خارج دائرة الفن بمعنى ما.

تتسم هذه التحولات بالجدة أولا، وبالشمولية ثانيا، وبالعمق ثالثا.

الجدة:

وتكمن أساسا في “الربيع العربي” الذي حمل ويحمل في تباشيره انتفاضات و”ثورات” لا سابق لها في مطلع القرن الواحد والعشرين بالعالم العربي. ولعل أهمية وقوة هذه التحولات تكمن في صدورها عن مطالب ترتبط بقيم الكرامة والديموقراطية والحرية أساسا، وذلك ما تثبته الصور المواكبة – طوبى لدور النقل المباشر وللتكنولوجيا التلفزية عبر الأقمار الاصطناعية – لهذه الهزات الاجتماعية السياسية والثقافية، التي قضى مواطنون من كل الأقطار العربية شوقا اليها دهرا، دون أن يلحقها المؤسسون للحلم على اختلاف مرجعيات “أحلامهم” بغد أفضل. وبصدد التعليق عن ما يدور من تشكيك في “جدوى” هذه التحولات، يكفي التذكير بالبديهية التالية: البناء بعد الهدم مكلف في الزمان والوسائل والتاريخ شاهد على ذلك.

الشمولية:

لم تنحصر هذه التحولات في منطقة من مناطق بلد عربي بعينه، بل انطلقت بمدينة معينة لتشمل الوطن بكامله. كما أن هذه الهزات لم تنحصر في بلد عربي واحد، بل سرحت من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا إلى البحرين ثم سوريا. كما أن صداها بلغ بقية البلدان العربية كالمملكة المغربية والمملكة الهاشمية الأردنية والمملكة العربية السعودية كل حسب سياقاته وخصوصيات نظامه وسرعة مبادرته لتجاوز ما حصل في البلدان الخمس التي اهتزت بقوة أركان نظامها السياسي، وهي اليوم تعيش مسار تغيير حقيقي في عمق بنياتها السياسية والاقتصادية والثقافية مهما بدى هذا التغيير معرقلا أو موجها من الداخل أو الخارج بشكل أو بآخر، فالتغيير أصبح واقعا قائما آخذا في الاتساع لتبقى مسالة مداه وايقاعه، بالطبع وعلى غرار كل التغييرات العميقة تاريخيا، مفتوحة على تكاليف تختلف في ثقلها الزماني والمادي والبشري حسب السياقات السوسيو ثقافية والسياسية الجغرافية لكل بلد.

العمق:

ويتجلى في جذرية التغيير الذي حصل في العديد من هذه البلدان بحيث خرجت فئات واسعة – الصامتة منها وغير المسيسة والشباب خاصة – من صمتها لتحتل الشوارع وأهم الميادين بكبريات المدن، وتفجر كل ما حملته لعشاريات طويلة من صمت بل وما كان يبدو لأغلبيتنا “تكريسا بالصمت والتصفيق والمواقف السلبية اللاسياسية” لفقدان الحرية والكرامة والحقوق. هكذا تغيرت المواقف واختفى الخوف، بل حول مكانه من صدور الجماهير إلى نظرات وقلوب “أقوياء” الأمس.

السينما العربية والربيع العربي.

قبل هذه الهزة التي لم يكن ينتظرها أحد رغم تكهن الكثير من الفنانين والادباء والمفكرين بخطورة عواقب الاحتقان الذي كان ولا زال يشمل المجتمعات العربية من سوء أوضاعها هيكليا، والانفجار الذي قد يترتب عنها، كانت السينما في العالم العربي عموما أداة تكريس للقائم من اوضاع وتبرير للسائد من خلل، بل ودعاية للمطبق على أنفاس الحريات والعيش الكريم من انحرافات سياسية واقتصادية وثقافية. في ظل هذه الاوضاع غير السليمة أنتجت السينما العربية عموما، التونسية والسورية والمغربية… “نجومها” ومهرجيها ومحترفيها في الهروب إلى قضايا اجتماعية “صغيرة”، او الى تاريخ مجيد يهون ويدفء الصدور تماهيا معه وتعويضا عن حاضر بئيس مر لا يطاق. صحيح كانت هناك انفلاتات نزيهة مبدعة وشجاعة أحيانا هنا وهناك: بمصر كما بالمغرب أو بسوريا أو تونس… لكنها اضطرت للهجرة أو للصمت، بينما “تأقلمت” الأغلبية لتشيد لنفسها أوضاعا مريحة ماديا وشهرة مفتعلة في غفلة من القيم التي دفع البعض استقراره ثمنا لها. وأقلية لم تلتزم ولم تستفد لاسباب ذاتية أو موضوعية لا شأن لنا بها في هذا المقام.

السينما المغربية: من التناوب التوافقي إلى “ربيع” المهرجانات.

أما بالمغرب، وبعد انطلاق التناوب التوافقي في النصف الثاني للتسعينات، وظهور بعض الحيوية والنقاش العلني السياسي والاجتماعي والثقافي، والذي لم يكتب له اخذ مداه رغم الحيوية التي بدا بها، والحماسة التي اشعلها لدى جماهير واسعة اثر اتخاذ تدابير منها ما كان عمليا ومنها ما تم اجهاضه او تقزيمه، فقد تحركت السينما على واجهة اساسية، مواكبة بذلك تحرك المجتمع والدولة والطبقة السياسية (على ترهلها وارتهانها بحدود متنوعة، أسبابها تعددت بين منطلقات لا تسمح لها بالسير بعيدا- التوافق في حد ذاته محدود الافق ومحكوم بحدود السلطات الدستورية الممنوحة له – او بفسيفساء الفريق التنفيذي الذي لم يكن هناك مجال للسير به ابعد من المرسوم تحت ظل قواعد لعب محددة سلفا، او من حيث التواجد القوي للوبيات المصالح المتغلغلة في دواليب الدولة واجهزتها المتمكنة من استراتيجية عتيقة لا تزال تضمن قراءة فعالة للعقليات ولانماط ردود الفعل المسيطر عليها “بقطع رؤوس” قيادات ترهلت أو لا مصداقية لها أو لا قوة فعلية لها إذ فقدت قواعدها التي حصدها الياس أو الانتظار الطويل، وتقوقعت على اليومي تاركة اأامور “لأهلها”.):

واجهة المهرجانات.

وقد كان من أهم التدابير المتخذة في هذا الإطار حسم مسالة الاستقرار المكاني والزماني للمهرجان الوطني للفيلم، الذي كان غير منتظم ولا مستقر بمدينة يمنحها ويستمد منها هوية، فكانت مدينة البوغاز طنجة هي الاختيار على الرغم من ماخذة عدم توفرها، لحد الآن على مركب سينمائي في مستوى الحدث، بل حتى على قاعة سينمائية لائقة لاستضافة مهرجان وطني يستغرق أسبوعا كاملا كل سنة. تصادف وترافق هذا القرار وزيادة قدرة صندوق الدعم على اعطاء منح هامة تحولت شيئا فشيئا – هل كانت يوما غير ذلك إلا لماما – إلى شبه مصدر وحيد للانتاج، وهو ما أنتج عواقب مادية وثقافية فنية لم يحد منها تحويل المبالغ المقدمة إلى تسبيق على المداخيل على غرار النظام الفرنسي!

في نفس السياق أيضا تقرر خلق مهرجان مراكش الدولي للفيلم الذي خلق في العمق احراجا وتعرية لواقع ولمستوى الفيلم المغربي، سرعان ما تم الالتفاف عليه بفتح الباب على مصراعيه أمام “كل” الفنانين سينمائيين وغيرهم، بل حتى الفنانين “السياسيين” لخرق تقاليد البساط الأحمر وتحويله لسيرك أو ما شابه ذلك، في غياب نسق نجوم حقيقي ببلدنا، بمحموله الاحترافي وبانجازاته الفنية الثقافية والإبداعية التي تمنحه بهاءه ومبرر التحذلق “الارستقراطي” الراقي على طول مساره. هكذا “امتلء” البساط الأحمر بنا، وغبنا بشكل موحش عن الشاشة الكبرى للمهرجان اللهم من مشاركة “رمزية” أو أدنى …

ثم تلت ذلك مهرجانات بكل الألوان التي تحملها جهاتنا وقضايانا الحقيقية منها والمفتعلة، والأساسي في ملء برامجها ولجان تحكيمها دائما المستورد والأسماء الطنانة وهذا اعتراف بأن “غزارة انتاجنا” لا تحمل كيفا، كما أن المراهنة على الكم لانتاج الكيف ليست بالضرورة صحيحة في غياب شروط حد أدنى للانتاج الفني السليم

باختصار السينما المغربية ترزح تحت وطئة مآزق نعدد منها ما يلي:

المأزق الأول: الولادة العسيرة.

خرجت السينما المغربية للوجود، بالنسبة للبعض، مع أول عرض للاخوة لوميير بالمغرب سنة بعد ميلاد السينما، أو مع أول فيلم صور بالمغرب للفرنسيان “لونشون و كونتان” (مكتوب 1919) ومن ثمة انطلاق السينما الكولونيالية التي لم ترى من المغرب إلا الغرائبي والمتوحش البربري وفي أحسن الحالات “الفولكلوري المضحك الممتع المقزز”. تلك في نظرنا السينما بالمغرب، وليس السينما المغربية وهو تعبير ناقشنا صعوبة الاقتناع به منذ ما ينيف عن العشرين سنة بكتاباتنا المتعددة ولازلنا نشك في صلاحية ومصداقية هذه التسمية حتى اليوم، كما سنوضح مع تتالي التحليل.

فمنذ المحاولات الفردية والاستثنائية والمغامرة للشاب محمد عصفور ابن نواحي الدار البيضاء مع أول “فيلم” طويل (1958)، وحتى حميد بناني مع فيلم “وشمة” (1970)، مرورا بفيلم “الحياة كفاح” للمسناوي والخياط، وفيلم “شمس الربيع” للطيف لحلو ثم فيلم “ألف يد ويد” لسهيل بنبركة، وفيلم “ليام اليام” لاحمد المعنوني… وهي أفلام تختلف جذريا بين النفس التجاري والضعف الحرفي العام تقريبا، إلى نفس المؤلف الحامل للهم السوسيولوجي النضالي والحس الفني التسجيلي والتمكن من الكتابة الفيلمية رغم قلة الامكانيات ولامبالاة الدولة، بل ومنعها لتوزيع “الجيد” من أفلام السبعينات وبداية الثمانينات، منذ هذه البدايات المتنوعة المستوى التقني والفني والفكري، بل وحتى مع ارتفاع الانتاج السينمائي المغربي في نهاية العشارية الأولى من هذا القرن وبداية الثانية الى ما يفوق 12 فيلم مطول واكثر من 80 شريط قصير سنويا، فاننا لازلنا نعتقد أن اطلاق لفظ سينما وطنية غير لائق وظيفيا على الأقل وذلك هو المأزق الثاني.

المأزق الثاني. مفهوم السينما كبنية انتاجية سوسيوثقافية كاملة الدورة والنجاعة الوظيفية.

نقصد بالبنية الكاملة أن تكون سينما ما قائمة في بلد من خلال اقفال دورة الانتاج من الفكرة إلى التصوير إلى التوزيع فتفعيل دورها الاقتصادي التربوي الثقافي الكامل في المجتمع، أما غير ذلك فمسالة تحمل أكثر من مغالطة وأكثر من خلل.تلك تسمية لا نراها صالحة لوضع سينمانا في غياب:

1/ – قطاع خاص ممول بشكل فعال لها يتجاوز ما “تمنحه” الدولة بدعم دافعي الضرائب،

2/ – معهد وطني “يلد” سينمائيين بكل التخصصات والحساسيات، تحت شجرة ثقافتهم وتربتهم الأم، علما أن التكوين خارج البلد ليس عيبا لكنه يبقى معاقا بشكل أو بآخر، والتجربة أثبتت ذلك في السياسة وفي الرياضة وفي الفنون … تاريخيا وعالميا.

3/ – شبكة قاعات على طول وعرض البلاد، وتقاليد تلفزية ومدرسية وجامعية ل”تشغيل” ومحاورة الفيلم المغربي حتى “يوجد” حقيقة كفاعل في “الدخول السنوي” مؤسساتيا وصحافيا وثقافيا على أنه خطاب مساهم في انتاج وتفكير البلد وقضاياه صانعا الحدث أحيانا ومسترجعا أحداثا من أجل المطروح، في الحاضر، من مسائل …. وليس مثيرا للسخرية او للبوليميك العقيم ولا للاطراء الرخيص او التأويلات الجاهلة بقواعد الفن لتصفية حسابات سياسوية أو نفعية ذاتية أو غيرها. خلاصة القول أننا نرى سينمانا سينما صماء و خرساء في حوارها مع المجتمع وتواصلها معه كثقافة بالمعنى الواسع للمفهوم، ومن هنا المأزق الثالث.

المأزق الثالث: ويتلخص في النقاط التالية.

1/ عندما نضجت الظروف السياسية بالمغرب وتجاوز البلد سنوات الحجر على الحقوق والحريات، جفت مآقي السينما المغربية و مات التيار الثقافي مع الأوائل على نقائصه التقنية والتمويلية بالأساس، ليسود بعده تراجع مريع على مستوى جودة “الكتابة السينمائية” خاصة، ونسجل أن هذه الفترة شهدت ظهور، ويا للمفارقة، “مناضلين” سينمائيين صنعوا أفلاما عن الاعتقال السياسي والمعتقلات السرية… بنفس المستوى الضعيف حكيا وتقنية، الذي تشكل به وعيهم والتزامهم أيام ممارسته على أرض الواقع.

2/ صعود الشباب الى جانب بقايا جيل الرواد بالمعنى الثقافي رغم مساهمته في التصاعد الكمي للانتاج واغناءه للحساسيات الجمالية من خلال المواضيع المطروقة، لم يغير شيئا في الواقع السينمائي الوطني الذي ظل يتميز ب:

- اللهاث وراء إرضاء جمهور لا وجود له ـ إحصائيات 2012 تثبت ذلك، أقل من 150.000 مشاهد ـ حوالي الأربعين قاعة ـ وفي انعدام إذاعة تلفزيونية منتظمة لهذه الأفلام.

- العجز الإبداعي الفكري والثقافي الفني، وهو ما يتجلى في السطحية في تناول المواضيع المطروقة، وفي ضبابية الرؤيا الجمالية واختزالها في مسوغات ديكورية أو ذات طابع “استرزاقي” للجماهير غير المؤهلة (التي يحتكم إليها عروبا عدد من المخرجين ظانين أنهم بذلك ينزعون المصداقية عن النقد الرصين)، رغم وجود استثناءات لا يقاس عليها ولا هي معروفة لدى الجمهور الواسع في ظل حرمانها من التواصل معه. من هذه الاستثناءات: فوزي بنسعيدي في جل أفلامه القصيرة منها والطويلة، وومضات من هنا و هناك مثل:(البراق) لمحمد مفتكر، (كازانيكرا) لنور الدين الغماري ، و(السمفونية المغربية) لكمال كمال، وباديس لمحمد عبد الرحمان التازي، ويا خيل الله لنبيل عيوش …

هذه بعض من مآزق السينما المغربية مجتمعة ومدمجة، ونحن نعتقد أن ما تم اتخاذه من اجراءات مؤخرا على مستوى القطاع السمعي البصري عامة، والقطاع السينمائي خاصة، لن يحتاج الكثير من الوقت ليكشف عن مداه الذي نرجو أن يكون عميقا في معالجة هذه الاختلالات البنيوية

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل ““مآزق” السينما المغربية”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب