ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

جرعة الكلام .. اليومية

المصدر:  | 4 أبريل 2013 | رأي |

216165tarrouss-252889396216165.png

ككل صباح يجتمع ثلة من الموظفين السابقين في إحدى مقاهي شارع غاندي، يأتون تباعا وكأنهم في موعد عمل. تكبر الحلقة رويدا، حول مائدة منزوية في عمق المقهى، يكررون عاداتهم القديمة. العناية بالهندام, التناوب على الجرائد المجانية. تصفح العناوين الكبرى, البحث عن كلمات وأرقام ضائعة. اختلاس النظر إلى الأبراج وصفحة الوفيات. التهام الصفحات الرياضية استعدادا للموضوع اليومي الأثير. يحتدم النقاش حول الكرة، يستعيدون حماس الشباب برزانة الشيوخ. يتبادلون الألوان والأدوار والانتماءات، ينتكصون نحو الماضي، يعيشون الأمجاد، يبتلعون الانكسارات. يتظاهرون بالإصغاء ولا ينصتون.

اختلف الأمر هذا الصباح. الجرح جديد، الهزيمة مُرة. الخيبة جاثمة على القلوب، الاستجابة واحدة. لأول مرة تتحد التحاليل والمواقف. يجمع الكل، في كل مقهى، في كل ناد وحومة ودرب، في الصالونات والإدارات، في السر والعلن .. على تعليق الناخب، وصلب جسده في الساحات العمومية، وتأجيل الرقص على إيقاعات السامبا البرازيلية إلى القرون القادمة.

لم يجد أعضاء الثلة ما يضيفون. ابتلعوا ألسنتهم ولاذوا بالصمت. يرفض السي أحمد، كبيرهم، أن يستسلم، أن يطوي صفحة الهزيمة. يرفع رأسه عن الجريدة، يلتفت نحو الأصحاب محرضا: ” لا ينبغي أن نسكت هذه المرة.. أن نجعل من تجرع المرارة وكبت الخيبات سلوكا عاديا.. القضية خطيرة. الجرم كبير. لا بد من محاسبة المسؤولين..” تبادل الصحاب نظرات الاستغراب. رنت كلمة المحاسبة في آذانهم رنينا مزعجا. استجاب السي ابراهيم: ” ربط المسؤولية بالمحاسبة، أغنية شجية. سمعناها وحفظناها واكتفينا بترديدها دون جدوى أو فاعلية. نعين مسؤولا ونحمله مسؤولية عائمة، تفتقر إلى الدقة والوضوح في التحديد. نعجز عن محاسبته ما دمنا لا نعرف أين تبتدئ المسؤولية وأين تنتهي”..

ينفعل خالد بحماس. يصر على رفع الإيقاع : “اتبارك الله عليك أسي ابراهيم. إشكالية عويصة؟ لكنها عامة، لا تعفي، في حالتنا، من تحديد المسؤول عن الهزيمة والإقصاء. من يكون؟ اللاعبون؟ الناخب؟ الجامعة؟ الوزير؟ الحكومة؟ الكائنات الخفية؟ نحن؟..” قاطعه الحاج الفاطمي بنبرة واثقة ” لا ينبغي تعويم الموضوع، والوقوف عند النتائج دون الالتفات إلى المسببات. لن نحقق النجاح لأننا نظل في مستوى السطح. ورثنا نظامنا الرياضي عن المستعمر. تبنينا تصوراته التمييزية والنخبوية. حافظنا على الموروث، وطوينا العقود نجتره ونستعيده. استنسخنا الحكومات، والبرامج والمقاربات. تركنا الهامش ينمو كالأعشاب الطفيلية، وركزنا الاهتمام على الواجهة، وكلما لاح شبح التجاعيد هرعنا إلى العمليات التجميلية.. تكبر الهوة، تزداد الاحتياجات والإخفاقات. تزحف العمارات والغابات الإسمنتية, تفتقر الأجساد إلى فضاءات للحركة، تنكمش في المقاهي، تشاهد، تستهلك..تزدهر تجارة صناع الفرجة، يلهث المسؤولون وراء النتائج، تُصنع الملاحم والأساطير.. وباقي الحكاية تعرفونها” .

أخذ الصحاب على غير عادتهم وقتا للتأمل في ما سمعوه. استسلموا للماضي البعيد. أخذهم الحنين إلى ذكريات الطفولة، تغنى كل واحد ببطولاته وأمجاده الفردية، الحقيقية أو الوهمية، تحدثوا عن المدرسة وملاعبها وأبطالها.. عن العقل السليم في الجسم السليم.. عن بطولات الأحياء، وأبطال الطفولة, استمرت لعبة التذكر زمنا. انتعش الصحاب. خفت حدة الأزمة وأخذت الأمور تعود إلى سابق عهدها. يأبى السي أحمد إلا أن يوقف الزمن، ويعيد الأمور إلى نقطة البداية : ” أعتقد أننا في حاجة إلى الكثير من التواضع. إلى القليل من النقد الذاتي، إلى تحديد المفاهيم والأولويات، وملاءمة الطموحات مع الإمكانات. نحن في حاجة إلى التحكم في ردود أفعالنا. هل تتصورون مدى الإرهاب الذي نمارسه على اللاعبين والناخبين والمسؤولين؟ كيف نحمل فتيانا لا زالوا في حاجة إلى اللعب والمرح والانطلاق مسؤوليات جساما، ونرمي بهم إلى ساحة الملعب مشحونين بالشعارات كما لو أننا في حرب مقدسة لحماية الثغور وتحرير الأوطان؟ كيف نتحول بعد كل هزيمة إلى ذئاب ضارية تبحث عن فدية أو ضحية تصب عليها براكين غضبها، وتفترسها بقسوة ووحشية؟.

بأي حق ننصب أنفسنا حكاما ندين الآخرين ونزكي أنفسنا؟. أطرق الصحاب، أحسوا بحجم المعاناة، أدركوا أنهم ضحايا أنانيات عمياء، أن الكل مسؤول، أن البكاء على خسارة مباراة، أو ضياع بطولة، أو التغني بتحقيق انتصارات خاطفة ليس إلا طمسا للحقائق واحتيالا على الرهانات. أدركوا أن ضمان الحق الطبيعي في الرياضة، لكل المواطنين، هو النواة الصلبة لكل سياسة تنموية حقيقية، منها تتفرع البرامج والمخططات، وإليها تنتهي الأهداف والغايات. تعب الأصحاب من التحليل والنقاش. نسوا ما قالوه. عادوا إلى خلافاتهم، استنفذوا جرعتهم اليومية من الكلام، ثم انصرفوا إلى حال سبيلهم منشرحين.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “جرعة الكلام .. اليومية”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب