ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

قنوات الصرف الصحي

المصدر:  | 30 مارس 2013 | رأي |

215179mayssalastphoto-778469775215179.png

لن أتهم في هذا المقال فقط قنواتنا المغربية رغم تدني مستواها لدرجة أصبحت البرامج كلها كوميدية، حتى الإخبارية منها، لا تنفك تهزأ وتتهكم وأنت تسمع تبجيلات “مصطفى العالوي” للنشاطات الملكية، بجمل لا أحد أصبح يركز فيها لأن لا أحد يفهم معناها من قبيل: “وها هو ذا.. يتحرك على نبراس شعاعات الحضارات المرئية.. يحتفي بخلجات وزغاريد ثروات النفس البشرية.. ليصل الحاضر بالماضي.. وينشد البحر بالوادي.. ويرشف من تلابيب لؤلؤ النبضات العالمية…” ـ بما أن القنوات الوطنية لكل بلدان العالم الثالث وجدت للتبجيل وتدجين الشعوب. ولا أحد ينكر تدني مستوى الأخبار المنقولة بالحرف من الوكالات، حتى الداخلية منها، والاستديوهات العتيقة التي تبدو كأنها مركبة بأوراق كارطونية مصبوغة، بل حتى لباس المقدمات منقول عن المقدمات الفرنسيات، لكن بذوق هابط.. فلو كن يقدمن بالجلباب المغربي لكان أفضل وأرقى لهن حفاظا على ثقافة البلد.

لن أركز كثيرا على الانحطاط الثقافي للقنوات المغربية، فالكل أصيب بتخمة سهرات السبت “ونغمة واتاي” والتجمعات البالية للمثلين والفنانين و”شيخات” القرن 19 اللواتي لا زلن يغنين نفس نغمات سمعتها في الراديو بمنزل “مي لالة” رحمها الله، لا زلن يحملن البندير وشكلهن يوحي بأنهن على بعد خطوات من القبر ـ والعلم لله ـ “ما عرفنا السابق من اللاحق.. الله يكبرنا على طاعة الله”. الكل أصيب باليأس من قنواتنا، وضيوفها من مغنيي الشعبي على هيأة رجال، يرقصون ويتحركون بطرق يصعب على “شكيرا” تقليدها، رجال “قالك”، يحملون المايكروفون بيد ويهللون ويليلون ويزغردون وينشطون الجمهور باليد الأخرى، وكأنهم في خمارة “المولان روج” ببدايات القرن العشرين.

لا يتوقف العهر والانحطاط الثقافي عند قنواتنا المغربية، بل قد تفتح جهاز التلفاز على قناة ثقافية لتغذي معلوماتك وتثقف نفسك ببرامج الطبيعة والحيوانات وأخبار العلوم الحديثة والفضاء وعوالم البحار، لكنك لن تنجو وأنت تتناول وجبة غذائك من أن تشاهد امرأة تغتسل، وإبطا يرش عليه مزيل عرق، ورجلا نصف عار يحلق لحيته ومن ورائه امرأة تداعبه، أو طفلا يتغوط وأمه تغير حفاظاته، أو فتاة تجري بسروال أبيض يبدي ولا يخفي تحاول الطيران بالأجنحة، أو امرأة تغسل بقعا خضراء وصفراء وزرقاء.. حتى تكاد تتقيء فوق مائدة الطعام من فرط الاشمئزاز وهم يحاولون جاهدين غسل دماغك ليزرعوا فيه ثقافة الشراء. ناهيك عن المسلسلات وبرامج الغناء..

كنت قد أقسمت بالله على نفسي أن لا أتابع مسلسل “حريم السلطان”، رغم أن القصة تاريخية وتتحدث عن مرحلة من الخلافة الإسلامية، وقد يتجاوز المشاهد التركيز على قصص النساء داخل “الحرملك” ليستلذ بالتحركات الحربية والعلاقات السياسية لتلك الحقبة، إلا أن الحقيقة المزعجة، التي ستجلب علي وعلى كتاباتي مرة أخرى طنين النحل، شيء في ذلك المسلسل منعني عن متابعته، وهو ذاك الشيء بالضبط الذي نزلت فيه آية: “وليضربن بخمورهن على جيوبهن”. نعم، هو جيوبهن. فالفرجة مع الزوج في جيوبهن مستحيلة، لا بداعي الغيرة من، بقدر ما هي بداعي الغيرة على، فإن لم يملك الأزواج من التقوى والتقاة ما يمنعهم من فتح أفواههم في تلك المنطقة الجغرافية، دور المرأة يحتم عليها إغلاق جهاز التلفاز أو تكسيره، إلا إن أقنعها بأنه مهتم بالمنطقة الجغرافية للإمبراطورية العثمانية، وأنها أجمل منهم، فاقتنعت، حينها سأدعوها لقراة قصيدة “لافونتين” الثعلب والغراب. ثم أن جلسة مع الوالد والأسرة أيضا مستحيلة، فإن كان الأب لا يخجل والأخ لا يهتم، فالبنت والأخت لها من الحياء ما يجعلها تغادر المكان.

أقسمت على نفسي أيضا أن لا أتباع برنامج “معبود العرب”، أو “عرب آلذل والمهانة” وشبيهاته من برامج المسابقات الغنائية.. تلك الأرقام المهولة للشباب المشاركين تنذر بشيء غير سوي في تربية هذا الجيل وفي ثقافة هذا المجتمع. كيف أصبح حلم كل هؤلاء الشباب هو الغناء؟ بل كيف أصبح الغناء منفذا من الدراسة والبحث عن وظيفة؟ أو ربما السؤال الحقيقي، في أي زمان نعيش نحن، حيث المغنيون والقينات هم أشهر وأغنى وأنجح فئة عاملة على وجه البسيطة. متى أصبح الفن الهابط ملاذا وحلما وهدفا وأصبحت الدراسة إرهاقا والعمل كلمة تتوسطها الرشوة والوساطة.

حتى قنوات الصرف الصحي الإخبارية، التي تعتمد على نشر جزء من الخبر وحذف الآخر، وتبطين الحقيقة بالدجل، لغسل أدمغة الشعوب وتهيئها لاستقبال قرارت السياسيين مهما كانت ضد مصلحة الشعوب، ليحموا بها رؤوس أموال ومداخيل وأرباح مصاصي دماء الموار البشرية، لم أعد أتابعها، حماية لعقلي من الغسيل، حماية لميزان الحق والباطل من أن يميل، حفاظا على تفكيري من البرمجة والتخدير.

التلفاز كان ولا زال جهازا لترويض الشعوب وتربيتها، حين غابت الأم المربية من البيت. وجد كوسيلة اتصال واستخدم كسلاح فتاك لتربية الأجيال على الاستهلاك والصمت. ما يبث أوسخ وأضر على الإنسانية مما يمر بمجاري الصرف الصحي وسمومه أدهى وأمر.

www.facebook.com/elMayssa

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “قنوات الصرف الصحي”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب