ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

رِجْل من بلاستيك

المصدر:  | 28 مارس 2013 | رأي |

213991samirbenhatta-823096290213991.png

حين دخل مركز صناعة الأطراف البشرية وتأمل مليا في الأرجل البلاستيكية المعروضة خلف الزجاج، شعر بأسى “رقيق” يجتاح قلبه اجتياحا. كان الأسى يستولي على جوارحه ويجتث من صدره كل الأحقاد والأنانيات.

جلس ذاهلا عن كل شيء يمعن النظر في الأرجل والأيدي “الأنيقة” خلف الزجاج “اللامع”. كانت الصور الملونة تملأ الطاولة أمامه. تناول “الكاتالوغ” وراح يقلب صفحاته باحثا عن “الأرجل الصناعية”.

– “هاديك راها سلعة مزيانة..”

التفت فإذا هي امرأة تنتظر إلى جانبه. قالت المرأة إنها جاءت إلى هذا المركز في مهمة خيرية. تحدثتْ طويلا عن الصحة التي “تغدر” بصاحبها فتذكر أغنية راي حزينة (الصحة يا عدوة مولاها).

- ولد أختي مريض مسكين، حنا لي مكلفين بيه.

تذكر صاحبنا، وصوت المغني يصدح في أذنيه، كل أولئك الذين لم يجدوا “خالات” لهم يتكفلن بهم، كل أولئك الذين يتعايشون كل يوم مع الفقر والمرض والإعاقة، يمشون على بطونهم زحفا أو على وجوههم، لا يهم.. هنا، يا صاحبي، يلزمك 18 ألف درهم لكي “تشتري” رجلا من بلاستيك..

ابتسم في خاطره. هذا ما يملك.

دخل “الورشة” وجلس ينتظر الصانع الشاب الذي ابتسم في وجهه ليزيل عن قلبه وحشة الإحساس بأن المكان “معمل لصناعة الأرجل”. لا يعرف الشاب الطيب أن صاحبنا عاش عشرين سنة يشد رجله إلى قضيبين حديديين صنعتهما يداه.

أيام صعبة صهرته فيها المعاناة في بوتقة الألم الجسدي الفظيع. (يقول ذلك ولا يجزع ويحمد الكريم على نعمه وأفضاله). كان القضيبان ينكسران، يا للعجب، أيام الامتحان، فيضطر إلى “لحم” الحديد ب”قطع الثوب” حتى يمر الامتحان بسلام ويقضي الله أمرا كان مفعولا !

كان الصانع الوديع يتودد إلى صديقنا وهو يأخذ مقاسات رجله. رأى الحمرة تعلو وجهه فحدس أنه على غير ما يرام. لف رجله بثوب أبيض ثم شرع يدهن الجبص عليها طبقات فوقها طبقات. نزع رجله من “القالب” الجبصي وقال:

- غدي نخدمها على هاد القالب.

شعر صاحبنا أن جوفه يغلي ودموعه تكاد تنفجر على خديه. تمالك نفسه. لم يستطع. شعر بالدمعة ساخنة تهوي على خده. مسحها دون أن يثير انتباه أحد. آه، لكم أشفق على نفسه ساعتها: يا الله كم ذا عانى قبل أن يدخل هذا المكان؟..

فكر، برغم براكين الألم التي كانت تضج في دواخله، أن المعاناة تجعل البشر أقرب إلى تحقيق إنسانيتهم. تذكر كل أولئك الذين لم يترددوا في الوقوف إلى جانبه حين كان أحوج ما يكون إلى ذلك. ود، لحظتها، لو أعطاهم نصف عمره، عمره كله، ومضى غير نادم على ما أعطى.

“من دابا أسبوع تكون واجدة”، قال له الشاب الصانع.

تمدد الأسبوع وتمطط.. كان يقضي أوقات فراغه، رفقة زوجته، هائما في الأسواق والمحلات التجارية وحيثما اتفق. وبدت الأيام بطيئة تتعثر في أذيالها لا تريد أن تمر.. ثم جاء اليوم الموعود.

“بالصحة، ها أنت، قيس بعدا”، قال له الشاب.

“لبس” رجله الجديدة. تقدم خطوتين ثم استدار. تماما كما يفعل نجوم السينما وعارضو الأزياء. سحب من خلف ركبته سلكا مستديرا نحو الأسفل فانثنت رجله. وجلس للمرة الأولى منذ عشرين سنة دون أن يضطر إلى مد رجله غير قادر على ثنيها بسبب القضيبين الحديديين.

ومثل العربي الدغمي في فيلم “ابراهيم ياش” خطر، مسرعا، بعرجته في الشارع الطويل الممتد وهو يصيح غير آبه بمن حوله : (ووووو.. حصلت أخييييرا على رجل من بلاستييييييك.. !)

ملحوظة: هذه القصة حقيقية.. لا أحكيها للعبرة (كما يقال) ولكن ليعرف المسؤولون أن حياة المعاقين جحيم لا يطاق دون قوانين تحمي وتكفل وترعى.. ولوزارة السيدة الحقاوي واسع النظر.

للحكاية بقية إن كان في العمر بقية.. مع مودتي.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “رِجْل من بلاستيك”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب