ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

النخبة المغربية التي أوصى “ليوطي” بتكوينها سنة 1920م

المصدر:  | 23 مارس 2013 | رأي |

210780drisskaram-755287065210780.png

هناك من يحلو له الحديث عن كون المغرب مبصوم بفكر وتصور المقيم العام “ليوطي” على مستويات مختلفة، وهو محق في ذلك إذا ما انطلق من التقرير الذي بعث به إلى وزارة الخارجية الفرنسية في 20 دجنبر 1920م، على إثر المطالب الإصلاحية المقدمة إليه من طرف الوطنيين سنَتَها؛ والتي أشار إليها في جريدة “الحياة” عدد:40/13 دجنبر 1934م بقلم محمد المكي الناصري الملقب بالشيخ فيما بعد، والذي سيقوم هو نفسه بترجمة ذلك التقرير بصفته عضو كتلة العمل الوطني ومدير حركة الوحدة المغربية، وطبعه في المطبعة السلفية بالقاهرة سنة 1357/1938م، معتبرا أن التقرير السالف ذكره يحدد ماهية السياسة الأهلية، التي يجب اتباعها تجاه المغاربة، حتى لا يفلت الزمام من يدها.

نص التقرير

قال “المارشال”: هذا هو الوقت المناسب لإلفات النظر من جهة إلى السياسة الأهلية، ومشاركة العنصر الإسلامي في الشؤون العامة، فواجب أن نلاحظ حالة العالم على العموم، وحالة العالم الإسلامي بالخصوص، وأن لا نترك الحوادث تسبقنا.. وإذا كانت عزلة المغرب ورزحه تحت الاستقلالية العنيفة، قد وضعتا بينه وبين بقية العالم، حاجزا لا ينفذ منه شيء أثناء عدة قرون، فإن ذلك الوقت قد مضى وانقضى.. فقد وجدنا هنا حقيقة: “دولة” و”شعبا”.

نعم إن هذا الشعب قد مرت عليه أزمة اجتماعية، وإذا كان المخزن لم يصبح وقتئذ إلا واجهة، فإنه على الأقل كان لا يزال قائما، ويكفي أن نصعد بضع سنين، لنجد حكومة مغربية فعلية قائمة لها في العالم شكل دولة، مع وزراء كبار، وسفراء عظام، ذوي علاقات مع رجال الدول الأوربية، بينهم كثيرون يعيشون إلى الآن، وتعيش ذكراهم دائما وأبدا.

على أن أكثر المؤسسات “المغربية” كانت عند وصولنا لا تزال قائمة، وهي مع اختلافها حسب النواحي، تمثل حقائق واقعية، ..وفوق ذلك وجدنا طبقة ميسورة، متنورة، غنية، قوية؛ الأمر الذي لم يوجد له شبيه في الجزائر، يضاف إلى ذلك أن عامة الشعب سليمة من الجمود المعتاد عند مسلمي الشرق، فهي عاملة نشيطة ظامئة إلى المعرفة، قابلة للتجديد، متمسكة بالأرض والملكية والفلاحة، ومن هذا البيان الموجز، يظهر أن الأمر ليس أمر سكان بدائيين متوحشين، بل إن الشعب المغربي هو أكثر شعوب شمال إفريقيا استعدادا وقابلية للتجديد.

ولا يوجد بلد يدفع فيه ثمن الجهالات والمناورات الفاسدة بسرعة وبغلاء مثل المغرب.. ومن الخطأ العظيم والوهم الشديد، الاعتقاد بأن المغاربة لا يحسبون حسابا لإبعادهم عن الشؤون العامة إبعادا تاما، ومن هنا إلى اليوم الذي يطالبون فيه بحقوقهم، ويعلنون ميولهم العدائية، لم تبق إلا خطوة واحدة، وسيعرفون شيئا فشيئا قيمتهم وقوتهم، فليسوا متوحشين ولا جامدين، بل عندهم لهفة كبيرة على معرفة ما يجري في العالم.. وتتكون بينهم شبيبة تريد أن تحيى وتتعلم، وحيث أن إدارتنا لا تعطي لهذه الشبيبة من المراكز إلا أشدها هزالا وفي أحسن الأحوال ثانوية جدا، فقد أخذ شباب المغرب يبحثون عن طريق آخر، فأحيانا يتصلون بهيئات أوربية مستعدة لاستقبالهم والانتفاع منهم بقصد المعارضة، وأخيرا ها هم يضمون شملهم، ويوحدون جبهتهم ليعلنوا مطالبهم، مثل ما حدث في شهر يونيو الفارط، عقب خطاب مؤسف ألقاه “المسيو كيو” رئيس الغرفة الفلاحية للشاوية حيث طالبونا بصحافة حرة، وإصلاحات في التعليم الخ.

ويمكن التيقن التام أنه تتكون حركة فكرية على وشك الظهور، وأنه توجد اجتماعات سرية عدائية وتعليقات على الحوادث العالمية وعلى حالة الإسلام بالخصوص، وأن كل ذلك سيبرز وينفجر في يوم من الأيام، إذا لم نهتم به ولم نقبض على زمام الحركة.

أنا أعلم جيدا ما هي الصعوبات العملية في هذا الموضوع، ومن المفيد التذكير بها هنا؛ أولا: إن الإدارة المباشرة لاصقة في جلدنا نحن الموظفين القادمين من فرنسا والضباط القادمين من الجزائر، ولأجل تنظيم العلاقات الإدارية مع الأهالي يلزم كثيرا من الصبر ولزمن طويل بسبب اختلاف العقليات وعادات الشغل، وميل إداريينا إلى اعتبار المغربي من سلالة سفلى والنظر إليه بصفته كما لا يستحق سوى الإهمال.

(لذلك) ينبغي إعداد جيل جديد للقيام بوظائف الحكومة.. ومنذ الآن يوجد في العائلات المخزنية وفيما حولها شبان ذوي ذكاء وطموح يتكلمون الفرنسية، ويحسن استخدامهم إذا لم نرد أن يذهبوا في اتجاه آخر فيه ضرر كبير لنا، وأن هناك قوات كثيرة ضائعة مهملة.

وأوجه ندائي إلى كل المديرين طالبا منهم البحث عن أولئك الشبان ليستخدموهم معهم.. ومنذ أربع سنوات (1916م) دعوت إلى قبول موظفين متمرنين في مختلف الإدارات من خريجي المدارس الثانوية الإسلامية، لكن دعوتي بقيت حبرا على ورق.. لأن هناك بغض وجمود لا بد من التغلب عليهما..

وأما التعليم فبواسطته يمكن أن يتم العمل الأكثر عمقا، والأشد تأثيرا، في تطور الفكر المغربي الجديد، وإن في هذا الميدان لشغلا كبيرا يلزم الاعتناء به حينا، لأنه أهمل غاية الإهمال، فبواسطة المدارس وحدها يمكننا أن نهيئ النخبة المتأهلة للمشاركة معنا، ونكون العنصر الحي والأهم في موظفي الحماية..

وعندما نمرن النخبة على الاشتغال معنا، والاعتماد علينا.. سنكون أقل خوفا عليها من أن تتطور في اتجاه مخالف لما نريد، أو تخضع لمؤثرات خارجية وإيحاءات ثورية، ولن يكون هناك موجب قلق من صدور بعض الجرائد أو المجلات العربية الحرة، لكن تكون مسيرة من جانبنا ومراقبة منا.. مع الاعتراف بلزوم التحفظ التام والاحتياط العظيم في هذه النقطة.

وعلى خلاف الجزائر وتونس، نحن هنا دائما في حرب قائمة، فثلث البلاد لا يزال عاصيا يحاربنا، وهذا الثلث يحتوي أشد الأهالي اعتزازا وشجاعة، متحصنين في الجبال، لهم روابط مع الخاضعين لنا، يظهرون أمامهم بامتياز المحافظة على الكرامة والاستقلال ومقاومة النصارى.. وهذا ما يمنعنا من السماح بصحافة أهلية ورفع الإدارة المباشرة.. لكن الذي يجب الاقتناع به، هو أن ظروفا جديدة تنشأ وتهدد..

ولا ينبغي أن نؤخذ على غرة، ولن يقبل عذرنا إذا استسلمنا للنوم في المغرب. فأحسن مهدئ مؤقت هو إعطاء النخبة المغربية في أقرب وقت ممكن وسائل للتطور في دائرة تقاليدنا، والقيام إزاءها مقام الوصي أو الأخ الأكبر، المحسن الذي ترى من مصلحتها أن تبقى مرتبطة به، وهكذا نستفيد من أن تكون صلتنا بها ليست منقطعة ولا فارغة، وإنما ستكون صلتنا بأمة سيتم تحريرها تحت وصايتنا وبفضل توجيهنا، ولنفس مصلحتنا.. انتهى.

تلك هي التوجيهات العامة التي رفعها “ليوطي” إلى حكومته، فهل تم تنفيذها؟

لنترك القراء يردون على ذلك من خلال الواقع اليومي، على مستوى الإدارة والاقتصاد والاجتماع والأهواء والأدواء، ترى من يستطيع التغريد خارج سرب الفرانكفونية؟

ومن يقول إن فرنسا عندما غزت المغرب قادت حملة تطهير عرقية، أفشلتها المقاومة المسلحة التي تحدث عنها “المارشال”، وإنها لم تجد الشجاعة الكافية لا هي ولا محميوها الجدد من القول بأن المغاربة حرروا فرنسا مرتين في حربين كونيتين، وأطعموها عندما أصابتها المجاعة من جراء تلك الحربين، وشغلوا مصانعها، وأقاموا بناياتها، وكان المغرب ملجأ لقادتهم وحركة مقاومتهم.

فهل سيعتذر قادتها اليوم بعد قرن عن المذابح التي ارتكبتها جيوشهم في المغرب؟

وهل على الأقل يقولون كلمة حق حول الأراضي التي انتزعوها من المغرب منذ بداية القرن إلى استقلال المغرب، وضمها إلى الجيران، اعتقادا منهم أنهم سيبقون هناك بالحديد والنار؟ـــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث في علم الاجتماع الديني والثقافي، وعضو اتحاد كتاب المغرب، وعضو الجمعية المغربية لعلم الاجتماع، وعضو الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وعضو رابطة علماء المغرب.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “النخبة المغربية التي أوصى “ليوطي” بتكوينها سنة 1920م”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب