ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

التماسيح والعفاريت وشرف السياسة

المصدر:  | 15 مارس 2013 | رأي |

206287drissganbouri-327491024206287.png

يقال إن الغموض في السياسة عنصر ثراء، وبالطبع المقصود هنا ثراء الخطاب السياسي، وعادة ما يلجأ رجل السياسة إلى الغموض لأنه مصدر جاذبية للآخرين، ولذلك ينسب إلى نابليون بونابارت أنه قال مرة: “في السياسة لا يشكل الغموض عقبة”. ومن تقنيات الغموض السياسي نحت المصطلحات، وهي مهمة هدفها التلبيس على العامة، ولذلك يتسابق رجال السياسة في اختيار الكلمات والألفاظ التي يتدربون عليها، ويحاولون تكرارها في كل مرة لكي ترسخ في أذهان الناس. ويمكن تشبيه السياسة الجماهيرية بالشعر، فكما أن”أعذب الشعر أكذبه” كما قالت العرب القدامى، فإن “أعذب”السياسات هي تلك التي تبيع الأوهام للناس، أي تلك التي تعدهم وتمنيهم، وهاذان الفعلان مقترنان في القرآن بالشيطان، لكن التشبيه ليس مصطنعا، فحتى في الشعر كان العرب يقولون إن له شياطين يوحون إلى الشعراء ما يقولونه، ولذلك قال شاعرهم:

إني وكل شاعر من البشرشيطانه أنثى وشيطاني ذكر.

وقد دخلت عبارة”التماسيح والعفاريت” التي دأب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران على تكرارها سجل العبارات السياسية التي ستبقى طويلا، والأرجح أنها ستبقى فقط من باب التندر. لكن إذا كانت أفعال العقلاء منزهة عن العبث، كما يقال، فينبغي التعامل مع مثل هذه العبارات المسكوكة بنوع من الجدية التي يقتضيها تحليل ممارسة السياسة في المغرب، فهي عبارة سياسية يقولها ويرددها رئيس حكومة، ولذلك يجب التعامل معها سياسيا لا بوصفها عنصر تندر أو ممازحة، لأنه لا عبث في السياسة. وبمعنى آخر ـ وعودة إلى بدء هذا المقال ـ يجب الكشف عن المردود السياسي لهذه العبارة، أي عن الثراء الذي توفره للحكومة الحالية، والكشف عما إن كانت تحاول من خلالها التغلب على العقبات، كما يقول نابليون.

لا شك أن الحكومة الحالية قد جاءت في ظرفية دقيقة يجتازها المغرب، حيث انتشر الفساد حتى خرج الشارع يجأر بالشكوى، ولذلك فإن حجم الطموحات التي ألقيت على عاتقها من قبل الناخبين كان كبيرا، وربما كان أكبر من قدرتها على الإنجاز. وهو أمر مفهوم لأن المشكلات الحاصلة تراكمت طيلة عقود ومن الظلم تكليف الحكومة بما لا تطيق في مدة زمنية قليلة، فما قامت به حكومات متوالية على مدى عقود يستحيل أن تنهض به حكومة واحدة. كما أنه من المفهوم أيضا أن السبيل أمام أي حكومة تريد الإصلاح لا يمكن أن يكون ممهدا، طالما أن هناك دوائر قوية تسعى إلى المحافظة على امتيازاتها، في بلد اعتاد على الريع الاقتصادي والسياسي والثقافي ولم تترسخ فيه المواطنة بالشكل الكافي. فطيلة العقود الماضية ظل المواطن محجوبا عن الديمقراطية، باعتبارها حرية في الاختيار، ولذلك ظل ناقص المواطنة، لأن النقص في الديمقراطية نقص في المواطنة.

بيد أن تقدير الظرفية السياسية لا يعني التسامح في ممارسة حق النقد اتجاه الحكومة، ذلك أن ما بات يلاحظ، ومنذ مدة طويلة، أن رئيس هذه الأخيرة انحرف بمعدل مائة وثمانين درجة عن تعهداته لدى بداية توليه مهامه قبل نحو عامين. فقد كان تعهد على سبيل المثال بمكاشفة المغاربة ومصارحتهم كلما كان ذلك مطلوبا، وكان من المتوقع أن تتحول الجلسة الشهرية إلى مناسبة لمثل هذه المكاشفة، ولكنها بدلا عن ذلك أصبحت موعدا للفرجة بسبب خطابيات رئيس الحكومة وعنتريات المعارضة. وبدل ما كان منتظرا من الوضوح أصبحنا نغرق أكثر فأكثر وسط الغموض الذي وجده الكثيرون في الحكومة الحالية أداة للتلويح بالحجارة في وجوه الآخرين كوسيلة أنجع لمنعهم من رمي الحجارة اتجاهها، وهكذا وجدنا أنفسنا لأول مرة في تاريخ المغرب أمام أول حكومة تعارض كل شيء ويتضخم لديها خطاب المعارضة على حساب خطاب المسؤولية.

يعود الصدام بين الحكومة والإدارة إلى رئيس حكومة التناوب التوافقي في نهاية التسعينات، الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، فقد كان أول من استعمل عبارة”جيوب المقاومة” للدلالة على العراقيل التي كانت تواجهها حكومته. ولكن العبارة التي استعملها اليوسفي كانت أقرب إلى المعجم السياسي الصرف، كما أنه لم يتوقف عندها طويلا ولم يكررها سوى مرة أو مرتين طيلة مدة توليه المسؤولية على مدى خمس سنوات. وقد كان مفهوما أن يستعمل اليوسفي وقتها عبارة واضحة مثل هذه، بالنظر إلى الشروط السياسية والدستورية التي كانت قائمة، وهي شروط أقل بكثير مما هي متوفرة اليوم بالنسبة للحكومة الحالية، التي تشتغل ضمن إطار دستور متقدم وتتوفر على دعم ملكي وتأييد شعبي.

مقارنة مع عبارة اليوسفي الشهيرة، نجد أن عبارة”التماسيح والعفاريت” التي يستعملها عبد الإله بنكيران في جميع تصريحاته الرسمية أو غير الرسمية لا تمت بأي صلة إلى قاموس السياسة، وبعكس ما قد يتوهم الكثيرون فالظاهر أن تلك العبارة مختارة بعناية لأنها تتيح دغدغة عواطف الناس وتحفيز مخيلاتهم، أو أنها اختيرت اعتباطا ثم ظهرت فائدتها فيما بعد، إثر التأكد من نجاعتها ومردودها السياسيين على المديين المتوسط والبعيد، ذلك أن تكرارها المستمر والإلحاح عليها في كل مرة يجعل مثل ذلك التوظيف غير بريء. فهي من جهة توفر مناخا من الغموض في الذهنية العامة، يمكن للحكومة أن تملأ فراغاته بالطريقة التي تريد متى أرادت، وهي من جهة ثانية تسمح لها بأن تبرر إخفاقاتها. ذلك أن تعليق التهم على”التماسيح والعفاريت” يعطي نوعا من المرونة لخطاب الحكومة في التبرير، لأن التلويح بهذه الإشارات الغامضة أكثر راحة بكثير من التصريح والمباشرة الذين يكلفان الحكومة استثمارا سياسيا باهظا، كما أنه في نفس الوقت يضيق المساحة التي يمكن أن تتحرك فوقها المعارضة.

لا يمكن نكران ما في هذا الاختيار من ذكاء، بيد أن المشكلة هنا مطروحة على مستوى وضوح المسؤولية لا حول قياس درجة الذكاء، وغياب المسؤولية بتوظيف عبارات غامضة مثل هذه فيه نوع من عدم التوافق بين خطاب هذه الحكومة وبين المناخ السياسي الجديد. ذلك أن المسؤولية تقتضي مجابهة الحقائق وإطلاع الرأي العام بها، عوض عن اللجوء إلى عبارات تقول كل شيء ولا تقول شيئا في وقت واحد.

يتمثل ذكاء الحكومة الحالية، أو بالأصح الحزب القائد لها وهو العدالة والتنمية، في أن هذا الأخير بات يتوفر منذ الآن على ورقة انتخابية يستعملها من فوق منبر الحكومة، للتأكيد على”المظلومية”. فمن السهل غدا التقدم أمام الناخبين وعدم تقديم الحساب والتذرع بأن جميع الإخفاقات يقف وراءها “التماسيح والعفاريت”. ونلاحظ اليوم أن مثل هذا الخطاب التبريري يسير بالتوازي مع السياسة التدبيرية للحكومة، إذ تتحول أي جلسة برلمانية لمحاسبة أداء الحكومة إلى مناسبة للتذكير بتلك العبارة.

غير أن أخطر ما في هذا التوظيف هو أنه يتحول إلى شبه محكمة تفتيش سياسية لمصادرة حق الآخرين في النقد، وهو خطاب جديد لم يُعتد مثله في الحياة السياسية في الماضي، إذ أصبح من المعتاد اتهام أي شخص ينتقد الحكومة الحالية بأنه “يعمل لجهات معينة” أو”يدافع عن الفساد” أو”ينفذ تعليمات” أو”يشوش على الحكومة”، وهو سلوك خطير وغير سليم لأنه يستخدم التعميم والتعمية والتلبيس، كما أنه في نفس الوقت يعتبر عدم اعتراف بالمعارضة ودليلا على النزعة التسلطية والتشكيك في الآخرين. وإذا كانت الحكومة الحالية ـ وأساسا حزب العدالة والتنمية ـ لديها خصوم سياسيون فمن باب المسؤولية تسمية هؤلاء الخصوم بدل توظيف موقعها لتصفية حسابات سياسية قديمة، لأن الغموض إن كان عنصر ثراء، فهو ليس شرفا في السياسة.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “التماسيح والعفاريت وشرف السياسة”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب