ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

حكايات على هامش الوطن

المصدر:  | 23 فبراير 2013 | رأي |

192339imadstitounew-464747052192339.png

سنة أخرى مضت من عمر هذا الوطن منذ ذلك الحلم الجميل الذي بدأ قبل سنتين ، لا يزال كل شيء ثابتا في مكانه ،المقهى الشعبي ضاج بالبسطاء يشربون قهوتهم السوداء ويدخنون سجائر رديئة ،غير بعيد عنه يحتضن المقهى البرجوازي ثلة من القوم المحترمين يناقشون مشاريعهم المقبلة،سائقو سيارات الأجرة لا زالوا يشتمون كل شيء ويحكون أي شيء، الحانات على أشكالها عامرة، الجوامع غاصة أيضا بالمؤمنين الأوفياء .. الناس يموتون بالبرد والمينانجيت، السياسيون يتنازعون حول الظهور،يسبون بعضهم البعض في البرلمان أثناء البث المباشر ويتصالحون بعد انقطاعه، رئيس الحكومة مستاء من المشوشين..رجل الأعمال نفسه يستغل ذات المقلع منذ زمن الاستقلال ويتبجح بذلك، نفس الوجوه تقدم نشرة الأخبار الرئيسية في التلفزيون العمومي،الصحافة المستقلة تكتب بحذر عن كل شيء،الصحفيون يكتبون على جدرانهم في الفيسبوك أكثر مما ينشرون في جرائدهم ،الرياضة لازالت تخفق،الموسيقى السلطانية تحتل المشهد والقبح يطبع الإنتاجات السينمائية والمثقفون ينظرون في الصالونات والبارات، الطلبة يقاطعون الامتحانات في الجامعات، حوادث السير تتضاعف..شهية جرائم القتل مفتوحة على الآخر،الدولة ترسل مساعدات إلى سوريا ومالي، الأسعار مرتفعة والإضرابات متصاعدة في جميع القطاعات..، السماء متجهمة والأجساد المنهكة تركض طول النهار من أجل تحصيل لقمة عيش مرة،القطار مليء بالحكايات الحزينة والأوهام ، السياح يقصدون مراكش بحثا عن لحم بشري بريء..المساحات الشاسعة لهذا الوطن تباع أو يتم وهبها للأمراء العرب الأشقاء،الأجنة يوضعون على عتبات مستشفيات مهترئة.. العاطلون يحكون ضربات الهراوات على أجسادهم الهشة،المدن الفقيرة توضب حزنها وبطالتها، ليل المدن الصاخبة يلفظ الأثرياء من الكازينوهات،القضاء العادل يقول كلمته بحزم كما هي العادة، المرفق الثقافي التاريخي تحول إلى باركينج لسيارات شركة خاصة … الوطن جميل جدا هاته الأيام والجميع يحاول حل كلماته المتقاطعة.

المناضل الثوري الخمسيني في الحانة القديمة يدفن حلما جميلا وجعته تقاوم المحسوبين على الجهتين حد الثمالة، يتصل برفاقه في المقر البئيس لحزبه ويسأل عن الاجتماع الأسبوعي، لا شيء،لم يحضر أحد، الرفاق يائسون، محبطون وربما فقيرون جدا،يغلق سماعة الهاتف ثم يطلب بيرة جديدة وأخرى .. إلى أن يسأله النادل المغادرة بعد أن تطفأ كل الأنوار..، في التظاهرة الأسبوعية تختار زعيمة الحزب مكانا مناسبا في الصفوف الأولى حتى يشملها عطف المصورين وهي ترفع شارة النصر، بعد نهاية التظاهرة يعود الثوري إلى نفس الحانة ويختار ذات الطاولة مجددا وهو يلعن رفيقا آخر في الحزب، رفيق فاسد يستفيد من فيلا فاخرة بشكل غير قانوني ويسيء إلى سمعة الحزب الذي ضحى بكل شيء من أجله ..، قيادة الحزب تجتمع ولا تتخذ قرارا في الموضوع،تكتب عوض ذلك بيانا حربيا لا يقود لا إلى الثورة ولا إلى الإصلاح، يرن الهاتف ،على الجهة المقابلة مناضل شاب في نفس الحزب الثوري يسأل المناضل المجرب عن مكان تواجده .. يلتحق المناضل الشاب بالثوري من الزمن القديم وينخرطان في شكوى خمرية، الفتى العشريني مستاء من الحجر الذي تمارسه القيادة على أفكاره ومن وسائل الاشتغال العتيقة،الشاب مل من اللقاءات الفاشلة المكررة ومن المبادرات التي يتم وأدها في المهد ..كل شيء يشي بالاحتضار،كل شيء يموت واليأس يستبد بالجميع،الأمل الذي بناه تحطم على صخرة عقول متحجرة،لم يعد يعرف أي استبداد وفساد يصرخ ضدهما اليوم،اختلط عليه كل شيء،وحدها الجعة من تفقدهما جديتهما وتذكرهما أن هناك متسعا من الوقت ليعودا غدا وبعد غد لاجترار نفس المواضيع، لهما كل الزمن فالاجتماع الأسبوعي لن يعقد والقيادة ستصدر نفس البيان تقريبا والرفيق الفاسد سيستمر رفيقا رغما عن أنفهم ومبادرات الشاب سترفض من جديد بدعوى قلة الإمكانيات والأولويات، فلا حاجة لملأ كل هذا الفراغ اليوم،فليكن لهما لقاء غدا كما يقول نشيد الرفاق، في الغد لم تمض سوى دقائق،رن الهاتف ،كلمتان فقط وانفجرا دموعا،مات أيمن ،مات أيمن ..رحل الرفيق دون وداع،رحل عن كل المقرات وترك نقاشات صاخبة كانت في الانتظار بكامل غنجها،آه ذهب أيمن .

في التلفزيون يذكر مقدم النشرة بأن نشرة اليوم استثنائية لأنها ذكرى وفاة شخص ما،عيد وطني أو ما شابه،اختلط علينا كل شيء هذه الأيام،منذ أربعة عشرة سنة وهم يحتفلون، احتفالاتهم لا تنتهي أبدا،حتى في الموت نحن لا نتشابه،الله هذه الأيام يعاقبنا لأنه يجبرنا على كتابة كم كبير من المرثيات،حينما نشعر باليتم يرتفع صوت المعلق في التلفزيون ليطمئننا أننا لسنا وحدنا ..هناك روح خالدة في نعيم الجنة تحرسنا خوفا علينا من الضياع،روح تراقبنا منذ أربعة عشرة عاما،تحمي الفقراء من بطش الأغنياء ، تحرص على العدل بين الناس، روح طاهرة وعفيفة ..،لا أعرف لماذا لا تعود أرواح موتانا أيضا ،لماذا لا يتحدث عنها المذيع في التلفزيون ..ألم تكن أرواحا نقية ؟،لماذا لا يتكلم عن روح أيمن ؟،أيمن كان إنسانا جميلا وحكيما وقريبا من المحرومين ويدعو إلى العدل أيضا، ادريس أيضا كان صادقا ويقدم نصائح لحماية الوطن من الضياع ..لماذا لم نسمع عنهم في التلفزيون؟،ربما لم يأخذهم الله إلى الجنة .

علبة ليلية جديدة فتحت أبوابها قبل أكثر من سنة،فريدة من نوعها لأنها تفتح أبوابها نهارا فقط ،لا يحتاج مرتادوها لأن يثملوا لينبسوا بكلام غير مفهوم،يمكنك أن تسترق شيئا من الوقت لقيلولة،يمكنك أن تسمع ضربا قويا على الطاولة ، الزبائن يتجادلون بخصوص شيء ما، شخص بلحية كثيفة وبذلة من دون ربطة عنق يقول كلاما لا تستطيع التعرف عليه، يتحدث عن الحيوانات ثم عن قنينة الغاز وبعدها عن رجال الأمن الذين يتم الاعتداء عليهم وعن وجوب احترام شخصه وهلم جرا من الحكايات ..،صاحب البار يقول إنه زبون يأتي كل شهر فقط ويكرر نفس الكلام كل مرة ويقول إنه رئيس شيء ما لا يعرفه المالك لكنه ربما يكون شاهده في التلفزيون،ذاكرة المالك تحتفظ ب كلمات من قبيل “تماسيح “، “عفاريت، ” “حكومة “، “إصلاح”، “دستور” ، الخدمات الترفيهية لهذا المكان الأنيق لا توفر “راقصات للتعري” لكن تحديا نشب قبل أيام بين نفس الشخص وشخص آخر كاد يتحول إلى شجار جعل الآخر يبدأ في نزع ملابسه قبل أن يهدئه جمع من أصدقائه ، انتهت محاولة الستريبتيز الرجالي بمصالحة بين الرجلين.

من ورشة ميكانيك إلى مركز تحقيق،اعتذار لسيد مهم مكتوب بقبلة مرة لحذاء متسخ،الوطن يعتذر لأنه أخطأ العنوان،هنا لا تباع الكرامة، الكرامة حشيش ممنوع،للفقير المسكين أسرة عليه أن يعيلها،عليه أن يطعمها من علقم الذل والإهانة ، عليه الانحناء من أجل التقاط كسرة خبز من تحت أقدام خشنة تدهس كل شيء،تلك الروح الطاهرة كانت مشغولة هذه المرة،الرقم الذي تطلبونه غير موجود،الإنسان على هذه البلاد استقل طائرة خاصة وغادر إلى جزيرة معزولة،الميكانيكي سيعود إلى ورشته ،سيكون أكثر احتياطا هذه المرة فالأحذية الملوثة كثيرة جدا ، السيد المهم عاد إلى مكتبه، غدا يوم جميل آخر .

في المقهى، اهتز الجميع، برشلونة خسرت أمام ميلان في كرة القدم،صديقة على الفيسبوك تبعث لي دعوة للترحيب بأبطال مسلسل تركي،اتصال هاتفي من شمال البلد: ألو.. قتل مغربي كان يجاهد في سوريا ضد نظام الأسد الكافر ..،محكمة استثنائية تحاكم الجنوبيين،المغني مازال في السجن بسبب أغنية،شرطي المرور يوقف سيارة فخمة على جانب الطريق ..يطلب من السائق أوراقه للتحقق منها يعيدها إليه ثم يسلم عليه بحرارة،ينتظر قليلا ويتخلص مما في يديه ويضعه في جيبه ،ابنة المقاوم السابق تخون وصية والدها،زيارة سرية إلى البترول ومنها إلى مستودع تخزين سويسري،مجرد حكايات على هامش الوطن.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “حكايات على هامش الوطن”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب