ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

الخصوصية والضرورة التاريخية

المصدر:  | 23 فبراير 2013 | رأي |

192219mrizeknew1-405428028192219.png

في مساحة الحراك الاجتماعي، يقف الفاعل السياسي المغربي المدير للحكومة متذبذبا، تائها في دروب واقعه الراهن اليومي، من دون تخطيط و لا استراتيجية. و كلما احتدم الصراع بين قوى التغيير و بين القوى المضادة للتغيير، سار يبحث عن مفاهيم متلونة ومبررات واهية باسم “الخصوصية الاسلامية” لطمس الصراع ضد الاستبداد و ضد محاولة اعادة انتاج الاحتلال السلفي الرجعي الذي عمر طويلا في مجتمعنا.

إن الشعارات و الخطب الرنانة و الصراخ لا يغير من واقع الازمة شيئا، لأن السمات الكاملة للتغيير المنشود تتوفر في الملامح الايجابية، غير المطلقة، و في القيم و المبادئ التي قام عليها الفكر الحداثي منذ نشوء الدولة كتعبير مشخص عن الصراع الطبقي كما يقول المرحوم محمد عابد الجابري.

لن أعود هنا للتذكير بقاموس اللغو اللغوي و اللغو الشعبوي والسفالة و قلة الأدب التي ينهل منه الفاعل السياسي المدير للحكومة. فهذا ما يخوض فيه رجال الإعلام و المهتمين والمتتبعين للأحداث والتصريحات بشكل يومي، حيث تزدهر سوق المزايدات و التعبيرات النابية و اهانة المغاربة عبر كل انواع وسائل الاعلام يوميا، في الوقت الذي توجد قضايا حيوية و مهمة يتم اهمالها و تحاشيها.

إن الخطاب السياسي السائد اليوم في المغرب حول التغيير، هو خطاب بكائي على الواقع وليس خطابا يتمثل بجوهر الواقع و المعرفة التاريخية التي تشكل أهدافه وغاياته ووظائفه الفعلية. إنه الخطاب الجذاب ظاهريا والمحشو بالنوايا الأخلاقية لعرقلة الانتصار العلمي والعملي للنموذج الحداثي الذي أنتجته الثورة الإنكليزية و الثورة الفرنسية مثلا.

نعم، و كما يقول الراحل محمد أركون، لقد انتصر فلاسفة التنوير على رجال الدين في أوروبا وفي اوروبا وحدها. و لا نزال حتى اليوم – يضيف أركون- نقيم التضاد بين الحداثة / و التراث، كما نقيمه بين الفلسفة / و اللاهوت، او بين العلمنة / و الدين، أو بين الدنيوي/ و المقدس، أو بين المادية / و الروحانية، و رغم هذا الانتصار الاوروبي الباهر لازال من يرفض نتائج الحداثة الاوروبية و يدفعنا الى التعايش مع السلفية و “التخلف”. لقد أكدت العديد من الاحداث و الوقائع التاريخية على الارتباط السببي بين السلفية و “التخلف”، و بالتالي علينا ان نتساءل عن كيفية هذا الارتباط و اسبابه البنيوية.

طبعا، إن جزءا مهما من تاريخ المغرب الحديث طبعته بقوة ايديولوجية الحركة الوطنية و تصوراتها ورجالاتها والتي كانت – حسب “بيرنابي لويس كارسيا”- المشروعية الدينية و السياسية فيها تتمحور بدرجة كبيرة حول الوطنية و الدور الوطني الكفاحي. لكن نعتقد ان هذه الشرعية استنفذت مجال حضورها. و هنا لابد من استحضار مرة ثانية الراحل محمد عبد الجبري الذي يستحضر في كتابه ” التراث و الحداثة، دراسات و مناقشات” كيف مارس كارل ماركس الحياة الاجتماعية في عصره بكل ابعادها ممارسة نضالية ما مكنه من اعطاء ” الحلم الالماني” معناه المشخص، من تحليل بنية المجتمع الرأسمالي في عصره و اكتشاف قوانين تركيبها و قوانين تطورها، أي اكتسب و عيا صحيحا مكنه من النظر الى التاريخ نظرة علمية. كما استحضر كذلك العلامة المؤرخ ابن خلدون الذي عاش معترك الحياة في عصره، فتعرف – يقول الجابري- على دقائق مجتمعه و اكتشف قوانين تركيبه و تطوره، ليخلص الى نظرة ابن خلدون الى التاريخ الذي ينظر اليه لا بوصفه أحداثا و وقائع تتوالى عبر الزمن، دون قانون يضبطها و أسباب تحركها، بل نظر اليه على أنه تاريخ صراع تتحكم فيه و توجهه قوانين موضوعية، اجتماعية و اقتصادية و طبيعية سماها ب “طبائع العمران”.

إن ما شهدته اوروبا من انتصار للعلمانية ليس حدثا تاريخيا استثنائيا فقط، و ليس رغبة ذاتية تحكم فيها فلان او فلان. و هنا يطرح محمد أركون في كتابه ” قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الاسلام اليوم؟” اسئلة مهمة حول ما اذا كان الانتقال من النظام الديني الى النظام العلماني هو فقط عبارة عن محصلة طبيعية لتلك المواجهة الكبرى التي تمت بين قوتين تاريخيتين و اجتماعيتين و اقتصاديتين و ثقافيتين كبيرتين ( أي قوة الكنيسة من جهة و قوة البرجوازية العلمانية الصاعدة من جهة أخرى)؟ أم أنه محصلة لأسس فلسفية ملزمة؟ كما تساءل كذلك عن سر حدوث هذه الظاهرة التاريخية الخاصة في أوروبا الغربية المسيحية، و ليس في أي فضاء ديني أخر في العالم، كالصين، و الهند، و المسيحية الارثوذكسية، و الاسلام، أي لماذا اقتصرت على أوروبا؟

و للإجابة عن هذه الأسئلة يعترف المرحوم محمد أركون أن المدن الاسلامية الكبرى ظهرت فيها قوى علمانية بين القرنين التاسع و الثالث عشر الميلادي، خاصة في منطقتي ايران و العراق بين القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد، و أن الفكر الاسلامي في الفترة ذاتها شهد مناقشات و توترات عقلية خصبة بين العقل الفلسفي الاغريقي و بين العقل الديني المرتكز على الوحي الالهي، و التي انتقلت الى المسيحية اللاتينية في أوكسفورد و السوربون و بولونيا و كذلك الى مراكز اوروبية أخري بعد القرن الثالث عشر، و التاريخ يشهد على كيف تحول الفكر العربي-الاسلامي الى مرجعية أساسية بالنسبة لكل مثقفي أوروبا طيلة أربعة قرون على الأقل أي من القرن الثاني عشر الى القرن السادس عشر.

واليوم، إن الصراع الجاري حاليا مع الإسلاميين في المغرب وفي بلدان المغرب العربي والدول العربية كذلك لا يمكن ان نستثنيه من المناقشة الفكرية، لأن الاسس الفكرية التي اعتمدها الفكر الديني و لا زال، تمس جوهر ثمار الانسانية و ما حققته من تقدم في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و المادية، اما الحركة السلفية و الاصولية فمهما طورت اساليبها و طرقها ومهما تفننت في شعبويتها ومهما سبت وشتمت دينامية التاريخ فلن تجد سوي الطريق المسدود أمامها.

ان مغرب اليوم يفرض علينا جميعا تبني علاقة جديدة بين الدولة والمثقف، وعلاقة اندماجية حقيقية بين المثقف و الشعب، وهدما لصورة النخب السلفية، الماضوية والنخب العارفة و التقنية. المثقف اليوم هو من ينخرط في جوهر الصراع السياسي، هو الذي لا يصمت و هو الذي يقاوم زحف الظلام الايديولوجي و الطبقي. ان من لا يجرؤ على استخدام قلمه خوفا على مصالحه ليس له الحق في نقد و اقعه، و من يحاول ليل نهار أن يقاوم كل اشكال النكوص بكل ما اوتي من قوة يستحق التكريم و التقدير.

ختاما، يبدو ضروريا الاسراع لفك عزلة الشعب و اعتماد مشروع مجتمعي حقيقي تشارك في انجازه كل القوى الحية ببلادنا، مشروع يرجع الثقة للمواطنين و يخلصهم من الاصولية التي – باسم الدين- لا تقبل التعايش مع العلمانيين و اليساريين و اللبراليين…

* أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بمكناس

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “الخصوصية والضرورة التاريخية”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب