ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

مِن مُذكِرات مُحمد بن عبد الكريم الخطابي

المصدر:  | 6 فبراير 2013 | رأي |

181056ismailothmani-230298316181056.png

في مثل هذا اليوم، سادس فبراير (1963)، سَلم الروحَ لباريها في القاهرة المجاهدُ محمد بن عبد الكريم الخطابي. وبذلك تُمثل السنة الحالية (2013) الذكرى الخمسين لوفاته. وبهذه المناسبة، ارتأيتُ، من موقعي المتواضع ومن باب رد بعض الجميل لشخص أفدى حياته في سبيلنا، أن أقوم بترجمة مُذكِرات هذا البطل الريفي، المغربي، العالمي، لاعتباريْن اثنيْن. أولا، لأنها أشملُ مصدرٍ سير-ذاتيٍ نتوفر عليه؛ وثانياً، لأن الترجمة العربية (2005)، على يد عمر أبو النصر، ليست وفية بالمرة للأصل الفرنسي، تارة بسبب سوء الفهم وتارة أخرى بسبب سعي المترجم لتطويع المعنى. المذكراتُ هي تصريحاتٌ أدلى بها الأمير الخطابي، باللغة الريفية وبترجَمةٍ فوريةٍ من شقيقه مْحمد، للصحفي الفرنسي جاكْ روجي-ماتيو سنة 1926، وهو على ظهر السفينة “أبْدا/عبْدة” في طريقه إلى المنفى. وقد نُشرت هذه المذكرات أول مرة في فرنسا سنة 1927.

واليوم أُقدّم مقتطفاً من الفصل الأول (ص37-40) من كتاب المُذكرات (منشورات لابُورط، 2011)، على أمل أن أنتهي، بحول الله، من ترجمة الكتاب كاملا وأوَفِره مطبوعاً للقارئ في بحر السنة الجارية (2013). وتيسيراً لقراءة هذا النص، وضعتُ كلام الصحفي بالخط الازرق لعريض، وكلام الأمير بالخط العادي، وبين معقوفتين كلاماً توضيحياً مني. كما أنبه القراء الكرام إلى أن ناقل المذكرات (الفرنسي روجي-ماتيو) كثيراً ما يُطوع كلام الخطابي فيُظهر هذا الأخيرَ مُجامِلا لفرنسا أو ممتناً لها أو غير مبالٍ بما تفعله بالمغرب والمغاربة، مما قد يُشوش على صورة الأمير في أذهاننا.

في الثامن من شتنبر [1926]، وعلى ظهر السفينة “أبْدا” ["عبْدة"؟] التي كانت تقل زاعِم الريف السابق وأسرته إلى أرخبيل فريول [مرسيليا/ فرنسا]، المحطة الأولى من منفاه إلى جزيرة لاريوْنيُون [المحيط الهندي، شرق مدغشقر]، كانت لي أول مقابلة سرية مع مُحمد بن عبد الكريم الخطابي وشقيقه سّي مْحمد بن عبد الكريم الخطابي. وقد واجه كلاهما أسئلتي، بما في ذلك الدقيقة منها، باعتزاز بالنفس لا يخرج عن اللياقة وبموقف في منتهى الصراحة. بل كانا أحياناً يسبقاني إلى أفكاري وهما يوائمان تلك الحاجة إلى الاستطراد المألوفة لدى”الشرقيين”[؟]، لكن مع الحِرص الدائم على العودة إلى الأحداث ضبطاً لمعانيها وتوخياً للمصداقية التاريخية. وأقول: إلى الأحداث، لأن الزمن ليست له أهمية كبيرة عند المسلمين، الذين يكونون حكماء حتى في عز مغامراتهم. فهم لا يبالون بتواريخ الوفاة على الإطلاق، وكأن مسرحية حياة بأكملها لا تحتمِل أيّ فاصل ما بين المَشاهد.

عبد الكريم يفهم اللغة الفرنسية، ولكنه لا يتحدث بها إطلاقاً. كان يجيب على كل سؤال أطرحه عليه بلغته الأم [أمازيغية الريف]، وكان شقيقه ومستشاره الخاص السّي مْحمد يتولى الترجمة. أحياناً ب “نعم” وأخرى ب”لا” مقتضبة، كان “الروكي” المهزوم والمنفيّ يقاطع المترجمَ [شقيقه] لإعادة صياغة ما ذكره للتو أو كشفَ عنه. وعند نهاية كل مقابلة، وحرصاً مني على صون الأمانة، كنت أعرض على الأخوين ما أملياه عليَّ مِن مذكرات مُلتمساً منهما المصادقة عليها.

خلال هذا “الاستجواب” الأول إذن، الذي سيعزَز فيما بعد بتصريحات خطية توجد طي هذه الصفحات، حدثني عبد الكريم عن أصوله ودراسته وعلاقاته الأولى مع الإسبان والإكراهات التي سعى هؤلاء لفرضها عليه. وسوف نرى بأنه يَعتبر إسبانيا المسئولة الوحيدة عن حرب الريف، وبأنه يَنسب إليها، ومعها ألمانيا، دوراً مؤسفاً للغاية في الحرب العظمى [العالمية الأولى 1909-1914]، لا لشيء وإنما لطرد فرنسا من المغرب. ومن نافلة القول أننا ندعُه يتحمّلُ بدوره المسئولية عن رأيه الذي يعتبره حقيقة تاريخية لا جدال فيها. وقد استهل عبد الكريم كلامه قائلا:

- نحن من أجذيرْ وننتمي إلى آيث وارْيغر [بني ورياغل]، إحدى قبائل الريف. ويعود نسبُنا إلى آل السّيد محمد بن عبد الكريم، المنحدرين من الحجاز، من ينبُعْ تحديداً، على شواطئ البحر الأحمر. جَدنا الأكبر كان يُسمى زارع الينبعي. وقد جاءت أسرتي إلى المغرب في القرن الهجري الثالث (القرن الميلادي التاسع تقريباً) واستقرت في قبيلة بني ورياغل. ومنذئذ، أي لأكثر من ألف سنة، وهذه البلدة الممتدة من خليج الحسيمة إلى ثاركيست هي مَوطننا.

توقف عبد الكريم لحظة فقال بنبرة حزينة:

- صدِقني، إننا، أخي وأنا، متعلقان ببلادنا تعلقاً عميقاً، رغم إبعادنا عنها، إلا أننا نظن بأن فرنسا، التي نضع فيها ثقتنا التامة، سوف تحميها على أحسن وجه.

ثم استأنف:

- توفي والدي سنة 1920، وسأحدّثك لاحقاً عن ظروف وفاته. ترك ابنين: السّي مْحمد بن عبد الكريم وأنا. قضينا أيام الطفولة في أجذير. والدي هو الذي أشرف على أول تعليم تلقيناه، بمساعدةٍ من عمي السّي عبد السلام. ثم انتقلتُ إلى تطوان، ومنها إلى فاس، حيث أمضيتُ سنتين في مدرسة العطارين ومدرسة الصفارين استعداداً لولوج جامعة القرويين العتيدة.

عدت إلى أحضان أسرتي لبعض الوقت ثم أرسِلتُ إلى فاس ثانية، في إقامة مدتها ستة أشهر. ولكن الأمر لم يكن يتعلق هذه المرة بمتابعة دراستي فحسب، لأن والدي أسند إلي مهمة ذات صبغة سياسية. وحسب تعليمات والدي، كانت المهمة تتمثل في إحاطة المخزن عِلماً بسياسة الريف ونواياه في المُجمل إزاءه. كان من اللازم إقناعه بأن [أعيان] الريف قد أعلنوا ولاءهم لبوحمارة [المسمى الجيلالي بن عبد السلام بن إدريس اليوسفي الزرهوني]، باستثناء السّي محمد الخمليشي ووالدي، اللذيْن ظلا وفيان لسلطان البلاد، المولى عبد العزيز.

وخلال هذه الفترة، كثيراً ما كنتُ أتلقى تعليمات من المخزن ينقلها إليّ وزراء ذلك العهد: السيد فضّول غرنيط، الصدر الأعظم، السيد محمد الكباص [وزير الحرب] والسيد عبد الكريم بن سليمان [وزير الشؤون الخارجية]. وكنت أنقل بدوري تلك التعليمات لوالدي. كانت كلها تُجمع على ضرورة حشد قوات ريفية كافية لسحق الروكي بوحمارة. والجدير بالذِكر أن والدي كان دائماً ما يسبق التوجيهات، حيث لم يكن يدخر أي جهد لإحباط تأثير بوحمارة عبر دعاية ذكية من أجل تكسير شوكته وجعْل النظام العام يعود ليستتب في البلد. ذلك أنّ والدي كان، على صعيد الريف، ليس زعيماً سياسياً فقط، وإنما زعيماً حربياً كذلك. ومنذ ذلك الوقت وأنا ألازمه في عمله. وبإمكاني أن أقول إني قد تدربتُ منذ السنوات الأولى من عمري على “البارود”، على لعبة المتفجرات والرصاص.

وللتغلب على بوحمارة، كان على والدي أن يَجمع من حوله الزعماء الريفيين الآخرين. وبمشقة كبيرةٍ أحياناً، أفلحَ في إقناع هؤلاء بأن سياسة التمرد التي ينتهجها بوحمارة لها عواقب وخيمة على مصالح السكان، الذين لن يجدوا الخلاص والرفاهية إلا مع عودة النظام والامتثال لسلطة المخزن. وسرعان ما تنبهَ بوحمارة لأهمية خصمه، الذي انتصر عليه مراراً وتكراراً في معارك صغيرة. لذلك قرر الروكي القضاء عليه بأي ثمن. حشد بوحمارة “حرْكة” ضخمة وهمّ بالهجوم على آيث وارْيغر، قبيلتنا التي كانت أول من نظم مقاومة ضده. كان الظرف مُواتياً. المغرب بنفسه كان فريسة لأسوأ الخلافات. لقد هزم المولى عبد الحفيظ لتوه شقيقَه عبد العزيز وعُين سلطاناً واعترفت به الدولُ العظمى. وثبوتاً منه على سياسة الانضباط المغربي، أعلن والدي ولاءه لخلَف عبد العزيز. وقد حاول بكل ما أوتي من وسائل أن يُوحّد صفوف الريفيين، وأن يجعل الريف بأكمله يبايع القائد الأعلى، الوحيد الجدير بالاعتراف. وقد عمل على نشر بيعة المولى عبد الحفيظ في سائر القبائل وكافة أسواق الريف الغربي.

وقبل أن يَشن بوحمارة هجومَه علينا، كان قد انهزم في ثلاث أو أربع معارك متتالية. فتراجع نحو منطقة سلوان، حيث يوجد مقره العام. ولكنه سيُهزَم مرة أخرى وأخيرة من طرف القبائل المتحالفة، فيفرُ بجلده بحثاً عن ملجأ لدى أهالي جبالة، المَعقِل القديم للمعارضين. وهكذا ربح المخزن قضيته، وربح الريف أيضاً قضيته. غير أن هذا الأخير لن يتأخر في مواجهة مصاعب جديدة، بسبب الدخول الوشيك لإسبانيا في اللعبة.

*أكاديمي ومترجم

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “مِن مُذكِرات مُحمد بن عبد الكريم الخطابي”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب