ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

مواقف شيوخ “السلفية” من الاحتفال بمولد خير البرية

المصدر:  | 21 يناير 2013 | رأي |

171065abdellahjebari-358107794171065.png

قراءة نقدية

عُرف شهر ربيع الأول في عهد البعثة المحمدية بأحداث عظام، ووقائع جسام، منها ميلاد سيد ولد عدنان صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، ومنها الإسراء والمعراج1، ومنها هجرته الشريفة إلى المدينة النبوية، حيث أشرقت به أرجاؤها الزكية، ومنها التحاقه بربه وارتقاؤه إلى مولاه راضيا مرضيا، ولهذه الأحداث النبوية وغيرها كان علماء الأمة يصرون على تسمية هذا الشهر الشريف بالربيع النبوي، أو ربيع الأنور، أو غيرهما من الأسماء الرضية، وكانوا يوزعون الاحتفال طيلة أيام وليالي هذا الشهر ليستنشقوا نفحاته الشذية، ولم يحصل الإجماع على هذا الأمر، بل عمد بعض المشايخ إلى تعكير صفوه في كل عصر، ومنهم من ينسبون في عصرنا إلى “السلفية”، حيث نسبوا المحتفلين بالمولد إلى البدعة وارتكاب المحظور.

ومن مشايخهم في هذا العصر السيد محمد حسان، والسيد الحويني، تعمدت إيراد رأيهما نظرا لما أصبحا يتمتعان به من شهرة بين العوام، على اعتبار أنهما من شيوخ الميديا بامتياز، ورأيهما يمكن حصره في الآتي : لا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي لعدة اعتبارات، منها :

* الصحابة أفضل منا وأفْهَمُ منا وأحب للنبي منا، وهم لم يخصصوا يوما للاحتفال، وإذا ما احتفلنا فإننا ننسب الصحابة إلى التقصير في حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم.* الدليل الخاص في الاحتفال معدوم، والدليل العام لا يجوز الاستدلال به إلا إذا عمل به السلف، أما الدليل العام الذي لم يجر عليه عمل السلف فهو بدعة.* تخصيص يوم للاحتفال بالنبي تقصير وتنقيص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يجب الاحتفال به في كل نفَس.* الاحتفاء اللائق بالنبي صلى الله عليه وسلم هو الامتثال لأمره واتباع سنته …

هذه أهم مرتكزات الشيخين في تحريم الاحتفال، ومقاطع أشرطتهما – لمن أراد التثبت – موجودة في النت، ولنا معها بعض الوقفات.

أولا : لا عِلْمية الموقف :

لا يختلف اثنان ممن لهم أدنى إلمام بعلم أصول الفقه أن ما عبر عنه الشيخان المذكوران لا يعد شيئا في الاحتجاج والاستدلال، بل تجاوزا الأمر إلى التقول على المحتفلين، إذ لم يقل أحد منهم عبر التاريخ أنهم أكثر حبا للنبي من صحابته الأكرمين، وما يقوله “السلفية” في هذا الباب مجرد إلزام، وهم أول من يعرف أن لازم القول لا يعد قولا.أما عدم فعل الصحابة للشيء فلا يعد دليلا شرعيا، بل الأكثر من هذا، أن عدم فعل النبي للشيء لا يعد دليلا على الحظر والمنع، كما نص على ذلك كثير من أئمة الأصول، يتبين ذلك من خلال الآتي :

1- عرّف الأصوليون السنة بقولهم : ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير، لذلك كان فعل النبي حجة شرعية، ولم يقولوا : “السنة هي ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو ترك أو تقرير”، لذلك لم يعتبر العلماء ترك النبي حجة في مجال الاستدلال، لأنه لم يفعل كل المباحات، ولم يفعل كل المندوبات، ولو كان الترك حجة لحرمنا مباحات ومندوبات كثيرة، وهذا لا يقوله عاقل، يزيد هذا الأمر وضوحا وجلاء الحديث الموالي.2- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا”، ولم يقل صلى الله عليه وسلم : وما تركته فاتركوه، ومن أضاف الترك في مجال الحجية والدليل فقد استدرك على الشارع، وهذا غير جائز.3- بناء على ما ذُكر، قرر العلماء أن “الأصل في الأشياء الإباحة”، ولا يمكن صرفها إلى الحرمة إلا بدليل، ولو كان الترك يفيد التحريم لما قرروا هذه القاعدة، ولكان التحريم هو الأصل، ولكانت شريعتنا مليئة بالأغلال والآصار.

أما قولهم بانعدام الدليل الخاص المعين للاحتفال بالمولد، وأن أقصى ما يُستدل به في هذا الباب مجرد عمومات، فإننا نجاريهم في هذا الاستدلال، لا لنبين وجاهته وقوته الحجاجية، بل لنبين لكل ذي لب أنه حجة عليهم لا لهم، إذ من المعلوم المقرر عند العلماء أن العام يبقى على عمومه، ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل، ولذلك كان المحتفلون بالمولد موفّقين في العمل بعموم النصوص، وكان المحرّمون للاحتفال مخصصين للعام من غير دليل، وهو غير جائز، قال الشيخ عبد الوهاب خلاف : “فالعام المطلق عن قرينة تخصصه يدل على العموم قطعا، ولا يُصرف عن معناه الحقيقي إلا بدليل، ولهذا استدل الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون بعموم الألفاظ العامة التي وردت في النصوص مطلقة عن التخصيص، واستنكروا تخصيصها من غير دليل”2.

وأما قولهم ( إن تخصيص يوم في السنة للاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم يُعد تنقيصا من قدره العظيم ) فلغوٌ لا يلتفت إليه، ويكفي في الرد عليه، أنهم يُذكروننا بحديث “نحن أولى بموسى منهم”، وذلك حين أمر النبي الصحابة بصيام عاشوراء بعدما أخبره اليهود بأنه يوم نجى الله في موسى من فرعون، وهذا الحديث وإن كان لنا فيه رأي نرجئه إلى مناسبة لاحقة، لكننا نتوقف الآن عند رد النبي على اليهود، وهو الذي لم يعتبرهم مقصرين في حق نبيهم، ولم يقل لهم عليكم أن تصوموا الدهر كله وألا تخصصوا يوما واحدا له، ولما كان النبي أولى بموسى، فإنه أرشد الأمة – ونِعم المرشد هو – إلى صيام يوم في السنة، وهو اليوم الموافق لذلك الحدث التاريخي، وهذه عادة البشر، وسُنّة الإنسانية عامة، حيث يخصصون للاحتفالات أوقاتا محدودة، ترتبط بمناسبات مخصوصة، أما دعوى تعميم الاحتفال على سائر العام فلا يعدو أن يكون تمييعا للنقاش، وانحطاطا به إلى أدنى الدركات.

أما قولهم إن الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون باتباع سنته والتزام هديه، فلا نخالفهم الأمر، لكنه لا يجوز قصْرُ الاحتفاءِ على الاتباع فحسب، وإلا سقطنا في ما أسماه د. مراد هوفمان بقانونية الدين، أو الدين القائم على القانون3، بمعنى : التعامل مع تعاليم الدين بفراغ روحي تصير معه التعاليم الدينية أشبه بالقوانين، يُلتزَم بها دون حب (إقصاء العامل القلبي/الروحي/الوجداني)، وهذا الأمر هو الذي تفطّن له أبو حامد الغزالي رحمه الله حين رأى الناس يتعاملون مع الفقه الإسلامي على هذا الأساس، فطرح مشروعه التجديدي (إحياء علوم الدين).

وأخطر ما في هذه الدعوى، هو أن يصبح المسلم – لا قدر الله – كالمنافق، سواء بسواء، لأن المنافقين الأوائل كانوا متبعين للنبي مقتدين به، لا يستطيع أحد من الصحابة تمييزهم عن غيرهم.

ثانيا : تناقض شيوخ “السلفية” :

لا يقتصر تحريم الاحتفال بالمولد على الشيخين المذكورين، بل عموم “السلفية” على رأيهم، يكرر بعضهم ما قاله الآخر، ونظرا لضعف مدركهم فإنهم وقعوا في تناقضات يتنزه عنها صغار الطلبة، من ذلك أن مشايخ “السلفية” يحيُون في السعودية أسبوعا خاصا لشيخهم وإمام نِحْلتهم محمد بن عبد الوهاب، فيجيزون لأنفسهم إحياء ذكرى شيخهم، ويحرمون إحياء ذكرى نبيهم، وهو ما تفطن له أحد الظرفاء، فوجّه سؤالا محرجا للشيخ ابن عثيمين الذي أجاب بما نصه : “الفرق بينهما حسب علمنا من وجهين :

الأول : أن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لم يُتخذ تقربا إلى الله عز وجل، وإنما يُقصد به إزالة شبهة في نفوس بعض الناس في هذا الرجل ويبين ما منَّ الله به على المسلمين على يد هذا الرجل.الثاني: أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يتكرر ويعود كما تعود الأعياد، بل هو أمر بين للناس وكتب فيه ما كتب، وتبين في حق هذا الرجل ما لم يكن معروفاً من قبل لكثير من الناس ثم انتهى أمره”.

هذا نص الفتوى ومنطوقها، ولنا عليها ملاحظات، أهمها :

* لا يقصد بأسبوع الشيخ التقربُ إلى الله، إذن : التقرب بهذا النشاط إلى مَن ؟ أليس التقرب إلى غير الله من نواقض العقيدة “السلفية” ؟* الاحتفال بالشيخ جائز لتبيين “ما مَنَّ الله به على المسلمين على يد هذا الرجل”، وأليس النبي حريا بهذا ؟ أم أن ما منّ به الله على المسلمين على يد ابن عبد الوهاب أفضل مما منّ الله به على يد سيدنا محمد ؟ أستغفر الله مِن هذه المقارنة، لقد اضطررتُ إليها اضطرارا.

وإذا تجاوزنا الشيخ ابن عثيمين، فإن المفتي العام للملكة السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ليس أحسن حالا وأقوم قيلا منه، بل هو صنوه في التناقض والاضطراب، حيث اعتبر إقامة الموالد من المناسبات الشركية التي لا أساس لها من الدين، وبالمقابل، وفي تصريح لصحيفة عكاظ، أباح الاحتفال باليوم الوطني، بل طالب السعوديين أن يكثروا من شكر الله في ذلك اليوم، وخصوصا شكر الله على نعمة الأمن.

ألم يكن حريا بفضيلته أن يدعو إلى تخصيص ليلة المولد لشكر الله على النعمة المسداة والرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم ؟ وكيف يجوز في الأذهان إباحة الاحتفال بميلاد الدولة وعدم إباحة الاحتفال بميلاد النبي ؟ أستغفر الله العظيم من هذه المقارنة أيضا، ولكن عذري أن الضرورات تبيح المحظورات.

وختاما، أنبه إلى مسألتين :

الأولى : خطورة الإكثار من التحريم، والإفراط في التحريم، والغلو في التحريم، لأنه داء خطير، عانت منه الأمم السابقة، ونبه عليه أستاذنا العلامة د. أحمد الريسوني حفظه الله، حيث قال : “لا يحق لأحد أن يُحَرم على نفسه أو على غيره، ولا أن يفرض على نفسه أو على غيره، حكما منسوبا إلى الله أو إلى شرعه، إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معتدٍ ومبتدع ومتنطع، وفي جميع الحالات لا يؤبه له، ولا قيمة لدعواه حتى يثبتها بدليلها”4.

الثانية : لقد كان الاختلاف بين “السلفيين” وبين المحتفلين بالمولد اختلافا فكريا في الأساس، وإن كانت فيه نوع من التجاوزات كتبديع المخالف أو غير ذلك، أما مع وصول الحركة “السلفية” إلى مواقع القرار في عدد من الدول العربية، فإنه أصبح لزاما علينا أن ننبه إلى خطورة المرحلة، لأن الخلاف لن يبقى فكريا فحسب، وقد صدرت عن بعض السلفيين في مصر تهديدات بمنع أي مظاهر الاحتفال بالمولد هذه السنة، وهو ما جعل المحتفلين يشكلون لجانا شعبية ولجانا لليقضة احترازا من تلك التهديدات.

ولم تنفع الشراكة السياسية بين “السلفيين” والإخوان في تليين مواقفهم، بل زادتها تصلبا، ورغم قرار الرئيس مرسي حضور حفل بالمناسبة، فإن د. هشام كمال المتحدث باسم الجبهة السلفية اعتبر أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، وزاد من كيسه حكاية إجماع الفقهاء على أنها إثم، وفي هذا الإجماع – المتوهم – إقصاء للفكر الآخر والطرف الآخر، والإقصاءُ إلغاءٌ واغتيالٌ معنوي يجب أن يترفع عنه المشتغلون بالسياسة ولو كانوا من “السلفية”.

****1 نص على ذلك ابن سعد والنووي وابن حزم.2 عبد الوهاب خلاف، أصول الفقه : 184.3 مراد هوفمان، الإسلام كبديل : 904 أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية : 85.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “مواقف شيوخ “السلفية” من الاحتفال بمولد خير البرية”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب