ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

حاشية إضافية حول بؤس التعليم الجامعي

المصدر:  | 18 يناير 2013 | رأي |

169255slikikhaled-477286710169255.png

»لتكن لك الجرأة والشجاعة على استخدام عقلك أيها الإنسان [العربي]« كانط

يوم قررت الرحيل إلى بلد آخر، قلت في نفسي، وأنا أودع صور لحظاتي القديمة التي تلطخ الكورنيش من مالاباطا إلى باب المرسى: »الآن، آن لي أن أحفر قبرا عميقا كي أدفن أربعين عاما في أرض عشقتها ولم تكن تستحقني وإنما ظلت طوال العقود تسحقني. الآن ينبغي لي أن أقبر الملامح الخائنة إلى الأبد..!« واليوم وأنا أجلس على أعتاب هارفرد وكوينسي مارا بماساف، أحاول أن أجعل من تلك اللحظات مقبرة أتجول فيها كي أنصت للأموات وهم يتحدثون إلي في هذا الصمت الغارق في ملكوت التاريخ المختلف..

التقيت بصديقة، تربطني بها علاقة شبه روائية خارج الدين واللغة والتاريخ وما في تصورات العربي (الفحل)..وهي توقظ في كل حرائق العطب العربي..وهارفرد تنصت إلى الزمن القادم المضمخ بالبحث عن المجهول..أخبرتني- الصديقة- أن إحدى أقسام هارفرد قد نجح في تطوير جهاز دقيق لفائدة »الناسا«.. وبينما نتحدث عن إحدى أخطر التناقضات التي تسكن الذات العربية.. خَرَجَتْ من مقبرة الذاكرة جثث مجموعة من الأساتذة (المدرسين الجامعيين) الذين امتهنوا القرصنة والنصب والابتزاز والرشوة و”الدعارة المعرفية” و”التحرش بالطالبات”..فقد حدث قبل سنوات أن وقعت فضيحة سطو أستاذ على كتاب أستاذ آخر . والغريب أن أستاذا آخر قام بنسخ أطروحة جامعية لطالب -سابق- (يعمل حاليا أستاذا بكلية أخرى) وفرضها على طلبة الماستر بثمن خيالي يفوق كل تصور (حوالي ستمائة درهم!؟)!! .. في حين كان رهط من المدرسين يتراوح سلوكهم بين القرصنة الذكية والمسخ الأدهى في غياب واضح وخطير لقيم البحث والأخلاق الأكاديمية وما تقتضيه أخلاقيات »حقوق المؤلف« وحقوق الإنسان وحقوق الطالب وحقوق الغير..! وهكذا صار بعض »المدرسين« رجال أعمال في الظل، في مدة زمنية قياسية، وصاروا أصحاب مشاريع و»حوانيت« ومكاتب السمسرة العقارية، وأصناف أخرى من العمل التجاري المدر للدخل و»المضر بالمجال العلمي الذي بينهم وبينه حلقات الفساد«..!

بعضهم صار يعطي دروسا إضافية (خاصة كليات العلوم!!) في المنزل للطلبة (الجامعيين المفروض أن يكونوا باحثين لا تلاميذ) لدعمهم يوم الامتحان، وبعضهم جعل من كل نسخة من كراسته (الممسوخة) تحمل هوية ورقما تسلسليا مع تسجيله في سجل خاص ضمانا للحقوق وتسهيلا لعملية ضبط كل من سولت له نفسه السطو على حقوق »المدرس«..وهذا ما دفع الصديق المبدع محمد اغبالو أن يقول لي بالحرف ذات لقاء: »أقسم لك أنه بإمكان طالب أو أستاذ من كلية الآداب أن يدرس الرياضيات في كلية العلوم.. إذ بعضهم ينقل التمرين حرفيا، من كتاب صدر في الستينيات، ويكتبه على السبورة وحين تطرح سؤالا يؤجل الجواب إلى أجل غير مسمى، وإذا ما كان الإلحاح أشهر »المدرس« مسدسه الدونكشوتي المحشو بالامتحان وهي اللفظة [الامتحان] التي تسمعها من »المدرسين أكثر مما تسمع منهم معلومات وأفكارا..!!«

وإذا كان كل ما ذكرته معروف (للأسف) وصار لبعض الأساتذة ثمن خاص في السوق التجاري يتراوح بين الخمسين درهما والستمائة درهم، بحسب أهمية المادة في سلم النجاح والرسوب، فإن ما أثارني حقا هو توفر مجموعة من المدرسين على خاتم مطاطي يحمل أسماءهم ورقم هواتفهم (التي يغيرونها مباشرة بعد نهاية السنة الدراسية!!) يختمون به صفحة من كراساتهم »المقرصنة« بكل تأكيد أو الممسوخة بلا مناقشة.. حتى لا تعود صالحة للاستعمال مرة أخرى (هكذا يصبح للكتاب تاريخ للصلاحية ينتهي بانتهائه كما الدواء se sont des livres jettables). وهكذا صاروا مثل »مقدم الحومة« يحملون الخاتم في جيوب سراويلهم المحشوة بالأوراق النقدية ولائحة الطلبة الذين اقتنوا الكراسة، إذ كل من سجل اسمه في اللائحة يكون قد ضمن »المعدل«.. [يا إلهي ماذا يحدث في العالم.. أكل هذه الوقاحة ثم يجلسون على المنصات وينتقدون الديمقراطيات الأوروبية والأمريكية.. فيا خالق العالم أين أنت!!؟].!

وإذا كنت أفتخر أنني أحد خريجي الجامعة الوطنية، وقد تتلمذت على أيدي الأساتذة الذين حملوا الهم المعرفي والعلمي، فإنني أخجل من ذكر التحاقي (في إحدى المراحل) كطالب في إحدى كليات الحقوق الوطنية (التي ولجتها من أجل فهم عميق للخطاب القانوني وطرائق اشتغاله [وليس القانون وطرق اختراقه واستظهار الدروس العقيمة والتراكيب المعوجة] واستظهار مواد القانون الدستوري بالفرنسية)، نظرا للفقر المذقع الذي يسمها على المستوى المعرفي والمنهجي والمعلوماتي، بل والتسيب الذي تعرفه هذه المؤسسة، إذ في الأسبوع الذي حصلت فيه على درجة دكتوراه الدولة بميزة عالية، حصلت على يد »مدرس« يتهجى الحروف العربية نقطة أفتخر بها وهي (3 (ثلاثة) على عشرين) علما أنني كنت أطالع الكتب المهتمة بتلك المواد جيدا، لكن السبب كان دائما هو »المنهجية« أو الاستظهار (أي استظهار أنك تحفظ ما نسخه المدرس لتثبت له أنك اقتنيت بضاعته المهددة بالفساد والكساد) واعتقادي يقودني إلى أن أغلبهم لا يقرأ أوراق الامتحان لأن الهاتف والعبث وحدهما يقومان بمهمة التصحيح..!!

كل شيء يمكننا أن نتحدث عنه داخل هذه الكلية إلا المناهج، فبكل تواضع، ولأني أحد الذين انشغلوا واشتغلوا ودرَسوا ودرَّسوا ويدرِّسون المناهج، فإن كل الذين كانوا يتحدثون عن المناهج لا يفقهون فيها شيئا اللهم إلا إذا كان ما يطلقون عليه »المنهجية« تنتمي إلى حقل دلالي مختلف..

ففي ظل هذا الواقع المزري والمنحط، ظل العديد من المدرسين الذين يتواطأون على »السلخ« و»المسخ« و»السطو« يبحثون عن الذين كانوا من وراء تلك الفضيحة، حتى أن اجتماعات عقدت بهدف معرفة صاحب »الجريمة« ورصدت مكافات (مادية ومعنوية) للذي سيدلهم على مقترف فعل الفضح. وهكذا استطاعت كلية أن تخرج لنا مفهوما جديدا للمجرم، في زمن مغاير وسياق مختلف، ليتحول المجرم: إلى ذلك الذي حاول أن يسلط الضوء على العتمات التي يأوي إليها المجرمون ويقومون بفعلتهم.. إذ أغلب الكراسات »المقررة« والمفروضة على الأبرياء الطلبة هي نتيجة تطور علمي وتقني ومعلوماتي يتقن ثنائية »قص /لصق copier/coller«..

هكذا يصير المجرم ضحية، ويتم توظيف السياق العلمي لكلية بكل برامجها وقواميسها وهيآتها لإقناع الجميع أن الحقيقة هي »البحث« عن الذي أراد الحقيقة، وهذا ما يذكرنا بأن “فن صناعة الحقائق أهم من الحقائق نفسها”..!

والحال ، إن ما يهم هو فتح تحقيق في النازلة وليس البحث عن واضع السؤال والمكتشف للجرم.. ينبغي تعرية كل الأوراق التي لطخت بالأسود والتدقيق في اللغة المعوجة والتراكيب الغامضة، إذ لايعقل أن يطبع من نفس الحروف ونفس »الكولاج« طبعات متتالية تحمل سنة الطبع [وبعضها لا يحمل »إيداعا قانونيا«] وتدفع ضمن الملف من أجل الترقية..ثم تباع صناديق من المرجوعات -كل عام- للكلية لتملأ فراغات المكتبة، وتخصم الأموال الطائلة من الميزانية المخصصة لاقتناء المراجع والمصادر والمجلات العلمية الرصينة التي، وحدها، ستساهم في الرفع من قيمة المجال المعرفي والبحث.. لأن الدول المتقدمة تصنف الكليات والجامعات بحسب الرصيد الذي تبلغه مكتباتها.. فقيمة الشهادة يتم فيها اعتماد قيمة المكتبة المتوفرة لدى الكلية..والموضوعة رهن إشارة الطلبة ودرجة التسهيلات في الحصول على المعلومات وعلى آخر الإصدارات في الحقول المعرفية.. وهنا أذكر العديد من البؤساء المدرسين، خصوصا الذين التحقوا بهيئة التدريس من تلك الطرق الملتوية عبر السراديب والمقابلات (Entretien، أن من تقاليد الدرس الجامعي أن يسرد الأستاذ في أول للقاء له بالطلبة، مجموعة من المصادر والمراجع التي ينبغي الاستئناس بها، بل والاطلاع عليها.. وهناك -للتذكير لبعض الفقراء في هذا المجال- علم معروف يقيس درجة علمية وأهمية وقيمة الكتاب من خلال البيبليوغرافيا (Bibliometrie) التي يشفع بها المؤلف كتابه في آخر العمل (وليس في أوله كما يجتهد البعض!).

فأين هي الميزانيات المخصصة لاقتناء الكتب في الكليات الوطنية؟ وهل تصرف حقا في المراجع والمصادر والمجلات العلمية، أم هي وسيلة من وسائل الاستلزام وإشاعة الفساد؟!

للأسف، ففي رفوف مكتبات الكليات الوطنية، تجد »خردة« من الكتب التي لاتستحق أن تتجاوز أعتاب »المؤسسة المقدسة«، بل ولاتستحق حتى أن توضع في قمامات المؤسسة.. بل إن المرء يندى له الجبين خجلا حين يجد المكتبة ملطخة بالكتب الصفراء التي »طبعها« مدرسون ينتمون إلى الكلية، وهي تحتوي على كل الطبعات، ولا تجد مكانا لمرجع أو مصدر قد يفيد الطلبة ويفضح القراصنة والماسخين حتى يتم ترسيخ مفهوم واحد »للمجرم« و»للضحية« و»للمنج أو المنهاج« لا »المنهجية« التي أفرغت المتعلمين من كل قدراتهم على استخدام العقل، وجعلت منهم مجرد ببغاوات تستظهر بؤس المعلومات الطافحة بكل أنواع الخطإ العربي..!؟

على الباحثين الشرفاء والمجتمع المدني الحقيقي -لا الفاسد الذي أزكمت روائح فساده أنوف العالم وتحول إلى كارثة حقيقية في سوق التجارة البشرية- والنخب التي لها غيرة على الجامعة الوطنية أن تفتح عيونها على رصيد المكتبات التي تتوفر عليها الكليات، وهل تصرف الميزانية المخصصة لاقتناء الكتب في محلها أم تحول إلى العشاءات والولائم والرحلات والأسفار والندوات الباهتة التي لايحضرها غير المشاركين في المنصة في أحسن الأحوال، وأن يتم افتحاص ما ينشر من تقارير، ومدى مطابقتها للواقع، وممارسة النقد (بالمعنى المدرسي) والمراجعات لكل إصدار احتراما لذكاء هؤلاء الشباب الذين نتحمل مسؤولية إعدامهم وهدر قدراتهم على التحليل والتعقل وعلى أن يكونوا أحرارا -ولو في نظرتهم للعالم- لأن حرية الفرد لاتعني موت الله، بل القضاء على جميع الوساطات بين الإنسان وبين الله، أي بين الإنسان وذاته الإنسانية.. فهل باستطاعة هؤلاء أن يتحلوا بالجرأة ليصبحوا إنسانا، وهل لهم الجرأة في توزيع كراساتهم على المكتبات الوطنية ليستفيد منها كل طلبة الوطن، أم إنها »بونات« توضع في »حانوت« واحد للمزيد من الحيطة والحذر..!

اعتقادي في جرأة “الفقاعات” التي سكنتها أوهام »التيطر titre: أستاذ جامعي[لا أقصد كل الأساتذة]« منعدمة لأنهم يؤمنون بأنهم يعلمون كل شيء، وهذا أول إله ينبغي القضاء عليه..!!

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “حاشية إضافية حول بؤس التعليم الجامعي”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب