ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

انتهاك حصانة الروح والجسد

المصدر:  | 3 يناير 2013 | رأي |

161079bnzzpicture-257952512161079.png

تخرج أمينة في السادسة والنصف صباحا من البيت، وكل أملها أن تصادف الحافلة، وألا تكون قد مرت. تعرف أن السلطة خصصت لكل حي حافلتين. وليس للحافلة وقت محدد، والصدفة وحدها تعمل هنا… حينها تتمكن أمينة من قطع عشر كيلومترات في نصف ساعة وتصل لعملها في الوقت… وهي تقيس المسافة بالدقائق وليس بالكيلو. لأنه يستحيل افتراض أن الحافة التي تسير بسرعة ستين كيلو في الساعة ستقطع المسافة في عشر دقائق… هذا صحيح على الورق فقط… والذين يحسبون بهذا الطريقة الخاطئة يصلون لعملهم متأخرين… وهذا ما يحصل للطلبة خاصة لأن تأخرهم عن مدرجات الجامعة لا تترتب عنه خسارة مالية فورية.

تشعر أمينة بالسعادة حين تصل مقر عملها مبكرا وقد احتفظت بكل طزاجة صباحها… يكون مردودها في المكتب أحسن… لكن حين تتعطل الصدفة تقف أمينة تنتظر الحافلة. تتضرع إلى الله عز وجل أن يجلب الحافلة… ليست “السياقة” من أسماء الله الحسنى كن أمينه تدعوه: يا رب هات الحافلة.

حين يتأخر الله في جلب الحافلة، تطلب منه أمينة أن يمنحها الصبر لتستمر واقفة رغم قلقها من بروز العروق في سيقانها… وأثناء ذلك يكثر المنتظرون ويزداد الزحام… كثيرون ينظرون إلى الساعة في هواتهم النقالة، مما يدل أن الساعات التي يضعونها في معاصمهم معطلة. وهي للزينة أكثر مما هي لضبط الوقت…

أحيانا تأتي الحافلة جد ممتلئة فلا تقف، تمر وتتبعها اللعنات… تنتظر أمينة وتمر على وجهها كل حالات الطقس. طبعا يشتكي أصحاب السيارات من ازدحام الطريق، مع فارق أنهم ينتظرون وهم جالسون خلف المقود يستمعون للموسيقى… ووجوههم محمية من الغبار والشركي… تفكر أمينة: في الرباط والبيضاء بنت الحكومة خطوط ترومواي، طوبى للذين يسكنون ويعملون بجانبها…

بعد كل هذه التخيلات، حين تصل الحافلة يبدأ التسابق على المقاعد… في الأيام السعيدة تعثر أمينة على مقعد… تضمن الحصانة لجسدها…. في الصباحات الملعونة، تمضي أمينة واقفة… تمسك في القطعة الجلدية المتدلية من سقف الحافلة… وحين يقود السائق بسرعة ثم يقف فجأة تتعرض حصانة جسد الشابة للانتهاك… أحيان بشكل عفوي وغالبا بشكل متعمد من كهل يقف خلفها بصلابة ليلامس الأجزاء البارزة منها…

تصل أمينة لموقف الحافلات في ساحة “الباطوار” في قلب مدينة آكادير، تنزل وتجري لمقر العمل… كانت تلك أياما ملعونة، لكنها صارت الآن حُلما، والسبب أن شركة النقل، وبهدف زيادة أرباحها قامت بتقطيع الخط وصار لزاما على أمينة ركوب حافلتين للوصول لمقر عملها منهكة. في خطوط أخرى بدل حافلة واحدة تربط بين نقطتين وضعت الشركة ثلاث حافلات لقطع نفس المسافة وليدفع الراكب ثلاث مرات… ويرجع ذلك لخصخصة النقل العمومي، سابقا كانت هناك شركة حافلات عمومية، كان الركوب فيها مجانيا من وإلى الأحياء الشعبية المكتظة التي ينظر إليها المنتخبون كخزان انتخابي… أفلست تلك الشركات بسبب سوء التدبير وضعف المراقبة، وحين جاءت الشركات الخاصة انتهت المجانية. من لا يدفع لن يركب.

تعرفت على أمينة في الأسبوع الذي تعطلت فيه سيارتي. حينها صرت من رواد ساحة المسلخ، هذا المكان الذي كان في عهد الاستعمار يسمى “المجزرة الإسلامية” صار الآن محطة نقل تتجمع فيها كل الخطوط… مآت السيارات والحافلات وآلاف الناس ينزلون ويركبون ويُسلخون… آلاف سيارات الأجرة، الصغيرة حمراء والكبيرة بيضاء… يلقبها الركاب “بالبقرة المجنونة”

لماذا؟

كل سيارات الأجرة الكبيرة في البلاد يزيد عمرها عن 20 سنة. يحتل المغرب المرتبة السادسة عالميا في عدد قتلى حوادث السير. والقتلى في المدن أكبر من خارج المدن وهذا استثناء مغربي آخر. عادة تفسر الحوادث بالأخطاء البشرية او الحالة الميكانيكية أو تدهور حال الطرق… لكم الموت واحد. فالسيارة سلاح خطر ويُنصح كل من يركبها بالطهارة وبنطق الشهادة…

تنشط البقرة المجنونة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، هنا يستقر الموظفون والعمال الفقراء الذين يخجلون من ذكر إسم الأحياء التي يسكنونها… فالحي وسيلة حاسمة في التصنيف الطبقي… يلجأ أولئك الأجراء للضواحي البعيدة حيث يمكنهم كراء أو شراء منازل بأسعار أقل، ومقابل هذا الربح يتحملون بهدلة نفسية وبدنية يوميا، لهذا يفرحون بكل يوم عطلة أو إضراب… حينها يمكثون في بيوتهم، يحلمون بشراء سيارة خاصة لكن ترعبهم مصاريف صيانتها…

عندما تنتظر أمينة الحالفة وحيدة تنظر للأرض كي لا تلتقي نظراتها بأي متحرش محتمل يفسر التقاء العيون كترحيب بمشروعه… تشتكي من السرقة و”الظاهرة المرضية لتحرشات الجنسية التي تعاني منها الفتيات في الحافلة وأمام أعين الركاب دون أن يحركوا ساكنا ودون أن تنبس المتحرش بها بكلمة خوفا من اعتداءات أخطر”.

روت عن كابوس “رجل في الأربعينيات من عمره يبدو عليه الوقار… كان جالسا حينما صعدت إلى الحافلة التي كانت شبه فارغة… امتلأت الحافلة فنهض الرجل وبدأ يتحرش بالنساء واحدة تلوى الأخرى ويختار الشابات السمينات يلتصق بهن ويقوم بشيء مقزز وأمام الملأ… والركاب يشاهدون هذا وكأنهن أمام فيلم… وكلما خجلت المتحرش بها وتحركت يلحق بها أينما حلت حتى فرغ من شهوته الحيوانية”.

تقول أمينة أن التحرش في الحافلات نادر في الصباح ويكثر في المساء. في الطاكسي يصير التحرش أنيقا، يعترف لها الجالس بجانبها أنه أعجب بها “من النظرة الأولى” ويقترح عليها الحديث عن ذلك في مقهى قريب. لا تعتبر أمينة مثل هؤلاء أزواجا محتملين لأنهم يستبدلون النساء كما يتنقلون بين الطاكسيات…

تتمنى أمينة أن تتزوج لتتوقف عن ذلك العمل الصغير الذي يكرهها على ركوب الحافلات والطاكسيات يوميا… في انتظار تحقق حلمها، تستمر بالشعور بالغثيان كلما ركبت الحافلة… وهي تحد الله أنها لا تتجاوز الغثيان إلى القيء… لم أعد ألتقيها… بفضلها تعرفت على جحيم النقل العمومي، وبذلك تغيرت نظرتي لسيارتي التي أفقرتني تكاليف صيانتها. صرت أحبها حبا جما. فهي تحميني من الزمن السائب في النقل العمومي. تحميني من النشل، فحين أركب وأغلق الباب أستفيد من بأس الحديد وأسعد بحصانتي البدنية والنفسية. هكذا يقلص استخدام السيارة الخصوصية صلة الفرد بالواقع، يتوقف عن إدراك مخاطر الشارع.

bnzz@hotmail.com

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “انتهاك حصانة الروح والجسد”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب