ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

التضامن المغربي وتهريب الوجدان

المصدر:  | 18 ديسمبر 2012 | رأي |

rachidelhahi_809736800.jpg

وجدان الإنسان مثل عقله تماما، يُصقل ويُشكل فيمكن أن يُقوّى أو يُضعف، كما يمكن أن يوجه لينمو ويتوطد أو قد يُحرف ليشِبّ على شيء ويشيب عليه. والوجدان البشري قابل للبناء والنماء كما يكون عرضة للتضليل والشحن والتخريب حسب مختلف العوامل والشروط المؤثرة في محيطه ومسارات نشأته واشتغاله وتكوينه وتوظيفه أو استغلاله. ومن ضمن أهم الشروط المؤثرة في هذا المقوم الإنساني الحيوي، الفردي والجماعي، الخطابات التربوية والثقافية والفنية والإيديولوجية ومؤسساتها وإطاراتها ومجالات تداولها، وما تعج به من تمثلات ومقولات وتتسلح به من رموز وأفكار، وما يسكنها من وقائع وحقائق أو من أساطير وأوهام.

لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر كم بكى وتألم أطفال مغاربة في دروس الرثاء أو التخويف والترهيب التي كانت ولا تزال تتيحها بعض المقررات الدراسية ليكتشفوا في كبرهم – أو بعضهم على الأقل- أنهم كانوا ضحايا وعظ منحرف وتزوير وتهريب وجداني محقق، وكم تعالت حناجر الطلبة والطالبات والأحزاب والنقابات وهتفت خلال الحروب الخليجية باسم صلاح الدين الأيوبي المنتظر ليكتشفوا بعد سنوات أنهم كانوا يناصرون الديكتاتور، وكم انفعلوا وصرخوا إبان قصف باب العزيزية ليكتشفوا بعد عقود أن الشعب كان يلزمه عشرات السنوات وتقديم آلاف الضحايا ليقتحم تلك الأسوار وليسقط الصنم…

وأنا أكتب هذا المقال أتابع حلقة من برنامج “شدى الألحان” على القناة الثانية ليوم 15 دجنبر 2012 التي احتفت بالمغني المغربي الكبير ابراهيم العالمي الذي غنى بالدارجة المغربية الجميلة، أسمع أحد ضيوف الحلقة وهم مغني شاب يقول بأن المغاربة هم الشعب الوحيد في العالم الذي يغني جميع الأشكال الغنائية وهو يشتكي غياب هذا التبادل لدى الشعوب والثقافات الأخرى اتجاه المغرب والأغنية المغربية.

هذه أمثلة عن أشكال التهريب الوجداني التي يتعرض لها المغاربة في مسارات تنشئتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، والتي قد تكفي لفهم كيف أن المغاربة هم ربما الشعب الوحيد في العالم الذي يتضامن بشكل حماسي منقطع النظير مع قضايا وأحداث خارجية ولا يعير أدنى اهتمام أو إحساس لقضايا وأحداث ومآسي داخلية تعيشها مناطق من صلب الوطن ويعاني منها مواطنون جِدّ مغاربة. فالتضامن مع القضية الفلسطينية مثلا، وفي مسيرات مليونية – وليس في هذا التحليل أي تشكيك في عدالتها وحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة وفي حياة حرة كريمة – ، والانخراط في مشاكل وأزمات الدول الشرق الأوسطية والإلمام بأدق تفاصيلها والتطوع في حروب تلك الدول ومشاكلها الداخلية، والبكاء أو الانفعال لمجرد مشاهدة صور إعلامية من تلك الأحداث والصراعات، مقابل سوء الاهتمام والتجاهل والتبرم الذي تقابل به مثلا مأساة الأطفال والنساء والشيوخ المغاربة في الجبال والسهول والصحاري كما يحصل هذه الأيام في أنفكو والمناطق الثلجية، يؤكد أن المواطنين والمواطنات هم ضحايا منظومة إيديولوجية تحريفية وتعبئة وجدانية زائفة، يحسون ويهتمون نتيجة مفعولها بغزة قبل تازة، وبمصر قبل إميضر، وبالمشرق قبل المغرب.

فتكفي موجة برد وبعض الثلوج لتهديد حياة الآلاف من الأطفال والرضع والنساء والشيوخ المغاربة في غفلة تامة من الحس التضامني الانتقائي لغالبية مواطنيهم ومن الضمير الإنساني الذي رهنته الإيديولوجيات السائدة والخط التحريري لقنوات فضائية لا تخفى مشاريعها ورهاناتها.

لا يتعلق الأمر بالتأكيد بتضامن تلقائي مع القضايا والأحداث والشعوب، ولا بحس إنساني فطري أو عفوي كما يحصل أحيانا بين المواطنين والمواطنات المغاربة داخل الأحياء والقرى وفي محنهم الاجتماعية اليومية، بل أن أشكال هذا التضامن الجماهيري مع قضايا خارجية ترتبط بنتائج سياسات وخطابات وأشكال مختلفة من الإعداد والتحريف والتعبئة والاستغلال الإيديولوجي للوجدان الفردي والجمعي، وباستلاب واكتساح فكري وإعلامي وبتوظيفات مفضوحة لكل ذلك من طرف بعض الأحزاب والجماعات والتيارات الإيديولوجية التي تستغل تلك القضايا في استمالة المواطنين، والأطراف والأشخاص الذين حولوا هذه القضايا ومناسبات التضامن إلى ماركة تجارية لنشاطهم السياسي التضامني المدر للربح والمستغل لسذاجة الوجدان المغربي المهرب.

لو كان الإنسان هو موضوع التضامن، ولو كانت مآسيه ومعاناته ومصالحه هي ما يحرك هذه الأشكال والمسيرات التضامنية، لتحركت الأطراف التي تستغلها من أجل نصرة الشعوب ضد الأنظمة المستبدة في انتفاضات ليبيا وسوريا حاليا، ولهبت قبل ذلك لنصرة ودعم المغاربة المقهورين وفك العزلة عنهم، حيث أكدت الأحداث الأخيرة زيف ادعاءات وأهداف تلك اللجان، وبينت مدى انسياق المجتمع وغالبية التيارات السياسية والثقافية خلف إغواءات إيديولوجية ومادية وتمثلات واستيهامات مغلوطة لا تخدم مشاريع الديمقراطية والتنمية والتحديث، لا في تلك البلدان البعيدة ولا في مناطق وأحياء وقرى المغرب المهمشة والقريبة جدا.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “التضامن المغربي وتهريب الوجدان”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب