ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

هاني: الإسلاميون سكتوا عن فتوى القرضاوي بسبب “الأبوية”

المصدر:  | 23 أكتوبر 2012 | الأولى, حوارات |

drisshaniune_241795069.jpg

حاوره: نورالدين لشهب

اعتبر إدريس هاني أن فتوى القرضاوي الأخيرة بالدعاء على إيران والشيعة بموسم الحج، جاءت في سياق مشحون بالفتنة الطائفية، وحمل القرضاوي مسؤولية تأجيج هذه الفتنة في هذا الوقت العصيب لأسباب سياسية تستهدف طبيعة الاصطفافات السياسية بالمنطقة.

وعن سكوت أبناء الحركة الإسلامية المغربية عن هذه الفتوى الغربية، باستثناء مقال يتيم للدكتور أحمد زقاقي بهسبريس، ذهب إدريس هاني أن الأمر يعود إلى “أبوية” القرضاوي على الحركة الإسلامية. فإنهم جعلوا منه أبا روحيا، وبذلك سكتوا برا بالوالد ولو أخطأ، والأبوية بالمفهوم البطريركي” بتعبير المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي.

كما اعترف هاني وبجرأة غير معهودة أن الفتنة الطائفية يتحملها السنة والشيعة معا.

كيف تلقيت دعوة القرضاوي لثلاثة مليون مسلم حاج للدعاء على إيران؟

هي فتوى جاءت في سياق مشحون بمؤشرات الفتنة. فالفتنة كما يقال هي نائمة لعن الله من أيقظها. ويشهد التّاريخ اليوم أن القرضاوي لا يأل جهدا في سبيل إيقاظها. فكيف توقظ الفتنة يا ترى؟ توقظ حين ينبري فقيه أو شيخ ويفتي بما يثير هذه الفتنة. فما قام به القرضاوي هو أنه حاول أن يستغل المنبر الديني وموقعه كشيخ مؤثر في شرائح من الحركات الإسلامية والإسلاميين لكي يقدم فتوى تثير الشغب. فهو تشغيب وراءه أهداف ومرامي سياسية. لأن القرضاوي لا يفتي فتاوى فقهية مجردة، بل إنّ فتاويه مدروسة من الناحية السياسية. وهو اليوم فيفالدي معزوفة الفصول الأربعة الطائفية. وعموما أنا لم أتفاجأ من هذه الفتوى. فلقد كنت أراقب أداءه منذ سنوات واعتبرته شيخا طائفيا قبل سنوات.

هل يتعلق الأمر بفتوى فقهية أم رأي سياسي؟

أنا أعتبر الفتوى سياسية. هو موقف سياسي، أو لعبة سياسية. سميها ما شئت لكنها لا تخرج عن حسابات السياسة.

صادرة عن فقيه؟

نعم صادرة عن فقيه، فالقرضاوي يمارس التبييض الديني للمشاريع السياسية في المنطقة.كيف ذلك؟ فالإيرانيون ولأسباب ما لا تهمنا الآن، قالوا: لا بد أن نحيي مسيرة البراءة.

والبراءة من المشركين هي نوع من الاحتجاج السلمي اعتاد أن يقوم به الحجيج الإيرانيون وغير الإيرانيين حينما ينهون مناسكهم. وهم يقصدون بها الاستكبار العالمي وأمريكا وإسرائيل وما شاكل ذلك. فالوضع صعب جدا فلا بد من تشغيب ولا بد من فتوى تضع العصا في العجلة. ولم يجدوا شخصا مناسبا أكثر من القرضاوي لتصدر عنه هذه الفتوى الصريحة في موقفها الطائفي الفاضح. بمعنى أنه يهدد الإيرانيين، ويريد أن يقول: لو أنكم تريدون أن تقوموا بهذه الأمور فنحن نستطيع أن نحول العالم الإسلامي إلى شذر مذر طائفي. لذلك فالقرضاوي الآن لو تتبعنا الخط البياني لخطابه منذ السنوات الأخيرة، سنكتشف أنه أصبح شيخا طائفيا.وهذه الأمور اتضحت الآن وأصبحت واضحة، ففتواه لم تكن فتوى علمية لأن هناك فقهاء لم يفهموها، فالجميع فوجئ بها. لأنّ فيها خلط بين النزوع الطائفي والشّوفيني.فضلا عن أنها أساءت لملايين المسلمين الذين لا تهمّهم حسابات القرضاوي وولاءاته السياسية.

حتى عامة الناس فوجئوا بهذا..

صحيح، ولكن فتوى القرضاوي جاءت في سياق رد على دعوة الاحتجاج السلمي، وكان من المتوقع أن يكون هناك رد. فالطائفية مشروع لا ديني بديل عن أي مشروع يمكن أن يصدر من أي جهة، وعن إيران على وجه التحديد. فلم يعد من الممكن مواجهة إيران إلا بالتصعيد الطائفي. وهذا موقف استراتيجي أسّس له كارتر منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران. فهذه الفتوى لم تكن من عندياته ولكنه مدفوع إليها باعتبار أن القرضاوي في النهاية موظف وليس حرا في إصدار فتواه، فهو مرتبط بأجهزة ومرتبط بدولة وليس حرا.

من المستهدف بهذه الفتوى/ الرأي السياسي؟

المستهدف هو الاصطفافات في المنطقة، فكل فتاوى القرضاوي هي من حيث المقاصد ومن حيث نتائجها ، تصب في مشروع “الناتو” والمشروع الصهيوني بالمنطقة. يعني كل فتاواه الأخيرة تصب في مشروع الاصطفافات في الشرق الأوسط.

كيف تحول القرضاوي من داعية إلى الوسطية والاعتدال والحوار بين الشيعة والسنة وله ابحاث في الدعوة إلى الحوار بين المذاهب الإسلامية، وزار إيران كثيرا وكان ضيفا مرحبا به، فكيف تحول الرجل من داعية للتسامح والتغافر بين المسلمين إلى داعية طائفي كما قلت أنت؟

أنا شخصيا لم أكن أثق في خطاب القرضاوي حول التسامح والتعددية وما شابه ذلك، كما كان يبثه القرضاوي ويتبناه، لماذا؟ لأني كنت دائما مع التجديد الجذري في الخطاب. بمعنى لست مع محاولة أن نركّب أفكارا موجودة ونضفي عليها بعض العناوين والمفاهيم ونتبناها من دون أن تكون لدينا قناعة عميقة بها. كنت أعتبر هذا من التدليس والخداع الذي مارسه شيوخ كثيرون في الإسلام، وجهات كثيرة محسوبة على الحركة الإسلامية. واليوم نكتشف بالفعل ما هي نتائج غياب التجديد الجذري. لأنه ليست المسألة أن نستعمل مفاهيم كبرى نخفي بها المواقف العميقة الاستئصالية لبعض الإسلاميين. ففي الملمات وفي المنعطفات الدقيقة في تاريخ المنطقة يطلع هؤلاء، ويراهم البعض أنهم قد ارتدّوا وهم في الحقيقة لم يرتدوا وإنما كشف عنهم الغطاء. فالقرضاوي لم يكن يحسم مع الكثير من الأمور. كان يحاول أن يبرر، ويحاول أن يعقلن أفكارا متطرفة جدا، وحتى تأصيلاته خفيفة في هذا الصدد لما ننظر إليها من منظور فقهي وأصولي وفلسفي نراها مهتزة جدا وهشة. فكل ما للقرضاوي من أفكار جميلة هي منقولة عن فقهاء مجددين سبقوه سواء في مصر أو غير مصر ويتبناه، ولكنه مُكن لكي يكون على عرش الدعوة لأسباب باتت اليوم معروفة ، بحيث ساهم البترودولار في إعادة إنتاج القرضاوي من ذلك الرجل الشيخ الأزهري شبه المغمور الذي ينتقل من مصر إلى دولة خليجية فجأة يصبح أميرا، أي في مقام الأمير، وبالتالي قوة الفتوى هنا ليست صناعة فقهية محضة، ولكنها تدخل فيها حسابات أخرى من قبيل التمكين. فلماذا لم يمكّن هذا ولم يمكّن الآخر، يعني كان لدينا علماء كثيرون مروا دون أن يسمع بهم أحد، محمد الغزالي مثلا، ولكن لماذا القرضاوي فقط؟ لأن الرجل يُعاد إنتاجه بحسب الطلب. فالمنطقة دخلت في رهانات سياسية وسوف يكون له الكثير من الطلعات من هذا القبيل، وسوف نسمع منه الغرائب. وبما أنه في سنّ لم يعد يسيطر فيه على نفسه سنسمع منه أشياء لم نسمعها منه من قبل. بمعنى ستكون مواقف واضحة ومحددة ومكشوفة..

كيف تفسر سكوت أبناء الحركة الإسلامية بالمغرب عن هذه الفتوى والتي فاجأت العوام باستثناء مقال يتيم لأحمد زقاقي ومقال آخر للصحفي إدريس الكنبوري نُشرا في وقت سابق على جريدة هسبريس الالكترونية؟

السبب يعود إلى “أبوية” القرضاوي على الحركة الإسلامية. فإنهم جعلوا منه أبا روحيا، وبذلك سكتوا برا بالوالد ولو أخطأ..

ولكن القرآن الكريم يقاوم “الفكر الأبوي” ونحن إزاء حركة تجعل القرآن مرجعها الأسمى.. أليس كذلك؟

طبعا إذا حكمنا بالمفهوم الديني الذي هو ضد الأبوية، ولكن نتحدث هنا عن الأبوية بالمعنى البطريركي، بمعنى أن تتبع الأب ولو أخطأ. ولكن ليس مجرد أنه أب روحي، ولكنه أب اقتصادي بالنسبة للحركة الإسلامية، فهو الذي يوفر لها الدعم وأشياء كثيرة، لأنها تدخل في المختبر القريب من القرضاوي وحاشيته. وهو الذي يسيطر على الأوضاع هناك في الكثير من المناطق العربية. ولذلك يرون أن الرد على القرضاوي فيه ردا على السياسات التي تقف وراء القرضاوي. لذلك يخافون ولا يملكون الشجاعة الكافية كي يواجهوا القرضاوي لأنهم مرتبطين به عضويا وبمشروعه… هم لا يتعاملون معه كصديق للحركة الإسلامية بل هم يذوبون فيه ويذوبون في المشروع الذي يذوب فيه القرضاوي نفسه..

وكيف تفسر سكوت السعودية على المستوى الرسمي لاسيما أنها عاشت فتنة في موسم الحج عام 1979 مع جهينة العتيبي؟

ربما الأمور إلى حد الآن غامضة، وربما أن الأمر فيه تهديد للجانب الآخر من أجل إحداث توازن مطلوب لعله يوقف قرار الإيرانيين بحملة البراءة في الحج، كأنهم يريدون أن يقولوا للإيرانيين : هل تريدون الفتنة؟ وهم يعلمون أن الإيرانيين يتخوفون من الفتنة، لأنهم يعرفون موقفهم للتقريب من المذاهب ويزعجهم الخطابات الطائفية، وربما وجدوا في القرضاوي فرصة لهم، ولكن على المدى المتوسط. فهذا محرج بالنسبة لهذه الدولة، لأن المنطقة ليست خالصة لمذاهب وطوائف معينة، فهي مركبة ومتعددة..

ألا يتحمل الشيعة أنفسهم جانبا من المسؤولية في إذكاء الحرب الطائفية؟

نعم، هناك حذر وتخوف في المنطقة لكل ما هو إيراني، نعم هذا موجود. ولكن نحن الآن نحاسب العناوين ونحاسب اللغة. كلام القرضاوي مثلا واضح في دعوته إلى الطائفية مثلا، الإيرانيون لا يتحدثون بعناوين طائفية. يتحدثون بعنوان أمة إسلامية. ولن تجدهم يتحدثون بهذا الكلام. فعلى مستوى اللغة سقط القرضاوي في الطائفية، والإيرانيون سجلوا هدفا لحسابهم..

نعم، وإذا عدنا إلى ما يجري في سوريا حاليا نجد شخصيات قومية ويسارية وإسلامية محسوبة على المذهب السني تناصر النظام السوري، بينما لا نجد هذه التنويعات الإيديولوجية في الجانب الشيعي تقف إلى جانب الجيش الحر ومع الثورة السوري، قد يرى الرائي أن الأمر يتعلق بحرب طائفية من الجانب الشيعي الذي يناصر نظام بشار الأسد، ما السر في ذلك؟

السّر في ذلك هو أن الجانب الآخر لا يتحدث بعنوان الطائفية. فالطرف الذي يرفض الدخول في هذه الحرب يقرأ الأمور قراءة سياسية. فهم يعتبرون أن هذا المشروع هو مشروع سياسي وأن هذه اللعبة في أساسها سياسية. ولا أحد يجبر الشيعة أن يتموقفوا في هذا الاتجاه أو ذاك. والشيعة منتشرون في العالم ولا أحد يجبرهم في اتخاذ موقف معين، وهم ليسوا مكرهين بإكراهات ربما الأطراف الأخرى مكرهة بها. وهم يعتبرون أن ليس من مصلحتهم أن تتحول سوريا إلى حرب أهلية، فهم يعتبرون الأمور هكذا، لأن الحرب الأهلية أول من يتلظى بها هم الأقليات، وهم يرون أن الأمر يتعلق بمشروع سياسي ولذلك فاصطفافاتهم هي سياسية.إن موضوع سوريا هو موضوع معقد جدا، وأي قراءة غير سياسية وإستراتيجية للموضوع تتيه بنا في متاهات لا يمكن أن تكون منطقية. فالأمر لا يتعلق بالأقلية الشيعية، فالمسيحيون بل الأغلبية السنية لو كانت مع الجيش الحر لسقط النظام.

فالنظام كدولة أغلبيته سنة، وفي سوريا لا يوجد هذا الخطاب. ولا يوجد الخطاب الطائفي، لا في التعليم ولا في السياسة، بل بالعكس فيه بنود تجرم مثل هذه الخطابات والنعرات الطائفية. والسوريون يعرفون هذا جيد..

ولكن الشيعة وتحديدا إيران تقف مع النظام السوري ضد الشعب في مطالبته بحريته..

لا أحد ضد مطالب الشعب السوري، ولا أحد قال وادعى أنه ضد المطالب الشعبية للشعب السوري. الكل يقول بأنّ على النظام السوري أن يستجيب لمطالب الشعب. لكن هم ضد مظاهر التسلح وضد المسلحين وضد التدخل الأجنبي، لأن هذا مرتبط بأجندات تعرفها هذه الدول جيدا. والأمر لا يتعلق بأفراد بل بدول تعرف طبيعة اللعبة ومن يقف وراءها وتتابعها باليومي. وهذا موضوع كبير فيه روسيا والصين وإيران. أي نصف العالم. هناك اصطفافات كبيرة، تنظر إلى الموضوع نظرة جيوستراتيجية ولا تنظر إليه نظرة طائفية.

النظام السوري لا يعاقب اليوم على الديمقراطية التي تنكر لها المجتمع الدولي في كثير من دول العالم، بل تعاقب لأنها ظلت عقبة كؤود ضدّ مشروع الشرق الأوسط الجديد. تحارب لأنها ممانعة. فلو دخلت في صفقة حول ملف المقاومة لوجدوا حلاّ للموضوع فورا.

هناك من لام القرضاوي كونه داعية للشعوبية عندما تحدث عن الفرس في مقابل العرب، لكن هذه النزعة الشعوبية إن صح التعبير قد نجدها عند المراجع الشيعة أنفسهم بين ما هو فارسي وأفغاني وعربي، وتجلت هذه النزعة مع العلامة حسين فضل الله.. ولا أحد تحدث عنها؟

للأسف هذا كلام مردد وليس كلاما فقهيا، هذا الكلام إذا تبناه القرضاوي والشيوخ من أمثاله، هو كلام ليس تحقيقيا لأن إيران ليست فارسية كلها، فيها قوميات وأعراق، فالحديث هنا عن الطائفية والعرقيات محاولة للهروب من السؤال الجيوستراتيجي في المنطقة. فهم يهربون من هذا السؤال واستحقاقاته. المعارك والاصطفافات كلها ذات طبيعة جيوستراتيجية وليست مذهبية. فالمذهبيات والطائفية هي مجرد أوراق يتلاعب بها الطرف الضعيف، لأنه ليس من مصلحة إيران ولا سوريا أن يعزفوا على هذا الوتر. فالاصطفافات سياسية قبل أن تكون طائفية..

مثقفون عراقيون يتحدثون عن الاحتلال الاجتماعي للإيرانيين بالعراق، فإن كانت أمريكا احتلت العراق عسكريا فإن إيران احتلت البلد اجتماعيا إلى درجة أن بعض الكتاب العراقيين في الإعلام باتوا يتحدثون عن التشيع الصفوي الغريب عن تربة العراق في مقابل التشيع العلوي..؟

شف ، حينما تكون هناك دول ضعيفة ما تزال تبحث عن نفسها، فأكيد ستتأثر بالجوار. الإيرانيون لهم علاقة مميزة مع العراق. وهذا بحكم الاستحقاق التاريخي والثقافي والجغرافي. لا تنس أن الحدود الإيرانية العراقية طويلة جدّا. التداخل الديني والثقافي والعرقي موجود. فهناك عراقيون من أصول إيرانية، وفيه إيرانيون من أصول عراقية. لو كنا نتحدث بهذه اللغة كان أولى أن نحاسب بأنه يوجد على رأس هرم الدولة الإيرانية عراقيون كثير. فلماذا لا نتحدث عن اختراق عراقي لدولة إيران؟ فكثير من الأسماء حكمت في إيران هم عرب أو عراقيون. فالإيرانيون يفهمون العراقيين أكثر من غيرهم. ويتعاملون معهم من حيث العلاقات الاجتماعية والثقافية والتبادل إلى غير ذلك. فيه سياحة مشتركة بين المجتمع الإيراني والعراقي. هذه عوامل تؤهل إيران أن تكون أكثر نفوذا في العراق كما تؤهل العراق إلى أن يكون أكثر الدول العربية نفوذا في إيران. أما تركيا أو غيرها من الدول لا تمتلك كل هذه العناصر لتكون أكثر نفوذا. لذلك تلجأ إلى التدخل المتعصب كأن يزور مسؤولون أتراك إقليم كردستان دون أن يعلموا بذلك الحكومة المركزية بالعراق.هناك محاولة انتهاك السيادة الوطنية للعراق من قبل الأتراك. فإيران لا تفعل هذا لأنها تتعامل مع دولة العراق كشركاء وهي تفهمهم كثيرا وتستعمل اللغة التي يفهمونها، وبالتالي هي علاقات تاريخية قديمة، وهذا ما يزعج الآخرين عندما يدخلون للعراق ويجدون البضائع الإيرانية وزوار إيرانيين، فهذه زيارة سياحية وهؤلاء قرويون مساكين يذهبون للسياحة منذ سنين وقرون.. والعراقيون خرجوا من استراتيجية استعداء الجيران، ولذلك هم الآن بصدد ترتيب علاقاتهم مع كل دول الجوار بما فيها الدول العربية. وسياستهم الجديدة قائمة تشبه ما حاولت السياسة التركية الوصول إليه . فهي مبنية على سياسة العمق الاستراتيجي كما أصل له أوغلو القائم على تسفير المشكلات مع الجيران. أنا أعتقد أن تركيا لم تنجح في هذا بينما ستنجح فيه العراق. وأعتبر أن العراق هو المؤهل لتطبيق العمق الاستراتيجي وهو يتحرك في سبيل تسفير المشكلات مع الجيران…

دعنا من الحديث عن الدول والمصالح المتشابكة، نحن بصدد الحديث عن شخصيات جاءت من الدعوة إلى الوحدة والتسامح والحوار والمشروع الحضاري وإلى غير ذلك من العناوين البراقة سواء لدى الشيعة أم السنة، الناس الذين عاشوا في المنافي والبطش على عهد صدام بالنسبة للشيعة أو الآخرين الذين عاشوا في ظل القمع والإقصاء والتهميش والسجون لدى السنة، فهذه الأفواه المتمضمضة بدأت تنطق بالضلال والسفه للأسف لشديد وتقسم، ليس الأمة إلى كانتونات طائفية وغيتوهات عرقية، بل فرقت الأرحام من الأسر والعوائل، وهذه الأيادي المتوضئة بدأت تبطش بالناس، وقد بدأت المصيبة الطائفية من العراق… المشكل يتحمله الإسلاميون لدى السنة والشيعة على حد سواء، هناك أفعال وردود أفعال موغلة في الوحشية من تقتيل على الهوية وتكفير وتسفيه، انظر إلى المواقع الالكترونية والمنتديات وكذلك الفضائيات التي تناسلت في السنين الأخيرة… كيف الحل؟

الحل يجب أن نفهم أننا ندفع ضريبة التخلف…نحن متخلفون ونعيش ضريبة التخلف. يجب أن نعترف بهذا. كلنا في التخلف شرق، كلنا جميعا. الجميع متخلف ويتقاسم هذا التخلف التاريخي والانحطاط التاريخي لدى المسلمين، كل بقدره وفي كل الاتجاهات. ليس لدينا هنا ملائكة وهناك شياطين، إذا أردنا أن نخرج من التوزيع الطائفي والعرقي.. نحاول الحديث عن عقل عربي وعقل مسلم يعيش حالة الانحطاط. وبالتالي هناك خطاب مثالي للأمة. فمفهوم الأمة أصبح إشكاليا. نتحدث عن الأمة ولكن ليس في الواقع شيئا اسمه الأمة. فيه أقطاب ومشاريع ومصالح وصراعات وكأن هذه الأطر لم تعد تكفي فنريد المزيد من التجزئة ومزيد من الصراع وإذكاء التناقض بين مكونات صغيرة جدا. كل ما في الأمر عندما تغيب الرؤية الحضارية والنهضوية والرؤية الإصلاحية والسياسية … وهذا كله تؤطره الرؤية السياسية. وعندما تغيب هذه الأمور فلا نتفاجأ بأن كل ما لدينا سيتحول إلى خناجر وسيوف في خاصرتنا. يعني ما كان بإمكانه أن يكون ويشكل عنصر فراغ في الحضارة الإسلامية، سيتحول إلى عامل هدم. يعني أن التعددية نفتخر بها في المجتمعات المتقدمة، ولكن التعددية يمكن أن تتحول إلى مسألة خطيرة، بمعنى أننا حين نتخلف نجد أن كل العوامل ستعمل ضدنا. فلذلك أن نبحث في الحل بين الطوائف والأعراق فهذا لا يكفي، لأن العالم طبيعته هكذا. هذا قدر الجغرافيا الإسلامية، ولكن هل نحن نفكر بالفعل سياسيا؟ أنا لا أعتقد أن السياسة تفعل دورا خطيرا في هذا الاتجاه. السياسة هي التي تفرقنا والسياسة هي التي تجمعنا. فلو حصلت الإرادة السياسية سوف تتوحد هذه الأمة. إنّ كل ما نشاهده اليوم هو مجرد تحريك لـ “الكومبارس”، ولكن حينما يتخذ القرار السياسي كل هذا ينتهي. يعني كل الأزمة السياسية في المنطقة يستتبعها هذا النوع من النعرات. وحينما تبحث السياسة لها عن حل وتقترب من الحل تهدأ الأمور. وأعتقد أن السياسة هي المسؤول عن كل شيء . فالسياسة هي التي تحرك والسياسة هي التي تجمع. إذن الموقف كله يتوقف عند الإرادة السياسية. فهل بإمكاننا أن نتوحد في الإرادة السياسية؟ طبعا فالسياسيون هم مسؤولون عن تفجير مثل هذه الأوضاع، وهم يدركون أيضا خطورتها. ولذلك هم يعرفون أن هناك خطوطا حمراء. لا عليك هذا الخلاف سيفوت. ولا يمكن لهذه القضية أن تفوت على أصحاب المشاريع السياسية . وإذا فاتت عليهم فمعناه أن الجميع سوف يهلك.

بالنسبة لدور المثقف المسؤول بتعبير علي شريعاتي، فهو غائب أو مغيب، انظر معي، فإذا عدنا إلى عصر النهضة نجد أن مفكرين كبار مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والكواكبي والجبرتي …الخ كانت لهم رؤى وأفكار وكل واحد يناقش إشكالية النهضة انطلاقا من زاوية نظره بصرف النظر عن هويته المذهبية والإيديولوجية، الآن وبعد مرور قرن ويزيد من عمر النهضة العربية أصبحنا نناقش هل جمال الدين الأفغاني كان سنيا أم شيعيا، المفكر المصري محمد عمارة يقول بأن الأفغاني كان سنيا وإدريس هاني يرد بأن الأفغاني كان شيعيا، ويمكن أن أشير أنه قبل 20 سنة مرت كان أبناء الحركة الإسلامية في طبعتها السنية يلتهمون كتابات باقر الصدر والمطهري وعلي شريعاتي وحسين فضل الله إلى جانب سيد قطب والمودودي وغيرهم في استبعاد للعقدة الطائفية، وكذلك كان المثقفون الشيعة يفعلون، فلهم أبحاث حول مالك بن نبي وسيد قطب … وكانت تصدر مجلات من المشرق والغرب بالعربية يشترك فيها المثقفون المسلمون بصرف النظر عن المذهبية والطائفية، أما في عصرنا الحاضر يبدو أننا تقدمنا القهقرى للأسف الشديد، أول ما يسأل عنه العوام في واقعنا الثقافي الراهن حول هوية الكاتب المذهبية والطائفية ما بين الشيعة والسنة.. ما دور المثقف الذي ينبغي أن يلعبه الآن المثقف المغيب أو الغائب؟

صحيح فيه غياب لدور المثقف. المثقف لا يحضر إما يتلكأ إما يتسامى إما يهرب. فهو يخشى إن اقتحم هذا المجال بإشكالياته ومعضلاته سوف يتهم أو يتم تنميطه ويصبح طرفا. ولهذا فالكثير من المثقفين يحاولون أن يحافظوا على طهرانيتهم ويتسامون عن هذا النوع من التنميط. قد يكون الحق مع المثقف في جانب من هذا . ولا يريدون أن يتلوثوا بأي خطاب يسمهم وينمطهم أو يصنفهم. لكن يجب أن يقتحموا هذا المجال ويدلوا بدلوهم ولا يسلموا الأمور للسياسيين وعلماء الدين. لازم على المثقف أن يحضر بقوة وأن يكون هو العنصر الذي ينقل النقاش إلى دائرته العقلانية.

يلاحظ عليك أنّك تتحدث عن جمال الدين الأفغاني وتؤكد على أنه إيراني شيعي بينما يكتب محمد عمارة أن الأفغاني أفغاني سني…أليس هذا يؤكد على أنّك طائفي؟

وأنت تتحدث عن أبي النهضة الأفغاني، هو بالتأكيد شخصية شيعية إيرانية، وأنا أتشبث بإيرانيته وشيعيته بسببين: السبب الأول هو سبب تحقيقي علمي وأما الثاني فهو سبب إيديولوجي. أما من حيث التحقيق فأنا حققت في هذا الأمر، وقريبا سأنشر بعض الأبحاث في هذا الموضوع. لأني زرت الأماكن التي ولد فيها الأفغاني وزرت أفراد من عائلاته واكتشفت بالفعل هو إيراني وأيضا هو شيعي من باب التحقيق. ولكن من باب الأيديولوجية أريد أن يرى العالم أن الأفغاني هو شيعي وإيراني ولكنه في الوقت نفسه أبو النهضة العربية..حينما أركّز على إيرانيته وشيعيته لكي أمحق البعد الطائفي لا لأن أؤكّده. لكي ندرك أن أعلام الشيعة كانوا شركاء دائما في نهضة الأمة.

ولكن الدكتور محمد عمارة هو أيضا محقق وقام بتحقيق تراث النهضة العربية كله تقريبا، والكتب التي حققها هي المعتمدة في البحث العلمي لدى الباحثين والدارسين..

ولكنه يحقق تحقيقا كتبيا وليس ميدانيا. هو لم يذهب مثلا إلى أساد أباد حتى يعرف إن كان هو الأسد الأبادي الإيراني أم الأسعد أبادي الأفغاني. هو لم يلتق مع عائلته، لم يقف على نصوص كثيرة. أنا أريد للأفغاني أن يكون إيرانيا وشيعيا حتى أبين وامحق الخطاب الطائفي، لأن هذه الأمة لا يهم أن يكون رائد النهضة فيها شيعيا أو سنيا، إيرانيا أم عربيا.

ولذلك كان الأفغاني أخفى مذهبه لأنه كان رجلا نهضويا وهو يدرك ذلك تماما أنه لو تحدث عن إيرانيته وشيعيته لكان حاجزا يمكن أن يستغل من قبل البريطانيين بسهولة.لذلك أخفى كل هذا ليتحدث بأنه ذاب في الأمة ذوبانا. وأنا أعتبر بأن هذه حالة صحية.وعندما أركز على أنه إيراني وشيعي فليس تعصبا. وأنا أعرف عمارة لماذا ركز على ذلك. لأني أعلم، وقد كتبت هذا في أوانه وتحقق ما قلته. قلت بأنه يريد أن ينفي عن جمال الدّين إيرانيته أو شيعيته حتى لا يكون شخص مثل جمال الدين مثال لمساهمة الشيعة في نهضة الأمة. وبعد سنوات قال عمارة: ماذا بقي للشيعة بعد جهاد أهل السنة وكل ما لدينا من علماء ومن رجال النهضة هو للسنة فقط. وهو كان يحضر لهذا. وأنا قمت باستباق وكنت أعرف أن هدفه طائفي. والدكتور عمارة رجل طائفي وأنا أعرف نزعاته الطائفية. ولذلك هو حاول أن يمارس الطائفية من باب لعبة التحقيق وهو ليس تحقيقا، فالتحقيق هو حينما تذهب إلى المكان الذي ولد فيه الأفغاني وتجلس مع عائلته وتقف على الوثائق الموجودة وتقارن، وهذه مسألة جزئية، والسؤال الذي أطرحه على عمارة: لماذا هذا الجزء الجبار والعمل المضني لطمس إيرانية وشيعية الأفغاني؟ ولويس عوض انطلق من وثائق دقيقة وكتب مرة: ماذا يفعل الإيراني الغامض في مصر؟ وهو يقصد الأفغاني، ومحمد عمارة كان يرد على لويس عوض، وأنا أقول: لقد خدعكم الأفغاني خدعة جميلة، لأنه أخفى مذهبه وأخفى جنسيته حتى لا يكون هناك شيء يعيقه عن سؤال النهضة. لقد خدع الأفغاني الجميع وهي خدعة جميلة جدا أحدثت كل هذا الذي رأيناه في النهضة العربية في القرن التاسع عشر..شخصيا كنت أتمنى لو يحصل لي وعي السيد جمال الدين لكي لا يعرف أحد عن تجربتي في الاعتقاد، ولا تستعمل ضدّي في محاولة لمنعي من الانخراط في حركة وعي الأمة من قبل قوى التخلف والرجعية.

الملاحظ في كتابات إدريس هاني أن ماكينته النقدية لا ترحم المثقفين المحسوبين على المذهب السني سواء يساريين كانوا أم إسلاميين، ولكنه عندما يصل إلى المثقفين الشيعة يسكت أو يحاول أن يجد لهم بعض الأعذار فتراه يتأول التأويل الرحيم بشكل غامض وملتبس أحيانا..

شف، إلى حد الآن لم أصل إليهم، أنا أعتقد أن الشيعة قيل فيهم الكثير، أربعة عشر قرنا من الهجاء والتجديف بالحق والباطل ضدهم كانت كافية..

بالعكس، فالشيعة عبر التاريخ كان لهم شعراء كبار، والشاعر في التاريخ العربي كان بمثابة المثقف والإعلامي لأن الشعر هو ديوان العرب كما تعلم، صحيح أن السلطة كانت ضد البعض منهم، ولكن جمهور الأمة و”نخبتها” كانت معهم ووقف إلى جانبهم العلماء والفقهاء وأئمة المذاهب..

نعم..نعم، أنا أقول إن النقد الشيعي بضاعة موجودة في كل مكان. أنا لا أقول أنه لا توجد أخطاء. ولكن الشيعة انتقدوا عبر التاريخ من قبل خصومهم. يعني أن هناك تضخم في النقد ضد الشيعة. أما نحن فنبحث ونمارس النقد في المناطق المتمنعة عن النقد. في المناطق التي يراها البعض أنها تملك الحقيقة. في المساحات التي تنزع نحو الطهرانية والتي ترى أنها على حق. هذا كل ما في الأمر. وإذا ما كان هناك غلط لدى الشيعة ولم أنبه إليه، يعني أنني في مجالي هنا، أنا المغربي على كل حال والعربي، وبالنتيجة أنا أتحدث عن الذين ابتلينا بهم ثقافيا وفكريا وهذا هو مجالي، والتصنيف قد يراه البعض طائفيا، ومع ذلك هناك أناس أتحدث عنهم بإنصاف…

الملاحظ أيضا في كتاباتك أنك تمارس النقد من أجل النقد أحيانا بطريقة مستفزة، تحضر كمثقف مغربي حين ينتقد مثقف عربي مثقفا مغربيا، فأنت تدافع عن طه عبد الرحمن لما ينتقده أبو يعرب المرزوقي، وبعدئذ تتحول إلى ناقد للمفكر طه عبد الرحمن، وأثناء حضورك لبعض البرامج تفتخر بأدبيات الحركة الإسلامية، ولكنك تنتقد الحركة الإسلامية بالمغرب، انتقدت عبد الله العروي وبعدها دافعت عن أفكاره وأطروحته في المنديات المشرقية ، هل يعني هذا أن إدريس هاني يعاني من انشطار في هويته: كاتب طائفي بالمغرب ومثقف يدافع عن الثقافة المغربية بالمشرق؟

مثلما كان للشافعي مذهبان في الفقه، فأنا لي مذهبان في النقد. فحين يكون قدرك أن توازن بين المشرق والمغرب وأنت تتفاعل مع المعطيات فلا بد أن يحصل هذا حسب السياق والمقام. وأنت ذكرت طه عبد الرحمن، أقول إنه حين يغريني نص أدخل معه في تجربة نقدية. ولما ظهر مشروع طه عبد الرحمن كان هذا هو موقفي من البداية. لو ترجع إلى كتابي “محنة التراث الآخر” وصدر في نفس الوقت الذي صدر فيه كتاب طه عبد الرحمن حول التراث…

تقصد كتاب “تجديد المنهج في تقويم التراث” لطه عبد الرحمن؟

نعم، تماما، وقلت بأنه لا يمكن أن نحكم إلا بعد أن يصدر مشروعه وحينئذ فقط يكون لنا كلام. وبعد ذلك وجدت أن هناك مساحات مهمة في مشروعه. وكنت اطلعت عليها فغلب هذا الجانب الذي يشكل عنصر إعجاب ليغطى على بعض الجوانب التي كنت أتغاضى عنها، يعني أنها لم تكن تقنعني. ولكن كنت أتغاضى عنها، لكن مع مرور الأيام بدأت تتراكم الجوانب التي تشكل عنصر إزعاج في مشروعه. وفي وقت من الأوقات اتخذت قرارا. وحين انتقدت طه عبد الرحمن لكوني أعرفه، ولذلك يعتبر البعض أن نقدي فيه نوع من الردة لأنهم ينظرون للقضية من منظار الشيخ والمريد، وأنا لم أكن مريدا لطه عبد الرحمن، وبذلك حينما اتخذت قرار النقد كان إما أن اسكت وأربح الشخص أو أنتقد وأربح النقد.

ففضلت أن أخسر الشخص وأربح النقد. وحينما صار النقد لم تعد بيننا علاقة. وهذا لا يعني أني أخذتني العزة بالإثم في الحقيقة، ولكن هناك جوانب مضيئة ومهمة أغرتني في مشروع طه عبد الرحمن كتبت عنها بمديح وتبجيل، ولكن فيه جوانب أخرى كان لا بد أن أتطرق لها تحت الضغط المستمر بحيث أن ضميري كان يؤنبني لماذا لا أمارس النقد في هذه الجوانب التي أختلف فيها مع طه عبد الرحمن. وأيضا بالنسبة لأبي يعرب المرزوقي. نعم، أقول لك قد تأتي في سياق الموقف النقدي قضايا قد يُفهم منها أنها مواقف إيديولوجية. فأبو يعرب المرزوقي حين انتقد طه عبد الرحمن انتقده نقدا إيديولوجيا. هكذا لاحظت وتراءى لي. لذلك ماذا كان ينتظر سوى أن يكون الرد إيديولوجيا. ولا زلت أحتفظ ببعض النقود لأبي يعرب المرزوقي لم أنشرها بعد. وهي ذات طبيعة معرفية. وأقول لك بأني لا أنتقد سوى نصا يغريني وأرى فيه مقدرة علمية. بمعنى أني لا أنتقد النصوص غير العلمية. وأما عن العروي فقد بدأت ناقدا له والآن أدخل في المساحات التي أتفق معه فيها. والآن قد يقولون أني أصبحت مهتما كثيرا بفكر العروي ومعجبا به. الفرق هو أن نقدي للعروي في بعض الجوانب سبق إعجابي بجوانب أخرى، والنصوص هي بطبيعتها متوترة..

الملاحظ أيضا في كتابتك، ناهيك على أنها مستفزة بمعنى من المعاني، هي في ذات الآن يغلب عليها الطابع الأيديولوجي والمذهبي والطائفي على جوانب أخرى معرفية فيها سياحة للعقل وفضاء للمعرفة..

حقيقة أنا أعتبر أن الأيديولوجيا خطيرة جدا، والأيديولوجيا حاضرة وساكنة فينا. وهي تشكل هما خطيرا في الممارسة النقدية. أنا شخصيا أتعامل معها بحذر شديد. تارة أهزمها وتارة تهزمني. لأن الأيديولوجيا ليس من السهل التحرر منها. وبذلك قصارى ما أفعل أنني أصارعها. أحاول أن أدخل معها في صراع، ولكن لا يوجد نص غير إيديولوجي ولا يوجد نص نقي معرفيا. يبقى كيف ندبر الإيديولوجيا. كيف نجعلها تحضر في النصوص المعرفية حضورا لا يقلق المعرفة، ولا يحجب المعرفة، ولا يعيق المعرفة. أنا أتعامل مع الإيديولوجيا بواقعية. يجب محاكمة الأيديولوجيا ويجب الاعتراف حيثما تستبد بنا الأيديولوجيا. إن أخطر شيء يزعجني هو عندما يقول الإنسان: إنني لست إيديولوجيا. ومع ذلك أقول لا بد في العملية النقدية أن تحضر الأيديولوجيا قليلا أو كثيرا..

طيب نرجع إلى مؤلفك الأخير المعنون بـ” المعرفة والاعتقاد” تحدثت عن المقاصد واستحضرت الجابري وإيديولوجيا المقاصد وطه عبد الرحمن ومنطق المقاصد وعرجت على بن عاشور في تونس وعلال الفاسي بالمغرب والشاطبي بالأندلس، فلماذا غيبت أحمد الريسوني الذي يصنفه البعض بأب المقاصد بالمغرب في وقتنا الراهن؟

موضوع التغييب حقيقة ليس حاضرا. كان لابد أن أتحدث عن إيديولوجيا المقاصديين، لأن المقاصد هو الآخر مجال اخترقته الإيديولوجيا، ومن هنا خطورة وأهمية الإيديولوجيا. فتعاملت مع الجابري كأفضل نص تعاطى إيديولوجيا مع المقاصد، وتعاملت مع طه عبد الرحمن كأفضل نص تعاطى مع المقاصد تعاطيا منطقيا. لأنه أعاد ترتيب مقاصد الشريعة واستشكل على بعض القضايا في التفريع والترتيب. ثم لم أجد بعد من نصوص، لأن هذه النصوص أدلجت المقاصد، والأخرى منطقت المقاصد. فمثلا الجابري ربط المقاصد بالعقلانية المغربية والمشروع الرشدي إلى غير ذلك. طه عبد الرحمن ناقش الموضوع منطقيا. ولكن في مقابل هذا كان أمامي نصان كلاسيكيان بالمغرب، أحدهما هو لعلال الفاسي من المغرب صاحب “مقاصد الشريعة ومكارمها”، وهو أبو المقاصد بالمغرب، ثم نص الطاهر بن عاشور وهو أيضا أبو المقاصد في تونس، لم أجد غير ذلك جديدا يذكر. وحتى نكون منصفين فالريسوني قام بتعريف المقاصد في بعض الجوانب، ودرس المقاصد، ولكن أنا كان يهمني الإبداع والجديد في المقاصد. لذلك انتقلت مباشرة إلى النص التأسيسي الذي هو نص الشاطبي. ودخلت معه في محاولة نقدية. هذه المحاولة كان الهدف منها أن المقاصد تستقر على بنية منطقية معينة. وحاولت أن أحاكم هذه الأسس المنطقية التي أقيمت عليها المقاصد. ولكي أنتهي بأن المقاصد هي أيضا قد تنتج نقاض وأحكاما مختلفة ومتناقضة، وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن شيء منطقي وثابت، وإنما باسم المقاصد يمكن أن ننتج أحكاما متخلفة جدا. وهذا الذي يحصل الآن، ويحصل مع كثير من الإسلاميين بحيث أنه باسم المقاصد باتوا يتحدثون عن قضايا لا تخدم لا التنمية ولا النهضة ولا أي شيء من هذا القبيل…

ما علاقة المقاصد بالتخلف، هل يعني هذا أن المقاصد من حيث هي تحقيق غايات قد لا تلائم مطالب الإنسان المعاصر؟

أنا أنهيت هذا الفصل بأننا حين تتخلف مقاصدنا نتخلف معها، وحين يتخلف العقل العربي تتخلف مقاصده معه، وهذه العبارة تشخص لنا الإشكال، إن الذين يتحدثون اليوم عن المقاصد بكثير من التضخم هم لم ينتجوا لنا فكرا يصلح للتنمية الفكرية والسياسة في العالم العربي والإسلاميين. يعني مجرد أن نحاول إضفاء عنوان المقاصد على كل شيء أبدعه الفكر الأوربي في حقول السياسة والفكر ونحاول بالمقاصد أن نتقرب منه. فهذا العنوان أصبح مطاطا ومفهوما مائعا كسائر المفاهيم الكبرى التي تم تمييعها في العالم العربي من قبل بعض الإسلاميين الجدد مثل الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، فهم يستعملون كل هذه المفاهيم لكن من غير ضوابط. فأنا أسائل هؤلاء الذين يتحدثون اليوم في المقاصد، سؤالا صميميا واستراتيجيا: ما هو الموقف من العقل؟ حينما نقف على نصوص لدى الشاطبي نجدها لا تعترف بالعقل كمكون من مكونات التشريع، فهو لا يعتبر العقل من مصادر التشريع، ولا يعتبر أن المقاصد مدركة بالعقل، فكيف نبني مقاصد على أسس غير عقلانية؟ فالمقاصد التي يتحدث عنها هؤلاء لا تلتقي مع المطالب التي تتحدث عنها الفلسفات والسياسات الحديثة مع أن هذه قائمة على نبذ العقل وتلك قائمة على حضور العقل.. إن هذه الأفكار الجميلة التي يتم اليوم احتواءها تدليس بعنوان المقاصد ، تقوم على الفكر العقلاني. وقد اهتدى رفاعة الطهطاوي إلى ذلك حينما كان يصف مظاهر التحضر والنهضة الأوربية في تلخيص الإبريز، قال بأن القوم كانوا على مذهب المعتزلة في التقبيح والتحسين العقليين. بمعنى أنّ المدار في إبداع هذه الأفكار والمفاهيم نابع من موقعية العقل في المعمار الكلامي للمقاصديين. لكنهم لا زالوا ينتقدون المعتزلة لأنهم أعطوا العقل المنزلة الأولى في مصادر التشريع والتفكير.

بالنسبة للإسلاميين الذين وصلوا لسدة الحكم في بعض البلدان العربية نلحظ أنهم لم يعودوا يتحدثون عن مفهوم “الدولة الإسلامية” و” تطبيق الشريعة الإسلامية” هل يعني هذا أنهم باتوا مقتنعين بضرورة الدولة المدنية، أم أن الأمر بالنسبة لهم مجرد “تقية” وممكن أن ينقلبوا على الدولة المدنية عندما يتمكنون كما يتهمهم خصومهم؟

هنا سأتحدث بحكم معرفتي بسيكولوجيا الإسلاميين بالمنطقة. أقولها ببساطة وبكل شجاعة: إنها تقية. هذا ثقل تاريخي أرادوا أن يتخلصوا منه بأنهم عاجزون عن تنفيذه، وذلك من باب مكره أخاك لا بطل. لأنهم يدركون تماما أن مشروعهم كان هو الخلافة الإسلامية. وحين خرجوا عن الخلافة الإسلامية تمسكوا بأيديولوجيا المقاصديين لكي يكتشفوا لهم بدائل ترضي الأطراف الغالبة في الداخل والخارج. واكتفوا بأقل ما يمكن أن يكتفي به الإسلاميون لكي تتقلص القضية من الخلافة ككل لا يتجزأ إلى أحزاب بمرجعية إسلامية. حتى مسألة مرجعية إسلامية هي مستوردة ليست من عند الإسلاميين وإنما هي من العلمانيين. كلمة مرجعية إسلامية هذا عنوان علماني. هذا النزوع إلى العلمانية هو عجز وتقية من قبل هؤلاء الإسلاميين لأنهم عجزوا عن تطبيق مشروع الخلافة. وعجزوا عن إيجاد بديل للخلافة فحاولوا أن يشرعنوا ويبيضوا المفاهيم نفسها من قبيل الديمقراطية والتعددية، ولذلك يكثر تقصيرهم وتناقضاتهم. وهم اليوم غير قادرين على الحسم ولا أن يقدموا أدلة وبراهين مقنعة للعالم. لذلك لا زال يحيط بمشروعهم الشك من قبل خصومهم وغيرهم أنهم لا يمارسون سوى نوعا من التقية في انتظار التمكن والتمكين…

وإذا تمكنوا؟

لا يوجد مؤشر واحد بأنهم سيتمكنون…هم يقبلون بالخلافة بمفهومها الأدنة الأسوأ من الدولة المدنية…بينما الخلافة في المثال الإسلامي هي أرقى من كل ما أبدعه الإنسان من حيث هي العدل كله والسلم كله والتنمية كلها والأخلاق السياسية كلها…هؤلاء لا يتطلعون إلى الخلافة باعتبارها مثال المستقبل وتطوره بل ينظرون إليها بوصفها تراث الماضي بتخلفه…

هم يفهمون انتظارات المواطن اليوم الذي تطورت مطالبه وأصبح يطالب بالحرية والديمقراطية وتحقيق العيش الكريم أسوة بالمواطن في الدول المتقدمة؟

نعم، هذا صحيح أن مطالب الناس اليوم تطورت، لأن الشعوب العربية والإسلامية ليست كلها قارئة لمعالم في الطريق والمودودي. الشعوب اليوم عندها مطالب محددة في المعيش اليومي وفي السياسات وفي التنمية، وفي الحريات والحقوق… وهذه الأشياء في الحقيقة كانت قدر الإسلاميين أنهم سيتوجهون إليها ويحاولون أن يوجدوا تصورا حولها، لذلك هم اقتحموها في غياب البديل. وصادف أن هذا المشروع قد نجح في تركيا فأصبحوا عالة على هذا النموذج، فكلهم يحاولون تقليد النموذج التركي ولا تجد منهم أحدا يقول بأنه خارج عن هذا النموذج المتمثل في أردوغان وحزب العدالة والتنمية في تركيا. وبالنهاية فهذا المشروع ليس مشروعا إسلاميا كما نظر إليه الإسلاميون العرب بسذاجة، بل هو نموذج علماني لأنه نموذج حزب بعلامة إسلامية فقط. فالأمريكيون الذين شجعوا على هذا النوع لا يهمهم الشكل لأنهم برغماتيون وليست لهم عقدة مثل الفرنسيين في موضوع اللائكية والعلمانية. هم يعرفون هذا الحزب يتقاطع مع الأحزاب الأخرى في قضايا مشتركة وأنه حزب لا يطرح القضايا الأساسية والجوهرية في المشروع الإسلامي التقليدي. فتم قبول هذا المشروع من قبل الأمريكان وزكاه ما سمي بالربيع العربي..

ما سمي بالربيع العربي لم يصاحبه ربيع فكري عربي، الكتابات التي صدرت إلى حد الآن في العالم العربي قليلة جدا، وحتى المراكز الثقافية لم تأبه به ثقافيا باستثناء مركز دراسات الوحدة العربية الذي أصدر، في حدود علمي، ثلاثة كتب هي تجميع لمقالات ليس إلا، إيلام تعزي هذا الغياب الثقافي في طرح الأسئلة لملاحقة الفهم من أنحاء متنوعة بغية إشباع الفضول المعرفي؟

الربيع العربي خضع لنوع من الصناعة. هو ربيع عربي مصطنع. وبالتالي لم تستطع أن تتداركه الأفكار والآراء ولم يكن مسارا طبيعيا وواضحا. يعني المساحات الغامضة والملتبسة في هذا الربيع العربي كثيرة جدا. وبالتالي الدخول على هذه الالتباسات وتفكيكها شكل تحديا سيكولوجيا وثقافيا. فهم ينتظرون لأنهم لم تعد لهم القدرة على استشراف المستقبل القريب. ولم تعد لهم القدرة لتفكيك هذه المسارات. وبالتالي هم ينتظرون لأنهم يريدون أن يتعاطوا مع هذا الموضوع كما يتعاطى المؤرخ. يعني بعد أن تنتهي الأحداث ويريدون أن يدخلوا على توصيفها. لماذا؟ لأن الأحداث سابقتهم، ولأن المنعطفات باغتثهم، ولأن أشكالا من التصنيع السياسي اليومي لبعض المحطات في هذا الربيع العربي ما زالت تطرح نقطة استفهام كبيرة، هل هو ربيع عربي جادت به الفصول الأربعة وجادت به الجغرافيا العربية، أم أنه ربيع مصطنع سوف يتحول إلى صيف قائض؟ هذا الذي حار فيه المثقف، لماذا؟ لأن المثقف اليوم يحاول أن ينزع نزعة طهرانية ويحاول أن يهرب من موضوع قد يكون مؤامرة، لا يريد أن يضع نفسه حيثما يكون تحليله تحليل المؤامرة، فالمثقف يخشى أن يحلل، لأن أي تحليل سيصطدم في نهاية المطاف بمؤامرة هنا أو هناك. لذلك هو ينأى بنفسه ويحاول أن يفسر الأمور بأثر رجعي وينتظر نهاية المطاف لكي يتعامل معه كمؤرخ.

إذن أنت تحاول أن تجد عذرا للمثقف؟

نعم فيه جانب من العذر وفيه جانب من الخلل في التقييم، لأن المثقف من هذه الناحية يريد أن يحافظ على نقائه وأنه موضوعي، ويريد أن يحافظ على سلطانه ونقائه بعيدا عن هذا الالتباس. أي أن أي شيء اسمه المؤامرة يعزف عنها المثقف. لكن في الواقع هناك مؤامرة والمطلوب ألا تجعل المؤامرة منهجا، لكن هذا لا ينفي وجودها…

ألا ترى أن بعض المثقفين يسكتون لأنهم يرون أن هذا الربيع تم اختطافه من قبل الإسلاميين؟

هناك البعض من المثقفين يصمت بسبب الانتهازية لأنه يريد أن يكون طرفا في نصرة بعض الجهات المتنفذة في الربيع العربي، أو أنه يريد أن يداري.وهناك بعض المثقفين الذين يخافون من أن يتحدثون عن الجوانب والأبعاد التآمرية والسياسية والاستراتيجية في هذا الربيع العربي لأنهم يخافون من سلطة الشارع، ويخافون أيضا من الجهات والأطراف الجيوستراتيجية التي تريد أن تهيمن على هذا المسار. لأن فيه جانبا حقيقيا، وهو أن هذه الشعوب محتقنة ومطالبها حقيقية، ولكن نريد أن نقول بأن هناك حلم عبر عنه المواطن العربي ببراءة، وجاء من يسرق منه هذا الحلم. سرقوا منه هذا الحلم وغيروا مجرى التاريخ. وحاولوا أن يسيطروا على مجريات الربيع العربي، كما أن هذا الربيع أصبحت فيه نقائض.لأن الرجعية هي من أصبحت تشرف على الحركات التحررية في العالم العربي. أنا في تقديري الشخصي أفضّل أن أكون مظلوما في هذا الرهان ولكن أكون واضحا، أفضل لي من هذه الالتباسات. فهذا حلم لم يتحقق وغابت فيه الشعارات الحقيقية. وأنا أعطيك مثالا: في هذا الربيع العربي ولأول مرة نلاحظ أن هناك اصطفافات ولم يعد عيبا الاستنجاد بالإمبريالية. فهذا انقلاب في الرؤيا والقيم وانقلاب في اللعبة التي تريد أن تغير مجرى هذا الحراك…

فأمريكا لم تعد هي عدوة الشعوب، ولم تعد أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا كما قال يوما محمود درويش؟

الحراك اليوم يصطف ضد الصين وروسيا وكوبا. فالموقف التقليدي للثورات أنه ضد المشاريع الإمبريالية. بمعنى بات كل شيء غريبا ويقوم على المفارقات. وهنا نتساءل: الربيع العربي الذي يأتي بأنماط معينة للحكم. نحكي اليوم وصول جهات معينة للحكم، يعني واضحة التصميم، فبماذا أتوا لهذه الشعوب؟ ما هو الجديد؟ فمثلا بعض الدول مثل ليبيا وتونس سقط النظام ومن الطبيعي أن يحدث انفراج، ولكن نريد ما هو الجديد على مستوى التنمية والفكر والسياسات، بمعنى فيه دائما خطوط حمراء، بمعنى أن الأشياء التي ثار من أجلها العرب لم تبق موجودة، ودخلنا في التباسات وفي نوع من “الكاووس” السياسي. بمعنى أن هذه الدول التي جاءت بفعل الربيع العربي وصناديق الاقتراع هي أجبن الحكومات في تاريخ العرب. لا تستطيع أن تأخذ قرارا واحدا إلا بعد أن ترضي الأطراف الإقليمية والدولية. وهذا لعمري شيء عجاب…

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “هاني: الإسلاميون سكتوا عن فتوى القرضاوي بسبب “الأبوية””

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب