ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

شهادة دُنيا على شواهد عُليا

المصدر:  | 30 سبتمبر 2012 | رأي |

atmani_585090898.jpg

د. إسماعيل العثماني*

بَعد ساعاتٍ من الاشتغال وسط الكُتب والأوراق، خرجتُ لأفرّج العينَ وأريح النفْسَ وأتزوّدَ بما أحتاجُ من الطاقة لأواصل العمل عند حلول الليل. جلستُ في قلب شارع محمد الخامس بالعاصمة على كُرسي قرْب مجلات وصحف الرُّوبْيو، أشهر كشكي في المغرب، لأتصفحها وأنا أرتشفُ قهوة أوُتِيَ بها من إحدى المقاهي بالجوار. فدنا مِنّي ماسحُ أحذية متجعّد الشعَر، في الأربعين من عُمُره تقريباً، واقترحَ عليّ خِدمته. شكرتُه بلباقة ولكنه ألح إلحاحاً. قلتُ له عن استحيائي من أن يهبط ابن جلدتي إلى مستوى قدَميّ ويُلمّع حذائي. فقال:

- كلامُك طيبٌ ولكنه لنْ يُعينني على كسْب قُوت يومي. إذا كَثر مِثل هذا الكلام سألتحق بأولئك العاطلين عاجلا وليس آجلا.

لم ينتظر مِنّي الموافقة لكي يَتقرفصَ كرسياً صغيراً ويبدأ في إخراج أدواته. رأيتُ على مُحياه ابتسامة ساخرة وجّهها نحو جماهير الشبان والشابات المواظبين على التظاهر في أشهر شارع في المغرب لوُلوج الوظيفة العمومية ولا شيء غيرها.

- لماذا تبتسم هكذا؟ ألا تتفق معهم؟

- شُف يا أستاذ، عندما بدأ هؤلاء قبل سنوات، كنت أتضامن معهم ولو معنوياً، من باب “أنصُر أخاك…” وظناً مني بأنهم طاقات تذهب سُدى في الوقت الذي يحتاج المغرب إلى كل الطاقات الممكنة. ولكن مع مرور الوقت، رأيتُ وسمعتُ وعاينتُ ما قادني إلى الاستنتاج بأن هؤلاء مُجرّد كُسالى…يريدون وظيفة عمومية بالضرورة لأن المُحاسَبة فيها منعدمة والراحة حالياً والتقاعد لاحقاً مضمونان. وإذا كانوا مؤهَلين كما يدّعون، يحملون في رؤوسهم شيئاً في مصلحة العامة، فليقبَلوا بخوض المباريات لشغل المناصب الشاغرة. وإذا كان هاجسُهم حقاً هو الانفكاكُ من البطالة وفكُّ الارتباط مع دَلل الأسرة لهُم فليُشمّروا على سَواعدهم ويشتغلوا في أيّ شيء، في البناء والبيع والصباغة والحراسة والفلاحة وخدمات البيوت والمقاهي والفنادق والمَرافق وغير ذلك، في انتظار الأفضل أنّى وكيفما كان. هذا موجود في الخارج. أليس كذلك؟ باختصار، العمل شريف نبيل والكسل عيب وعار.

- أراكَ ساخطاً حانقاً…

لم يُبال بتدخُلي فواصلَ:

- ألا يخجلون وهُم بالمئات من حامِلي الإجازة (وقد سمعتُ منهم من يُسمي نفسه “موجز” بدل “مجاز”، وهذا دليل على عبقريتهم) والعشرات من حامِلي الماجستير حين يُردّدون ويكتبون لفظة “أطر” موزَعة على كتائب وفصائل وأفواج بأسلوب لا يخلو من جنون العظمة؟ أليس من بينهم واحدٌ على الأقل يَفهَم فيُفهِم الآخرين بأن “إطار” هو صفة إدارية، هو وضع وظيفي قائم حالياً أو سابقاً، وهو ما لا ينطبق عليهم لا من قريب ولا من بعيد. أيّ مستوى هذا؟

وقبل أن أسأله عن مستواه هو حتى يُدرك تلك الفوارق، سبقني فقال:

- أنا مَدين بالمعلومة لأستاذ أتجاذب معه أطراف الحديث بشكل يومي تقريباً. وفي كل الأحوال، لا تحسب أنني أمّي أو جَهول. فأنا حاصل على شهادة الباكالوريا (أخرجَ من جيبه نسخة مستنسَخة لشهادة باكالوريا تآكلتْ حوافُها وعلاها الوسخ من فرط الاستدلال بها) ولم ألِج الجامعة بسبب العوَز. قل لي يا أستاذ: بماذا يتميز عني هؤلاء حتى يطالبوا بامتيازات نحن الفقراء أحق منهم للاحتجاج في سبيلها؟ هؤلاء الشباب حصلوا على تعليم مجاني ومنحة دراسية وتعلمَ أغلبهم الكسل والنقل (في الامتحان) والجلوس تحت الشجر والتغزل بالجنس الآخر وما إن انتهت رحلة الربيع والصيف حتى طيّرَ الخريفُ أوراق التوت التي ظلوا يتسترون ويتقنعون بها وصدمتهم قسوة شتاء الحياة. وبدل أن يُجرّبوا عَملا ما، ولو بسيطاً ومؤقتاً، لكسب التجربة كخطوة أولى، حلقوا بحناجرهم ورفعوا أصواتهم مُطالبين بترسيم كسَلهم ودَسترة جهْلهم. أليس من الغرور أن يرفع هؤلاء من مقامهم إلى السماوات العلى وكأنهم علماء نوَويون أو مُبدّلو أحوال أو طاقات مشحونة بالمعارف لا تنتظر إلا التفتق ليقفز المغرب قفزة يابانية إلى الأمام؟ إنهم يبالغون، يتوهمون، يكذبون، يتكاسلون،…

- ولكن ما العمل؟ – قاطعتُه.

- أقسِمُ بالله العليّ العظيم، لو كان الأمر بيدي لقرّرتُ ما يلي: مَن يُهدّد بإضرام النار في بدنه أُهديه لتراً من الوقود السعودي وبالوعة صينية وليذهبْ إلى الجحيم؛ ومَن يُهدد بشنق نفسه أتبرع عليه بمترين من الحبل المتين (مع سنتيْن ضمانة جودة ورخصة من المياه والغابات لاستعمال الشجر) ليشنق نفسه بشجرة أوهامه ونشْر خبر رحيله إلى سقر في أسفل الصفحة بجريدة صفراء، وهكذا دواليْك. لماذا كل هذا التمثيل العقيم والتهديد الصبياني؟ لماذا كل هذا الاستنفار يومياً؟ كل هذا الهرج والإزعاج والكر والفر وقطع الطرقات وإدخال الذعر في نفوس المواطنين والكساد على المتاجرين والتشاؤم لدى المراهقين والإحباط وسط المتتلمذين والتشويش على الأمنيين؟ إن هذا مُكلِف مادياً ومعنوياً ولا يُرضي إلا تلك الكاميرات الأجنبية التي تقوم بالمستحيل لتشويه صورة المغرب، أو بعض الشِماليين مِن إخواننا ممّن يركبون على أيّ شيء تقريباً لبلوغ هدف طوباوي انهار مع جدار برلين.

بكل صراحة، المغرب سيكون أفضل لو اختفى هؤلاء وليس إذا أضيفوا إلى الإدارة ليُساهموا في البيروقراطية ويترّبوا على الرشوة ويأكلوا مجاناً من خزينة الدولة. أتحدّاهم، أتحدى أفضلهم: لو جرّدناهم من الحنجرة والصفارة والشعارات الرنانة والتسميات الطنانة والتهديدات الطائشة لصاروا عراة من الناحية المعرفية. ماذا يعرفون؟ كيف ستستفيد منهم إدارة هي في غنى عنهم وعن الكثيرين ممن هم محسوبين عليها أصلا؟ وبماذا سيُفيدون المواطنين إذا انضموا إلى طوابير الموظفين عِلماً بأن فاقد الشيء لا يعطيه. لذلك أنصحُ أطفالنا وشبابنا دائماً بتجاهُل هؤلاء المتعطلين، لأن عقليتهم خاملة وفاشلة، وبالحرص على التعلم وكسب المعرفة لأن سوق الشغل في المغرب والحياة تعميماً في حاجة إلى حاملي معرفة وليس إلى حاملي شواهد.

- تقصد: الرأسُ العامر لا يجلس عليه صاحبُه. – قلتُ مُحاولاً إنهاء المحادثة.

- أرجوك أستاذ، أرجوك، دعْني أحكي لك نكتة لأخفِف عنك بعض ما حمّلتكَ ثم سأنصرف: طلبَ مُدرّسٌ عُطبُولٌ من تلاميذه استعمالَ الطباشير الأبيض والملوَن لرسم شيء رمزي تجُود به قريحتهم على اللوحة. مَر نصف ساعة فبدأ المُدرسُ يطوف في القِسم ويسأل. وحين وصل إلى لوحة “مُشاغب” لم يَجد على سَوادها سوى نقطة حمراء في الوسط فصرخ في وجهه: هذا استهزاءٌ آخَر مِنّي يا بُوراس، أليس كذلك؟ فردّ التلميذ مُطَمْئناً إيّاه: حاشا يا أستاذ. إذا أمعنتَ النظر سوف ترى رَجُلا أسود البشرة يُدخن سيجارة في الظلام. وقد اسودَّت سُحنة الرَجل من فرْط حقده وحسده لأقرانه حتى أصيبَ بالقرحة في معدته، وأرخى ليلُ اللؤم والدناءة سُدوله من حولِه فغيّبَ مَلامحَ الفرحة عن حياته. وهذه النقطة على لوحتي ترمُز بالتحديد إلى النقطة الفاصلة بين الفرحة والقرحة.

قهقه ماسحُ الأحذية بكل تلقائية حتى أن بعض المارّة استداروا إلينا. أعطيتُه ما تيَسّر فشَكر ومضى كما حَضرْ، يَمسحُ مَنظرَ الشارع بالنظرْ.

*أكاديمي ومترجم

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “شهادة دُنيا على شواهد عُليا”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب