ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

إلى بياتريس، عازفة الحليب على نخاعي الشّوكي

المصدر:  | 3 مارس 2013 | رأي |

1971785282561-7882929197178.png

  الإقليد واحد وثقيل، وأسنانه كثيرة لا تفتح أبواب الدّير أبداً. صكّوا في مقبضه فيلة صغيرة وديكاً بعُرفٍ ذهبي، والأعراف قاسمة جامعة، ثم قالوا للمسافر كما في الكتاب: “لا ميراث لك في بيتنا، لأنّك ابن امرأة غريبة”. يجلس الهالكون مثله إلى جدران مبهمة، يسترقون السّمع ويلعنون الرّاهب فيكتور، حدّاد المفتاح وحارس القرية من المارد الحزين. نواياكَ أم سجاياهم، يا حامل الإبريق، أم نجوى الخامس التّعيس؟ لا تبصق بعد اليوم في الأواني الفخارية، ودع سلاسل الإنس والجنّ للهائمين في الأحقاف، تبلعهم رمالها وتكويهم. ها قد ولجت الآن، لولاها لما فعلت، لكَ الخنجر المعقوف وسارية الرّخام وقفل المِزلاج وحكايات الجدّة لاريسا عن زواج آنيكوتزا من صوفنوريل وعن اضطهاد الشيوعيين للكنيسة في مولدافيا: الشّرق الفقير والدّافئ، شرق أوربا، الذي يُذكّرك بمرح السّكارى والعاشقين في فيلم “زمن الغجر” لأمير كوستوريتسا. دخلتَ من الباب المشرع، أراكَ تضع القدم الأولى على العتبة، والعزف يتصاعد في الغرفة العلوية من بيانو خازنة الثوم وتقسيمات شوبان في الحقيبة الزّرقاء. تتقدّم فوق الدّرج، وفي كلّ متر تتخطّاه، تخترق تخوم الأسرار وتسبّ بلا خشية فيكتور وأنت تشرب الجعّة الثقيلة في كأسه الثّمينة: “هذا دمك يا خادم الإله. فأس في الرّأس وهمزة تهجو الألف، وغيابُ الباء في إسمك”.   ثلاث ساعات ونصف في حافلة شبه فارغة، بسائق ألماني ومرافق روماني، من وقت استواء الشّمس إلى أنْ مالت. وصلت بروكسيل ضيفاً، أترنّح في محطّة الشّمال برداً، وأميل إلى اللاّئي نزلت عليهن: سيّدات قليلات الكلام، يدردشن في المطبخ بالروسية والفرنسية. الجدّة لاريسا لا تحبّ موسيقى الجيش الأحمر، أؤلئك الملاحدة، قتلة الإيمان، اغتالوا المحبّة بينهم، وخرّبوا البلاد: “حتّى تروتسكي، رفيقهم، سافروا إلى آخر الدنيا لتصفيته”. نحتسي الشّاي في غرفتها ونسافر من موضوع لآخر: زواج المثليين وحضارة المصريين القدامى ويهود المغرب وتوقّعات الطّقس خلال فترة إقامتي. فيرونيكا، الأمّ واضعة القانون، نادراً ما نسمع صوتها أو نلحظ وجودها بيننا، لكنّها دائمة الحضور في نقاشاتنا، أنا وبيتاريس، عن الفن والتربية وعن إغراءات الحياة. إنّها سيّدة مثيرة، أستاذة بيانو شقراء، في بداية عقدها الرّابع، وللرّجال فيها شهوة. عند الظّهيرة، بعد تناول سلطة وطبق لحم مقلي، غادرنا المسكن بمنطقة “وولوو-سان-لومبير” للتجول في متنزه جورج هنري المبني على أنقاض مقبرة “إيتيربيك”، التي شيّدت سنة 1897م. نمشي على بقايا المقابر ونحاول قراءة أسماء بعض العائلات الهالكة، دون جدوى، فقد ملأت الأعشاب نقش الحروف على الحجر. مضينا من المتنزه إلى مقهى، والشّراب شاهد رؤية وعلامة فهم: ترى الغرباء يتبادلون السّلام بحفاوة غير معتادة، صادمة بحقّ. عندما أفكّر في برودة الفرنسيين، باريس البئيسة، وفي ضيافتنا المصطنعة والملغومة –نحن المغاربة- أستشعر رغبة البقاء ببروكسيل، هذه القرية الهادئة بإيقاعها والفسيحة بسكانها وخضرتها وأنواع البيرة فيها، ولذلك هي عاصمة الأوربيين: ثملةٌ، غارقة في الاستقبال. أحيت بياتريس حفلاً موسيقيّا ليلة البارحة في حانة بحي “مادو” رفقة كورال عربي. يشتغل معظم العازفين على آلات الإيقاع في البناء طول اليوم، تعب المطارق وثقل الإسمنت وعرق النّهار الطويل لا تخفّف منه إلاّ مختارات شوبان وليستْ وأغنيات عبد الصادق شقارة تصدح بها حناجر الطنجاويات في بلدية “سان-جوس”.   آه لو أنّ الثمالة جاءت في البدء، لكان الاختلاف والاستحالة في تعدّدها عملة المتخلّفين أيضاً. لكن في الأمر سرّاً، وفي السر ملح الأشياء كلّها، في المدينة والبيت معاً: تحالفات تريد أن تفهمها بين الأم والجدة والابنة، وبين المعمار الفلاماني المسكون بأشكال جبسية تكتشفها لأوّل مرّة وذكريات فيكتور الرّاهب بلحيته البيضاء وصليبه الحديدي الكبير. تشرد، كما العادة، بذهنك وترى بعض اللّقطات من سكيتشات الكوميدي الفرنسي كوليش وهو يسخر من البلجيكيين والعرب والسّود، حتّى والرّاقصة تحرّك جسدها على الطاولة، وكلّ قاعة الحفل تهتز رقصاً وخمراً وأثداءً طازجة، أنتَ تفكّر في الحرب، وتعود إلى أنفك رائحة الفحم وحدود الغرابة النصية في المعاهدات الموقعّة بعد 1945م.   أقلعت عن متابعة ما يحدث في البلاد، سئمت بؤس السّياسة وشطحات المؤلّفين. أمضي النهار كما اللّيل في مطالعة العهد القديم والقرآن وكتاب الجدّة لاريسا عن قرية سادوفا الواقعة على هضاب مغطّاة بكرمات العنب، وأترّدد بين الفينة والأخرى على السّاحة الكبرى حيث مقهى كافكا وحانة كوبرا ومحلاّت البطاطس المقلية والشوكولاته. وكلّما شدّني حنينٌ إلى كوثر وسارة وحنّة وزهراء وخنساء، والأخريات الواقعات في مساحات السر المشحونة بالمرارة، أنشدت كلاما من قبيل:   أنا ابن صانع الذّهب.   أنفُث في النار، أحدّد قوالب الأشكال ، وأضيف إلى السائل الأصفر خدعًا من نحاس.   أنا ابن حائكة الدّم،   أرصّع الجواهر بالبياض،   أبلع أنامل المتردّدات على سحنتي الشاحبة،   بعدما أُلبِسهنّ حديداً فاقعاً.  

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “إلى بياتريس، عازفة الحليب على نخاعي الشّوكي”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق


المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب