ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

قيود وأعمال شاقة لنزلاء «بويا عمر»

المصدر:  | 7 يناير 2014 | الأولى, تقارير |

في غياب البديل يستقطب «بويا عمر» سنويا الآلاف من الزوار الذين يعتقدون في الخرافة وبأمور غيبية بعيدة عن المنطق والعقل. ويحتضن حوالي ألف وثلاثمائة نزيل جميعهم مصابون تقريبا بأمراض نفسية أو عقلية أو مدمنون على المخدرات، ولو أن جلهم يعتقدون أنهم «ممسوسون» ‪.‬

نزلاء «بويا عمر» وزواره ليسوا من المناطق التابعة لجهة مراكش تانسيفت الحوز فقط، وإنما هم من شتى أنحاء المغرب، يفدون على«مولى تساوت» أو «بويا عمر» لطلب «البركة» أو لطرد الجن والعفاريت التي ضاقت بها الدنيا لتتخذ    من أجسادهم سكنا. شيء لا يمكنه أن يقبله العقل والمنطق إلا عقول هؤلاء الأشخاص وذويهم الذين يفضلون «بويا عمر» مكانا مناسبا لطلب العلاج الذي قد يمتد لسنوات من الاحتجاز التعسفي والإهانة والضرب والحرمان من الأكل.
«واش أعباد الله هاذا حق، كيخدمو عليهم ويتخلصو عليهم، ما كاين هاذ شي غير في بويا عمر كيخلصو ثلاثين ألف ريال في الشهر، وكايعطيوهم كرارس يجمعو عليها لحجر ويجيبو فيها لماء.. وحتى الصابون كيصبنوه».
بهذه العبارة بدأ أحد سكان «بويا عمر» حديثه عن وضعية النزلاء بـ «بويا عمر»، والذي كان على غير ود مع بعض المشرفين على هؤلاء النزلاء، ليتابع قائلا «خاصكم تعرفو تاحد ما كاد عليهم راهم فوق لحق أو فوق لقانون»، تحدث الرجل باقتضاب وهو يدير رأسه يمينا ويسارا كأنه يبحث عن شيء ما. إنه يخاف من «الشرفى» كما يقول، لأنهم يحرمون على كل شخص يقطن بالضريح أو نزيل التحدث مع الزوار. وبدون أية مقدمات أدار ظهره وتوجه إلى مقهى فقير يوجد بالمنطقة.

في ضيافة الضريح

حول «بويا عمر» ينتشر عدد من المرضى والنزلاء بعضهم يحمل سلاسل حديدية صدئة تقيد الأيادي أو الأقدام، يترصدون الزائرين ليتوجهوا إليهم بالسؤال طمعا في جمع بضعة دراهم. يتسولون بجميع الطرق الممكنة، وقد تصل الوسيلة إلى تقبيل الزائر على كتفيه أويديه أو الركوع من أجل تقبيل قدميه، المهم عندهم هو الحصول على صدقة نقدية أوعينية (سكر.. شاي..دواء). ملابسهم رثة تحمل جميع أنواع الأوساخ وشعرهم منفوش، يسير البعض منهم حفاة في حين أن البنية الجسمانية للجميع تبدو ضعيفة جدا من قلة الأكل.
الأزقة المحيطة بالضريح مليئة بالمرضى الذين يعلو وجوههم البؤس والشقاء، بعضهم يفترش الأرض مسنودا إلى أحد جدران الضريح، والبعض الآخر يجوبون الأزقة ويقضون يومهم في تسول بعض الدريهمات لاقتناء الدواء أو الطعام والذي يكون في غالب الأحيان سكرا أو شايا أو خبزا.
بمجرد ولوج الزائر البوابة الواسعة لضريح «بويا عمر» والتي تفضي إلى المكان الذي يجمع بين القبة والمساكن التي تأوي «الشرفى»، حتى يلتف حول الزائر أشخاص نظراتهم ملأى بالأسئلة، من يكون هذا الزائر؟ وما سبب زيارته للمكان؟ وهل هو قادم لزيارة ابن أو قريب أم أنه نزيل مفترض لـ«بويا عمر» أتى للتبرك ببركاته وكراماته… عيون فضولية تحاصر الزائر أينما حل وارتحل، حتى إنه يشعر أنه محاصر بنظرات متلصصة.
صمت رهيب يلف المكان الذي يوجد به الضريح، تكسره تلاوة مجموعة من الأشخاص، يصفون أنفسهم بأنهم حفدة «بويا عمر». يتلون بعض المقاطع من القصائد الصوفية، لكنهم في حقيقة الأمر يحرصون بوابة الضريح بأعينهم الواسعة، ويتسلمون مبالغ مالية مهمة مقابل الشموع التي يبيعونها للزوار.
في داخل الضريح تطوف امرأة حول قبر «بويا عمر» في اتجاه معاكس لعقارب الساعات الست المعلقة على الجدران الأربعة لغرفة الضريح والتي توقفت عن العمل لتحول هذا الفضاء إلى مكان خارج كل زمان.
زوار يجلسون في صمت مسندين ظهورهم إلى الضريح يتوسلون إليه ويقبلونه فيما آخرون يستعدون للطواف وبالتناوب.
المكان يعبق بدخان البخور، وبين الفينة والأخرى يطلق أحدهم بكاء طويلا يليه صراخ متقطع وحاد لا يعرف سببه، تعود الحاضرون على هذا الإيقاع من البكاء والصراخ، وحدهم الزوار الجدد من ينتبهون إلى ذلك.

الجني والعروس
انخرطت امرأة في بداية العشرينات من عمرها في بكاء وصراخ متواصل. حكاية هذه المرأة القادمة من قلعة السراغنة تتلخص في كونها تزوجت حديثا وعوض أن تستمتع بشهر العسل كعروس جديدة، جاءت لزيارة الضريح رفقة عائلتها للتبرك ببركاته وحتى يشفيها من الجني الذي تزوجها قبل زواجها من الإنس (!).
زوجة صهرها التي رافقتها خلال هذه الزيارة تشير إلى أن الزوجة الحديثة العهد بالزواج «ممسوسة» بفعل سحر بدأت أعراضه بعد الأيام الأولى التي تلت حفل الزفاف.
تقول زوجة الصهر «لقد رافقت والعائلة العروس الجديدة، وستقضي ليلتها بالضريح، فإذا زارها «بويا عمر» في الحلم فستعرف أن الجني الذي تزوجها غصبا قد طلقها، وبالتالي قد خرج منها، وإذا لم تحلم به فسيسلمها زوجها لـ«الشرفى» ويكتري لها مكانا بين النساء حتى تشفى من الجني ويتركها لحالها».
كانت العروس تصرخ بأعلى صوتها طالبة النجدة. جميع الحاضرين من زوار الضريح يعتقدون أنها «ممسوسة»، لكن الحقيقة عند زوجها، الذي كان بين الفينة والأخرى يردد على مسامع الجميع، أن عليها زيارة طبيب نفسي لأنها تعاني من اضطراب نفسي. فعلاجها عند الطبيب، يقول الزوج، وليس عند «بويا عمر»، الشيء الذي لم يرق لشخص يدعي أنه من الشرفاء والذي أمسك الزوج من يديه قبل أن يخرجه من قبة الضريح.
الآلاف من المرضى الذين يعتقدون أنهم «ممسوسون» بالجن من كلا الجنسين ومن كل الأعمار، يزورون «بويا عمر» للعلاج. والعلاج حسب اعتقادهم لن يتأتى إلا بالخضوع لـ «حكم» «السيد» بالحبس على زواره من المرضى لا يعرف مدتها إلا هو، فله القرار الأول والأخير في تحديد المدة الزمنية التي سيقضيها المريض في حضرته.
والعروس الجديدة من المؤكد أنها ستقضي أياما وربما شهورا أو سنوات في ضيافة «الولي الصالح» على غرار الآلاف من الأشخاص الذين زاروه لأول مرة بإرادتهم أو بدونها والذين قضوا أزيد من ثلاثين سنة أو أكثر إلى أن توفاهم الله أو ينتظرون ذلك.

جن وعفاريت

في غياب البديل يستقطب «بويا عمر» سنويا الآلاف من الزوار الذين يعتقدون في الخرافة وبأمور غيبية بعيدة عن المنطق والعقل. عدد لم يستطع المشرفون على الضريح حصره لحد الآن. البعض يقول إنه يصل إلى عشرين ألفا والبعض الآخر يقول أكثر من ذلك. فعدد الزوار يصل سنويا إلى مليون شخص، مع ما يعنيه العدد من عائدات مالية. لكن الشي الوحيد المؤكد هو أن «بويا عمر» يحتضن حوالي ألف وثلاثمائة نزيل جميعهم مصابون تقريبا بأمراض نفسية أو عقلية أو مدمنون على المخدرات، ولو أن جلهم يعتقدون أنهم «مسكونون» حسب التعبير الشعبي.
نزلاء «بويا عمر» وزواره ينتمون لمختلف أنحاء المغرب، يفدون على«مولى تساوت» أو «بويا عمر» لطلب «البركة» أو لطرد الجن والعفاريت التي يعتقدون أنها تسكنهم وتحول حياتهم إلى جحيم. الحكايات والأساطير المتداولة حول الولي تدفعهم إلى النزوح نحوه طلبا للعلاج الذي قد يمتد لسنوات.
تقول »حادة» وهي امرأة في نهاية الخمسينات من عمرها كانت تستند إلى حائط بمدخل الضريح «أذكر أنه قبل عشر سنوات، جاءت بي أختي الأكبر مني سنا إلى «بويا عمر» لكي أتبرك ببركاته وحتى يخرج مني الجني الذي يسكنني، بعد أن أقنعتني بذلك، لحد اليوم لم يخرج الجني ولم تعد تزورني أختي بعد أن شعرت أنها تخلصت مني، والحقيقة كذلك، لأنها منذ تلك الفترة وهي تعيش مع أبنائها في البيت الذي ورثناه عن والدنا دون  أن أزعجها بمضاعفات مرضي».
وتضيف والدموع في عينيها «يقول لي بعض الناس إنك تعرفين طريق العودة، فعودي إلى بيتك، لكنني أقول لهم إنني لا أستطيع أن أعود إلى هناك ،بعد أن قضيت عشر سنوات من عمري بهذا المكان. إنني لا أعرف أحدا غير نزلاء «بويا عمر» وتعودت على جدران وغرف «السيد». سأقضي أيامي الأخيرة هنا إلى أن يتوفاني الله».
حادة التي كانت تقطن في السابق بنواحي مدينة مكناس، مازالت تذكر البيت التي ورثت جزءا منه عن أبيها، لكنها لم تعد تذكر جيدا ملامح أبناء أختها، كل ما تذكره أنها  أصبحت تعيش على التسول لكي تقتني أدوية القلق التي وصفت لها من طرف المشرفة على مستودع الأدوية المتواجد بعين المكان».
«حادة» توقفت فجأة عن الحديث بعد أن لمحت أحد المشرفين بـ «بويا عمر» ،وفرت في اتجاه غرفتها قبل أن تقول «إننا ممنوعون من الحديث إلى الزوار وإذا ما لمح أحدهم نزيلا يدخل في حديث مع زائر سيكون مصيره الحرمان من الطعام والشتم والسب وفي بعض الأحيان الضرب».
ومع ذلك فـ    «حادة» لم تسلم من السب والشتم من طرف هذا المشرف، أو«الشريف» فقد نعتها بأقبح الأوصاف وسبها وهددها بالضرب إن لم تستجب لأوامره والتوجه إلى    غرفتها، ولم يكفه ذلك، بل بصق على وجهها.

ضرب وتعنيف

على بعد خطوات من الضريح وبالجهة الخلفية على وجه التحديد تتراءى للزائر نوافذ محكمة الإغلاق بشبابيك حديدية غزاها الصدأ منذ سنوات، تمتد أيادي نزلاء يطلبون من الزائر بعض الدراهم لشراء السجائر.
شبان يبدو عليهم الضعف والقهر بمجرد النظر إلى وجوههم وأياديهم المتسخة وملابسهم الرثة. يقول أحدهم «لا يمكنني إلا أن أنتهز فرصة مرور زائر بجانب النوافذ لطلب الصدقة، فبدونها لا يمكن أن نعيش. جزء من الدراهم التي نجنيها نحتفظ بها لأنفسنا لشراء السجائر، وجزء آخر نسلمه لصاحب البيت لكي يقدم لنا الطعام والذي لا يكون سوى كأس من الشاي البارد وقليل من الخبز.. إذا لم نجن المال الكافي خلال اليوم الواحد يكون مصيرنا الضرب والتعنيف لأتفه الأسباب، وبالطبع سيتخذون من مرضنا سببا لضربنا».
إذا ما مد الزائر بصره إلى داخل الغرفة التي تضم حوالي خمسة عشر شابا يصاب بالذهول والاشمئزاز بحكم قساوة عيش النزلاء المرضى في أوضاع أقل ما يقال عنها إنها لا إنسانية.
قيدت أقدام أغلبهم بالسلاسل وغللت أيدي الآخرين، في حين وضعت القيود على أيدي وأرجل فئة ثالثة على السواء. الأغطية بالية والأفرشة كذلك. وضع لا يمكن تخيله. حياة بدون أدنى الشروط الإنسانية.
يؤكد أحد الشبان أن والده هو الذي اصطحبه إلى «بويا عمر»، بعد أن فشل الطب في علاجه من الصرع الذي يعاني منه، وبعد أن نصحه معارفه بأن «بويا عمر» قادر على علاجه. يقول «منذ أربع سنوات وأنا أعيش بهذا «السيد» في ظروف مأساوية.. والدي يؤدي لأولاد «السيد» خمسمائة درهم في الشهر، وهذا المبلغ لا يمكن أن يوفر لي إلا مكانا بغرفة واسعة تضم العشرات من النزلاء قد يصل إلى عشرين نزيلا، في حين أن الأكل يجب أن نوفره بأنفسها عن طريق التسول».
إذا ما احتج هؤلاء النزلاء على الوضع اللاإنساني الذي يعشونه يكون مصيرهم نقلهم إلى دار الحضانة، وهو مكان مخصص للتعنيف والضرب والتقييد والحرمان من الطعام والشراب وفي بعض الأحيان قد يحرمون من قضاء حاجاتهم الخاصة، ولأولاد «السيد» مخرج بطبيعة الحال، فحكم «بويا عمر» لا يقبل الاستئناف أو النقض.

دار الحضانة

«دار الحضانة» مكان يحتجز بداخله كل من يحتج على الوضع المعيشي، أي التغذية والنظافة. غالبا ما يكون مصير المريض ربطه بسلاسل حديدية من رجليه ويديه للحد من حالة الهيجان التي يكون عليها، لكن في حقيقة الأمر الربط بالسلاسل هو طريقة من طرق العقاب الكثيرة والمتنوعة بـ «بويا عمر».
وفي حال الاستمرار في الاحتجاج يتعرض المريض للضرب بالسوط أو الركل من طرف حارس المكان الذي لا يكون سوى مريض قديم قضى سنوات بهذا المكان وتعود على أساليب التعذيب.
دار الحضانة، مكان مليء بالأوساخ تنبعث روائح كريهة تثير الغثيان لأنه في كثير من الأحيان وفي إطار التعذيب يحرم المريض من قضاء حاجاته الخاصة خارج دار الحضانة فلا يجد أمامه في نهاية المطاف إلا هذا المكان.
دار الحضانة مكان مخصص كذلك للأشخاص المدمنين والذين يكونون في حالة هيجان، والذين يتخلى عنهم أهلهم في أغلب الأحيان هناك بعد فترة من توقفهم عن أداء مبلغ الكراء. يقول  أحد هؤلاء «أعلم أنني مدمن على المخدرات وأنا حديث العهد هنا مقارنة مع زملائي، فلم أقض سوى ثلاث سنوات، والدي كان يؤدي مبلغ الكراء المحدد في ألف درهم مدة سنة كاملة، وبعد توقفه ومعاناتي مع توقفي عن استعمال المخدرات وما يعنيه ذلك من حالة الهيجان والانفعالات المتكررة حبسوني بهذا المكان المتسخ وحرموني من الأكل إلا القليل منه، منذ تلك الفترة وأنا أعيش بهذا المكان خلال النهار.. كنصبن الصابون في الساكية وفي الليل أعود إلى معتقلي».
قبل الخروج من معتقل «بويا عمر» كان هناك رجل يجوب أزقة الضريح  وهو يصرخ بأعلى صوته مرددا عبارة  «راني غاذي نقطع ليه راسو» . عرفنا فيما بعد أن هذا الرجل عاش لسنوات بهذا المكان وقضى سنوات محبوسا بدار الحضانة، ليس لأنه مريض عقلي أو نفسي أو يدعي أن جنيا أو عفريتا «يسكنه»، ذنبه الوحيد أنه كان واحدا    من ضمن أربعة ورثة وأوصى له    والده كذلك قبل أن يتوفاه الله بـ «الثلث الكايز»، فلم يرق هذا إخوته وفكروا في وضعه بـ «بويا عمر» حتى يتخلصوا منه للأبد ويستفيدوا من الإرث وهذا ما حدث بالفعل.
ولنقل الأشخاص إلى «بويا عمر» قصة أخرى لا يمكن مشاهدتها إلا في أفلام عصابات المافيا. الطريق أشبه بالاختطاف، بحيث إن هناك فرقة خاصة بهذه العملية يتم تجنيدها وما على الراغبين في نقل أحد أفراد العائلة الذي يرفض الذهاب إلى «بويا عمر» إلا أداء مبلغ يبدأ من ألف درهم بالإضافة إلى مصاريف التنقل لتحضر الفرقة الخاصة لاستلام «المريض» ونقله عبر سيارة إلى «بويا عمر»!!

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “قيود وأعمال شاقة لنزلاء «بويا عمر»”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب