ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
اخبار 24 ساعة
مقالاث مشابهة

من ديكتاتورية البروليتاريا إلى ديكتاتورية الأقلية العلمانية

المصدر:  | 30 ديسمبر 2012 | رأي |

158680thumbnail-php-file-205468050158680.png

ذكرتني طريقة إخواننا العلمانيين العرب في ممارسة السياسة بأيام الطفولة، حين كنا نلعب بعض الألعاب الجماعية التي كانت لها قوانين وأعراف، تحدد شروط وطرق ممارسة اللعب والفائز من الخاسر، وكان بعض الأطفال المشاغبين حين يخسرون في اللعب، وتحكم عليهم قواعد اللعبة بمغادرة الميدان، يلجأون إلى أساليب البلطجة وطرق الابتزاز، فيدخلون الميدان عنوة ويقولون: ” إما أن نلعب وإما أن نحرّم اللعب”، فتنطلق موجة من المفاوضات والمناقشات والأخذ والرد لإقناعهم بالانضباط لقوانين اللعبة واحترام أعرافها، لكن كبرهم وعنجهيتهم تأبى عليهم الانصياع، فيتحول اللعب – في الغالب – إلى عراك وشجار، ويتحول ميدان اللعب إلى حلبة مصارعة وملاكمة، ويفسح المجال للأيدي والأرجل والعضلات لحسم الخلاف، وفي أحايين قليلة يتم التوصل إلى توافقات وحلول وسط، تسمح باستمرار اللعب، وتدمج المشاغبين فيه، عملا بقاعدة ارتكاب أخف الضررين.  

لم يعد يساور إخواننا العلمانيين شك، في أن رياح الربيع العربي تجري بما لا تشتهيه سفنهم، وبما لا يتوافق مع أهوائهم، ولا يخدم أهدافهم وتطلعاتهم. بل بات من المؤكد عندهم أن اتجاه الأحداث وتداعيات الثورات الشعبية العربية، لا تساير ميولهم الإيديولوجية، ولا تخدم مصالحهم الفئوية، ولا تسير حيث أرادوا لها أن تسير.

ومما زاد من مأساة علمانيينا المساكين، أنه حيثما أجري انتخاب أو استفتاء أو استشارة شعبية كلية أو جزئية، إلا وحملت خصومهم الإسلاميين إلى صدارة الأحداث، وإلى مواقع صنع القرار، وإلى مقدمة المشهد السياسي، وعادوا هم بخفي حنين، يحملون كثيرا من الألم والحسد والحسرة، و قليلا من  الإنصاف والموضوعية ونقد الذات.

يعلم العلمانيون قطعا، لو كان لهم مسكة من حكمة وبقية من شجاعة أدبية، أن زمانهم وزمان شعاراتهم المحنطة وأفكارهم اللقيطة، قد ولى إلى غير رجعة، وأن الجماهير المسلمة الحرة قد كنستهم وترهاتهم إلى مزبلة التاريخ.

 يعلمون قطعا أن الأمة تريد من يعكس هويتها، ويكلمها بلسانها، ويعبر عن آمالها وآلامها وتطلعاتها، ولذلك اختارت الإسلاميين لتمثيلها وأعطتهم ثقتها ومساندتها، وبدلا من مراجعة الذات، وتصحيح المسار، وإعلان توبة فكرية نصوح، والعودة إلى خندق الأمة وصف الجماهير، فضل العلمانيون التولي يوم الزحف، والهروب إلى الأمام، فاعتصموا بمعاقلهم المتآكلة وحصونهم المهترئة، واستمسكوا بنفس مقولاتهم المتهالكة وشعاراتهم القديمة، وجعلوا يرمون الأمة بحجارة السفه وقلة الوعي، وخصومهم الإسلاميين بحجارة الرجعية والظلامية، وهم الذين ما فتئوا يتشدقون بالديموقراطية واحترام الإرادة الشعبية، ويدعون إلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وينعتون الأنظمة المستبدة باللاشعبية واللاوطنية واللاديموقراطية. فلما قالت الجماهير المسلمة كلمتها، وفرضت إرادتها، واختارت خصومهم الإسلاميين، انقلبوا عليها شر انقلاب، وكالوا لها أقبح النعوت وأشنع الصفات، واتهموها بالخفة والسذاجة وعدم النضج.

ولأن إخواننا العلمانيين، قد صاروا – مثل أسلافهم المستبدين – لا شعبيين ولا وطنيين ولا ديموقراطيين، حين انقلبوا حتى على أبسط مقولاتهم وأبجدياتهم التي بنوا عليها بنيانهم الشاهق الهزيل، الذي أتته الجماهير من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم، مثل:         ” العقلانية” و” الموضوعية” و” العلمية”، فإنهم لم يستطيعوا القيام بالنقد الذاتي الضروري لمسارهم الفكري ومسيرتهم السياسية،  ولم يمتلكوا شجاعة محاسبة النفس، ولا فضيلة الاعتراف بالخطأ. ولذلك، لم يتبق أمامهم من خيار، سوى المشاغبة على خصومهم الإسلاميين، وتشويه صورتهم في أعين الشعوب ولو بالكذب والزور، وركوب الصعب والذلول لعرقلة تجاربهم الواعدة في الإصلاح والتنمية والديمواقراطية، حتى لو كان ذلك ضدا على إرادة الأمة، وعلى حساب الأمن والاستقرار والمصالح الوطنية العليا.

لأجل ذلك، قاد العلمانيون التونسيون إضراباتهم المسيسة، ودعوا – في مغامرة غير مسبوقة – إلى الإضراب العام، لشل الحركة الاقتصادية، وتأزيم الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، بهدف إسقاط الحكومة الانتقالية المنتخبة.

ولأجل ذلك، يصر العلمانيون المصريون على المضي قدما في ما يسمونه بمعركة إسقاط الدستور، مع أن حوالي ثلثي الشعب المصري قد أقرته بالقبول.

ولأجل ذلك أيضا، يصر إخواننا العلمانيون المغاربة على افتعال المعارك والأزمات، وعلى إحصاء أنفاس الحكومة نصف الملتحية ونصب الفخاخ في طريقها، وعلى استغلال الإعلام لرميها بأكبر عدد من الطلقات الفارغة.

بكلمة، فإن الذين تربوا – لعقود من الزمان – على مقولات ” ديكتاتورية البروليتاريا”،     و” العنف الثوري”، و” الصراع الطبقي”، و” الحزب الوحيد”، و” تأزيم الأوضاع من أجل الثورة”، وغيرها من المقولات الصدامية، وعبوا منها حتى الثمالة، وتربوا على رمي خصومهم ب ” الرجعيين” و” الظلاميين” و” الماضويين” وهلم جرا، يصعب عليهم ممارسة الديموقراطية والقبول بنتائجها، ولكنهم – مع كل ذلك – إخواننا في الدين والهوية والوطن، ولا نملك من خيار سوى الصبر عليهم، وتحمل سفاهاتهم، وأخذهم بمبدأ التدرج حتى يألفوا الديموقراطية، ويقبلوا بالتعددية، ويعتادوا التداول السلمي على السلطة، وعسى حينها أن يصبحوا أكثر تعقلا وتأدبا ووطنية، وما ذلك على الله بعزيز.

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “من ديكتاتورية البروليتاريا إلى ديكتاتورية الأقلية العلمانية”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب