ان كنت ترغب باختيار هده النسخة بشكل دائم، اضغط على: عربي  | Français  - English           
مقالاث مشابهة

الانبطاح بدل الكفاح

المصدر:  | 19 ديسمبر 2012 | رأي |

 

لقد مرّ على الأمة العربية حين من الدّهر حالك السواء ،كانت فيه ضحية مؤامرات خبيثة من قبل الغرب المخادع الحقود،الذي أذاق الأمة كل أصناف التشريد و القهر و الاستغلال والاستعباد، بتواطؤ من ولاة الأمر أحيانا ، ومن طرف الخونة من عملاء الاستعمار وخدام المصالح الشخصية،تارة بشكل مفضوح وأخرى في غرف مغلقة ،لم يعرف ما حيك فيها إلا بعد سنين ..طريق طويل من المكابدات،قطعته الأجيال العربية مكرهة،وسجلت  فيه مسيرة حافلة بالصبر والكفاح والنضال والمثابرة من أجل التحرر و الانعتاق وإثبات الذات ،اعتراها الكثير من الإخفاقات والعثرات والويلات والمصائب،خضعت فيها الأقطار العربية بعد تقطيعها إلى دويلات قطرية صغيرة،إلى كل أشكال التضليل والتشويش والتغييب.لم يفكر العدو خلالها أبدا في إمكانية التطبيع البلدان العربية،لأن ذلك لم يخطر ببال الدوائر الاستعمارية من جهة ، ولم يكن لأشدها تفاؤلا ليتصور ذلك حتى في أحلى أحلامه.

    غير أن قوى الاستعمار لم تفكر في التطبيع بكيفية واضحة إلا بعد عام 1969م،حينما قام الصهيوني المدعو “مايكل روهان” الحامل للجنسية الأسترالية على حرق أفئدة المسلمين في بقاع الأرض ،بعد أن أحرق المسجد الأقصى المبارك ،حيث أسفر الحادث الإجرامي عن حرق منبر صلاح الدين بأكمله ،وحرق السطح الشرقي الجنوبي للمسجد ،وبلغت مساحة الجزء المحترق من المسجد 1500 م2 من أصل المساحة الكلية البالغة 4400 م2 وهو ما يعادل ثلث مساحة المسجد الأقصى المبارك. وقد أكملت سلطات الاحتلال الصهيوني الجريمة عن طريق أمر رئاسة بلدية القدس بقطع الماء في نفس يوم الحريق عن المسجد الأقصى وذلك للحيلولة دون تمكن المصلين والأهالي من إطفاء الحريق الذي التهمت نيرانه أكباد الملايين من المسلمين قبل أن تلتهم جدران وخشب وفراش المسجد المبارك.

     وقعت تلك الجريمة في 21 غشت 1969 م, حينها لم تستطع رئيسة الوزراء الصهيونية آنذاك (غولدا مايير)أن يغمض لها جفن ، ولم تقضي تلك الليلة في غرفة نومها.لقد خالت أن العرب سيقتحمون حدود الكيان الصهيوني من كل الجبهات ،ويلقون بكل عدّتهم وعتادهم في أتون حرب تحريرية تستأصل الورم الخبيث الذي أصاب الجسم العربي الكبير.

     لكن ـ للأسف ـ في صباح اليوم التالي ،اكتشفت رئيسة الوزراء الصهيونية أن أي شيء من ذلك لم يحدث ، وأن أي عربي لم يحرك ساكنا، بل لم يتأثر بهذا الحدث الجلل،فأدركت أنها يمكن أن تمـدّ رجليها كما تشاء،وتطلق يديها أينما تشاء ،فليس هناك ما تخشاه. فالنزاعات القبلية والطائفية والسياسية, هي الحروب التي انشغل بها عرب النفط واللغط.

    وبناء على ذلك ، بدأ التركيز على مخططات التطبيع والتطويع بالأشكال غير الحربية ،فجاءت أولى خطوات التطبيع بعد حرب أكتوبر 1973 عندما تحولت الشعارات السياسية العربية من (حرب التحرير) إلى (حرب التحريك) باتجاه السلام المزعوم, وكان الاعتراف بإسرائيل أول ثمرة من ثمار التطبيع الذي سبق التركيع،فكانت معاهدة (كامب ديفيد- camp david) بعد زيارة الرئيس المصري “محمد أنور السادات” إلى الكيان المغتصب، وإلقاءه كلمته المشهورة أمام الكنيست، فكانت المعاهدة بذلك أول ضربة موجعة تُوَجّه مباشرة لحركات التحرير العربية.

  وتلى ذلك سقوط البقية الباقية من العرب العاربة و المستعربة ،عندما وقعت الحكومة الأردنية اتفاقية “وادي عربة” مع الكيان الصهيوني يوم السادس والعشرين من العام 1994م.وبعدها بقليل ،كانت سوريا على وشك التوقيع على معاهدة  سلام معها أيضا في عهد الرئيس حافظ الأسد، لولا بعض الجزئيات التي لو قدر الله للأسد الأب بقية من عمـر لكانت قد دللت وتم تجاوزها ، ولظفرت “إسرايل” بمعاهدة سلام وهدنة لم تكن لتحلم بها أبدا. فتحولت وجهة الكفاح من محاربة “اسرائيل” إلى محاولة التطبيع معها والإقرار بحقها في الوجود على الأرض العربية المغتصبة ،التي هي من خاصة الفلسطينيين وحدهم.

   وشدّت قوافل بنو يعرب الرّحالَ صوب مضارب تلّ أبيب،وأشرّت بأصابعها العشرة على صكّ الإقرار و الاعتراف ،و منحت تأييدها المطلق للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، وسارعت لإقامة القواعد العسكرية الأجنبية على أرضيها ومياهها، وسمحت للقاذفات والمقاتلات الغربية بالتحليق في فضاءاتها المفتوحة لطائرات البنتاغون والناتو، ولم تعد القوة العسكرية هي الأدوات التي لجأت إليها القوى الغاشمة لفرض هيمنتها على العواصم العربية، فقد دخلت حيز التطبيق عدة آليات لبناء علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية مع الأنظمة العربية الراضخة لمشاريع التسوية.

  وجاء تتويج مسيرة الانبطاح العربية بالسقطة الكبرى لحركة فتح ومن خلفِها منظمة التحرير الفلسطينية،عندما تنازلت عن حق الفلسطينيين في الكفاح المسلح، وانجرفت مع تيار التسوية، التي انخرط فيها الفلسطينيون، فتاهوا في دوامة من المهادنة والمداهنة و التسويف،وانخدعوا بمتوالية المفاوضات العبثية دون الخروج بأية نتيجة ملموسة.

  وما فتأت رقعة الانبطاح تتسع وتكبر،إلى أن صارت معظم الأقطار العربية تحسب على المعسكر الأمريكي وحلفائه ،فتخندقت للهجوم على الدول التي شقت عصا الطاعة على أمريكا مثلما حدث في العراق.وعادت عقارب الساعة من جديد إلى زمن الخنوع و الذل، ولم يعد التطبيع مطلبا صهيونيا ، بل صار ترنيمة يومية تتغنى بها معظم الأقطار العربية ،بل سارعت وألحت على تضمين هذه الترنيمة فيما سمي بالمبادرة العربية للسلام ،المقدمة من قبل ملك العربية السعودية الحالي إلى مؤتمر القمة ببيروت.

    ربما كان “شمعون بيريز” أكثر واقعية عندما فسر التطبيع والانبطاح بطريقته الخاصة، حيث قال: “إنه الثمرة الحقيقية لتوظيف ريع النفط الخليجي في تشغيل المهارات العربية لخدمة العبقرية الإسرائيلية “

   وقد تعدّدت أوجه التطبيع و مجالاته، حيث سمح للصهاينة الغاصبين بالتغلغل في كل مجالات الحياة العربية ، بدءً بالاقتصاد ، حيث بلغت المبادلات التجارية والتداولية مع الكيان الغاصب أرقاما قياسية ،وخاصة مع دول الخليج والأردن ومصر و تونس و المغرب، وانتهاء بالثقافة و الإعلام،حيث ظهر ذلك جليا في برامج الفضائيات العربية ،التي شرعت في استضافة محللين وخبراء صهاينة في أحاديث وحوارات مباشرة من مكاتبها المنتشرة في كل المدن الفلسطينية المغتصبة.. وظهرت صورة “اليهودي” المسالم والطيب في الأعمال التلفزيونية المغربية و التونسية .

   ولم يكن قطاع التسليح بعيد عن هذا التطبيع ـ رغم حساسيته ـ إذ عملت بعض الدول العربية الرئيسية على التعاقد مع المصانع الصهيونية لتزويدها بشحنات من الأسلحة الخفيفة ، وطائرات التدريب وبعض لوازم مكافحة المظاهرات مثل الهراوات والغازات وقاذفات المياه وغيرها.

   وانتشرت وحدات تخصصية من جهاز المخابرات الصهيونية “الموساد” في المدن العربية الرئيسية، وتغلغل عناصرها في كل مكان، متسترين بعناوين وهمية لشركات استثمارية، وصارت العلاقات بين الدول العربية والدولة العبرية تعيش أزهى أيامها ، في زواج كاتوليكي ، نخشى أن يسفر عن ولادة مسخ لا تأبه لا بالتاريخ ولا بالقيـم ،وتعمل  عن قصد أو بدونه ، على دقّ المسمار الأخير في نعش الممانعة والصمود .

المزيد من مقالات:


   لا يوجد أي تعليق ل “الانبطاح بدل الكفاح”

أضف تعليقك









الآراء الواردة في التعليقات لا تعبر إلا عن آراء أصحابها

 شاركنا على جوجل بلس 

قناة ماروك برس

إعلان

أفضل المقالات

صورة و تعليق

326701benkiranetime-322531796326701.png

المزيد...

الصحافة



النهار المغربية بيان اليوم رشيد ماروك برس ماروك برس هسبريس إيلا�? الاحدات المغربية التجديد الشرق الأوسط الصباح العلم المساء المغربية المنتخب